ارشيف من :أخبار لبنانية
دمشق وتأليف الحكومة: لا تقترب فتحترق ولا تبتعد فتبرد
الجميع في استراحة. ولا أحد، الرئيسان ميشال سليمان ونجيب ميقاتي وقوى 8 و14 آذار، يتوقع مفاجأة تصدم جمود الوضع الداخلي وتأجيل تأليف الحكومة الجديدة. بدورها، دمشق لا تنتظر مفاجأة مماثلة، وتكتفي بمراقبة مرحلة ما بعد عصف الانقلابات التي تضرب المنطقة.
يمثّل صمت دمشق وحلفائها في قوى 8 آذار حيال تعثّر الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في تأليف حكومة اللون الواحد، على أنقاض حكومة الرئيس سعد الحريري، جانباً رئيسياً من علاقتها بالوضع اللبناني. قريبة منه إلى حدّ لا يُحرقها، وبعيدة عنه إلى حدّ لا يُشعرها بالبرد. هكذا تقف في منتصف الطريق. تتدخّل فيه ولا تتدخّل. معنية ومتفرّجة في آن معاً. متنبّهة إلى ما يدور فيه، ولا تستخدم أصابعها. تتجاهله ـــــ أو في أحسن الأحوال ـــــ تتصرّف على أنها تتجاهله، وتلمّ بتفاصيل ما يجري فيه في السرّ والعلن.
لم يختف زوّار دمشق لأن هؤلاء باتوا يكتمون ويلتزمون الصمت والسرّية، بل لأن المسؤولين السوريين لم يعودوا يتكلمون.
من أجل ذلك، أثار سكوت دمشق عن المأزق الحكومي الذي يتخبّط فيه الرئيس المكلف وحلفاؤها ـــــ وقد يكونون يوحون بذلك ـــــ أكثر من علامة استفهام، بمثل ما بدا قاطعاً دورها الفاعل في إسقاط حكومة الوحدة الوطنية وإقصاء الرئيس سعد الحريري عن رئاسة الحكومة مذ تخلّى عن المبادرة السعودية ـــــ السورية. عندما تبلّغت في 11 كانون الثاني نعي المبادرة تلك، أطلقت لحلفائها في بيروت صفارة بدء انقلاب سياسي مؤجل منذ تعذّر ترجمة الانقلاب الأمني في 7 أيار 2008 إلى انتصار سياسي كامل، أو شبه كامل.
منذ 12 كانون الثاني، مع استقالة وزراء 8 آذار باستخدامهم الثلث +1 لإسقاط حكومة الحريري، أصبحت دمشق أكثر اطمئناناً إلى دورها في لبنان، وقد مدّت إطاحة الحكومة، ومن ثم تكليف ميقاتي ترؤس حكومة جديدة، الدور السوري بعناصر إيجابية وفيرة أبرزها تأثيره المباشر على الغالبيتين الحكومية والنيابية:
1ــ انتصار هادئ لقوى 8 آذار وانتقال سلمي للسلطة لم يستفزّ الخارج، ولم يحمله على التشكيك فيه لانبثاقه من آلية دستورية، قادت الدول الغربية إلى التسليم بالأمر الواقع، الدستوري والسياسي، الجديد وخصوصاً مع تكليف ميقاتي تأليف الحكومة، وإلى توجيه اهتمامها بحضّ الحكومة اللبنانية على التزام القرارات الدولية بما فيها المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
2ــ إخراج الحريري من رئاسة الحكومة على نحو غير محسوب، في توقيته ونتائجه، عبر قلب الغالبية النيابية من قوى 14 آذار إلى قوى 8 آذار، ووضع السلطة الإجرائية في يد هذه. دانت دمشق بهذا التحوّل لحليفها العائد رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي راح يبرهن، يوماً بعد آخر، على جدّية التصاقه بالخيارات الاستراتيجية لدمشق في لبنان والمنطقة، وكان لدوره في قلب الغالبية النيابية الأثر المباشر في إقصاء الحريري عن رئاسة الحكومة الجديدة. أظهرت دمشق تقديرها للخطوة الأخيرة في الانتقال التدريجي لجنبلاط من موقع إلى آخر، وأبدت حرصاً كبيراً على إرضائه تماماً في تمثيله الوزاري في حكومة ميقاتي، كإحدى الركائز الأساسية لحلفاء دمشق وخياراتها في لبنان. وسيؤول هذا التقدير إلى تعزيز حصة الزعيم الدرزي: ثلاثة وزراء أحدهم كاثوليكي في حكومة من 24 وزيراً، أو أربعة وزراء بينهم كاثوليكي وسنّي في حكومة من 30 وزيراً.
3ــ أوصلت دمشق إلى الرئيس المكلف وحلفائها المعنيين المباشرين بتأليف الحكومة، إشارات مفادها عدم رغبتها بالتدخّل في تأليف الحكومة لدى أي طرف، سواء لحمله على التشدّد في مطالبه، أو على التراخي بها، وخصوصاً رئيس تكتّل التغيير والإصلاح، وتفهّمها المبرّر لحصول الرئيس ميشال عون على حصة وزارية وازنة تعبّر عن حجم تمثيله المسيحي، وكذلك تمثيل المعارضة السنّية في الحكومة الجديدة ولدمشق في صفوفها حلفاء في طرابلس وصيدا والبقاع الغربي.
على وفرة ابتهاجها بوضع حلفائها يدهم على السلطة الإجرائية، لم تشأ دمشق أن توحي مرة بأن حكومة ميقاتي هي حكومتها. لم تظهر إلى العلن الاتصالات المباشرة وغير المباشرة التي أجراها معها الرئيس المكلف في نطاق التشاور نظراً إلى طبيعة علاقته القديمة بالرئيس بشّار الأسد، ولا بيّنت اهتماماً خاصاً بمعالجة دوافع تعثّر الرئيس المكلف في تأليفها، ولا بثنيه عن استمرار الحوار مع قوى 14 آذار بغية إقناعها بالمشاركة في حكومته، في وقت لا تشجّع فيه دمشق على مشاركة كهذه. لم تستعجل أيضاً توزير كل مَن رغبت في ضمّهم إلى الحكومة الجديدة تكريساً لإعادة الوضع اللبناني إلى مظلّة العلاقات اللبنانية ـــــ السورية، تبعاً للمفهوم الذي تلتقي عليه العاصمة السورية وحلفاؤها هؤلاء.
بيد أن الذين أصغوا إلى ما أمكن استنتاجه من الموقف السوري في مرحلة ما بعد إسقاط حكومة الحريري، وتكليف ميقاتي ترؤس الحكومة الجديدة، لمسوا أن دمشق لم تتحدّث عن رئيس الجمهورية ميشال سليمان بحماسة إيجابية مشابهة لتلك التي رافقت الاهتمام بعون وجنبلاط.
4ــ للمرة الأولى تشعر دمشق بأنها مستفيد رئيسي من التطورات الأخيرة في لبنان من دون أن تكون قد تسبّبت فيها علناً، أو ظهر للخارج أنها هي فعلاً مَن قاد الانقلاب على حكومة الحريري لإسقاطها، ووضع رئيس حكومة تصريف الأعمال خارج الحكم. في مرحلة نفوذها المباشر في لبنان ووجود جيشها على أراضيه حتى عام 2005، حملت أسباب كل ما كان يجري فيه وحصدت نتائجه، وصولاً إلى الاتهامات التي سيقت إليها باغتيال الحريري الأب في ظلّ وجودها العسكري والسياسي. بعد انكفائها عن هذا البلد بين عامي 2005 و2008 ـــــ وقد انصرفت في هذه الأثناء إلى فكّ العزلة الدولية والعربية عنها ـــــ راحت تستعيد دورها من خلال إفادتها من أخطاء لم تتسبّب هي فيها، ولم تكن كذلك طرفاً فيها على نحو الحقبة السابقة، شأن قرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في 5 أيار 2008 المواجهة المباشرة مع حزب الله، وشأن إطلاق المحكمة الدولية الضباط الأربعة في 29 نيسان 2009، ثم فتح ملف شهود الزور في مجلس الوزراء في آب 2010 وتنامي وتيرة النزاع عليه إلى حدّ تسبّبه في إسقاط حكومة الحريري. لم تكن دمشق طرفاً في أي من هذه الأحداث، ولم تحصد تماماً نتائجها التي ذهبت تدريجاً إلى حزب الله وحلفائه.
مع سيطرة قوى 8 آذار على الغالبية النيابية وإطاحة الحريري، أفصحت العاصمة السورية عن استنتاج بسيط ناقَضَ تجربتها السابقة في لبنان: مَن يخترع الأسباب لا يستفيد بالضرورة من النتائج.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018