ارشيف من :أخبار لبنانية

عودة الإنتداب

عودة الإنتداب
ساطع نور الدين - "السفير"

لم يعد التدخل الدولي عيباً او حتى مصدراً للحرج. صار مطلبا شعبيا تردده الجماهير في سرها وتعتبره مخرجاً آمناً ولائقاً من تلك الفضائح الحاكمة التي تنتشر في الارض العربية، والتي يختزلها الآن معمر القذافي الموجود في القفص يصرخ بكلمات غير مفهومة.

لا يعني ذلك ان الشعب العربي يريد الاستعمار، فهو يدرك ان هذا الزمن قد ولى الى غير رجعة، ويعرف ان الغرب نفسه لا يملك الامكانات البشرية ولا المادية ولا طبعاً الخطط او الافكار للعودة الى تلك البلدان التي دخلها في القرن التاسع عشر في ظروف تاريخية وسياسية واقتصادية مختلفة تماماً، ثم غادرها في القرن العشرين، مستعيضاً عنها كلها بدولة اسرائيل في مواجهة الاتحاد السوفياتي وحلفائه، ومستخلصاً عبرة خالدة هي ان العرب انفسهم اقدر على تخريب اوطانهم من اي محتل اجنبي، وانهم في النهاية سيرسلون نداءات الاستغاثة للانتقال مرة ثانية الى حداثة لم يدركوها مع حكامهم واحزابهم التي انتهت عند رجال الدين.

المثال الليبي أشد وضوحاً من المثالين التونسي والمصري اللذين استندا الى بنية اجتماعية متماسكة، لا تستدعي التدخل الدولي ولا تناديه، لكن مؤسساتهما السياسية والعسكرية التزمت حرفياً ولا تزال تلتزم بكتاب التعليمات الذي وضعه الغرب للمرحلة الانتقالية ما بين نظام موروث من حقبة الاستقلال الوطني الى نظام يرجع الى ما قبل الثورات الوطنية على المستعمرين وأذنابهم ويؤسس لحرية وديموقراطية وتعددية هدمها ثوار الامس، في غمرة الصراع مع الاجنبي.
 
حتى الآن لم تسجل حالة واحدة من الاعتداء على اجانب في ليبيا التي يفترض انها كانت اشد حساسية من تونس ومصر تجاه الاجنبي، بل بلغ الامر حد استقبال مراسل قناة سي ان ان الاميركية بن ويديمان وفريقه في مدينة بنغازي الحرة مثل المحرر، وسجلت كاميرته لقطات الاحتفاء به مرفقة بنداءات للتدخل الدولي من اجل تحرير ليبيا كلها من طغيان القائد الثوري الذي خلصها من الملكية وفسادها وعلمها، فقررت رفعه مجدداً الآن في السماء الليبية.

الشعب لا يريد الاستعمار، ولا طبعاً غزواً اميركياً جديداً على نحو ما جرى في العراق او افغانستان، وكان في جوهره عملا ثأرياً من هجمات 11 ايلول 2001 على اميركا التي لا تستطيع ان تكون مستعمراً لشعوب نضجت اكثر من أي وقت مضى. هو يريد فقط اغتيال القذافي او اعتقاله، والمساعدة في تنظيم عملية سياسية انتقالية تشبه تلك الجارية حالياً بهدوء وانتظام شديد في تونس ومصر والبحرين، بمساهمة اميركية واضحة وحاسمة.. تشكل تطويراً لفكرة الانتداب التي اخترعها الاميركيون انفسهم في مطلع القرن الماضي بديلاً عن الاستعمار الاوروبي.

الشعب الليبي ليس قطيعاً من الحمير او الجرذان، ولا مجموعة من المتواطئين مع تنظيم القاعدة، على ما يصفهم القذافي اليوم. لكنه ليس جاهزاً للحكم الذاتي، بعدما دمر القائد الخالد في ليبيا كما في كل وطن عربي كل ما يمكن ان يمهد لانتقال سلمي هادئ ووطني للسلطة من زعيم الى آخر، من غير الورثة البيولوجيين الذين يرهبون الليبيين اكثر مما كان يرعبهم الوالد ولا يزال حتى اللحظة.

2011-02-26