ارشيف من :أخبار عالمية
ليبيا حرب إبادة ومجتمع دولي متفرج!
علي مطر
الجريمة في المفهوم القانوني هي كل فعل او امتناع عن فعل يجرمه القانون، فالفعل او السلوك بحد ذاته يقترن بأن يشار اليه في القانون باعتباره فعلاً غير مشروع وبالتالي فهو جرم.
أما جريمة الإبادة الجماعية فهي تسمية تطلق على القتل الجماعي المنظم، وعادةً ما تقوم بها حكومات وليست أفرادًا ضد مختلف جماعات الجنس البشري الموجودة في الدولة، وتقع الإبادة أكثر ما تقع في أثناء الحروب، وفي أغلب الأحيان يكون المسؤولون عنها من كبار القادة العسكريين والسياسيين، وكثيراً ما تقع الإبادة في أثناء تخبط الدول في أزمات سياسية، خارجية أو داخلية، وعندئذٍ قد يكون التحريض على العدوان بمنزلة إلهاء للناس عن الضيق الذي يشعرون به.
وتحدث الإبادة الجماعية كذلك عندما يكون الحكم استبدادياً. وإذا كانت فئات من الشعوب قد تعرضت في مراحل التاريخ لإبادات جماعية، فإن ما حدث لها من مذابح قد كان على كل حال، في البلاد ذات الحكم الاستبدادي، أكثر بكثير مما كان في البلاد ذات الحكم الديمقراطي.
وكان التاريخ الإنساني مليئا بالمجازر التي ارتكبت من قبل الدول على المستويين الداخلي ضد شعوبها والخارجي ضد الشعوب الأخرى. ورغم كثرة مجازر الإبادة الجماعية إلا انه لم يُشر إلا إلى تلك التي حدثت في القرن العشرين.
ونتيجة للفظاعات التي ارتكبت أثناء محاولات الإبادة لطوائف وشعوب على أساس قومي أو عرقي أو ديني أو سياسي، صنفت كـجريمة دولية في اتفاقية وافقت الأمم المتحدة عليها بالإجماع سنة 1948 ووضعت موضع التنفيذ 1951 بعد أن صدقت عليها عشرون دولة.
ثم صدقت 133 دولة علي الاتفاقية بينها الاتحاد السوفييتي (1954) والولايات المتحدة (1988). أما من الدول العربية فقد صدقت المملكة العربية السعودية ومصر والعراق والأردن والكويت وليبيا والمغرب وسوريا وتونس. ولم تصدق 50 دولة بينها قطر والإمارات المتحدة وعمان وموريتانيا وتشاد.
وطبقت هذه الاتفاقية عملياً من قبل المحكمتان الدوليتان بسبب عمليات الإبادة في رواندا والبوسنة الدوليتان بسبب عمليات الإبادة. وفي 1998 حُكما مرتكبي الإبادة الجماعية في رواندا لسجن لمدة الحياة وبينهما جان كمباندا الذي كان رئيس الوزراء في بداية عملية الإبادة والذي اعترف بمسؤوليته عن إبادة المدنيين التونسيين.
و تظهر هذه الجريمة (جريمة الإبادة) في ثلاث مظاهر هي :
1ـ الإبادة الجسدية وهي الاعتداء على الحقوق اللصيقة بشخص الانسان كالحياة والسلامة الجسدية .
2ـ الإبادة البيولوجية : هذه تنصب على قطع مصادر الحياة والنمو البشري كأجهاض النساء وتعقيم الرجال .
3ـ الإبادة الثقافية :وهذه تقع على المنظومة التفكيرية السلوكية والعقائدية المتمثلة بتحريم اللغة الوطنية والاعتداء على التقاليد الدينية .
وقد نصت اتفاقية العام 1948 على ( ان ابادة الجنس البشري جريمة في نظر القانون الدولي تتعارض مع اغراض ومقاصد الامم المتحدة ، كما ان العالم المتمدن ينكرها .. ) واكدت ذلك المادة الاولى التي تنص "تؤكد الدول المتعاقدة ان الافعال التي ترمي الى ابادة الجنس البشري سواء ارتكبت في زمن السلم اوفي زمن الحرب تعد جريمة في نظر القانون الدولي"، وعليه فما تضمنته هذه الاتفاقية اشار بوضوح بأن الجرائم التي ترتكب ضد الانسانية في زمن الحرب هي ليست الوحيدة وانما حتى الجرائم التي ترتكب في زمن السلم تعتبر مشمولة باعتبارها جرائم ضد البشرية ومجرمة دولياً .
وكذلك فإن الاعتداء على الجماعة او المجموعة البشرية جسيماً، وجسامة الفعل تتأتى من كونه انتهاكاً لانسانية الانسان وتحدٍ لمبادئ الاخلاق لهذا نصت المادة ( 5 ) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان ( لا يعرض الانسان للتعذيب ولا للعقوبات او المعاملات القاسية او الوحشية او الحاطة بالكرامة ) ومعسكرات اعتقال المدنين في حرب يوغسلافيا السابقة مثالاً لذلك.
بعد هذا العرض لمفهوم جريمة الإبادة وعناصره فإنه حري بنا أن نتطرق إلى ما يحدث اليوم في ليبيا من قبل نظام معمر القذافي الدموي بحق الشعب الليبي، وما يقوم به من قتل وتعذيب، وتهجير بحق الليبيين، أفلا يعتبر ما يقوم به القذافي حرب إبادة بحق الشعب الليبي؟، وبالتالي وقوف المجتمع الدولي كمشاهد للأحداث دون أي تحرك في هذا الصدد.
لقد مرت 10 أيام على انطلاق ثورة الشعب الليبي لإسقاط نظام القذافي الدكتاتوري، وتشير تقارير المنظمات الدولية الحقوقية، إلى أن هناك ما يقارب 3000 شهيد حتى الان عدا عن الأعداد الكبيرة من المصابين في صفوف المتظاهرين، وقد قام معمر القذافي باستئجار المئات من مرتزقة وأستخدم قواته الأمنية وعناصر من الجيش، ضد الشعب الليبي الأعزل وضربه بالطيران الحربي وبشن غارات وطلعات جوية في سابقة غير معهودة، وذلك حسب ما اشارت التقارير الصحافية والإعلامية والحقوقية، ما أدى إلى حصول مجازر مروعة في صفوف المتظاهرين.
ولم يسجل التاريخ حتى في أحلك فتراته ان استعان نظام بمرتزقة أجانب لحمايته من شعبه ولتسليطهم على رقاب العباد ينكلون بهم ويحصدون أرواحهم ويغتصبون نساءهم مثل النظام الليبي الذي فقد شرعيته ومبرر وجوده والذي تتضاءل امام جرائمه بحق شعبه قام بذلك، على الرغم من أن التعرض للمدنيين محظور بموجب القانون الدولي الذي يضمن التظاهر السلمي.
وعلى الرغم من أن الأحرار من ضباط الجيش والأمن انحازوا للثورة منذ اللحظة الأولى إلا أن النظام اغرى بعض ضعاف النفوس من الليبيين بالإضافة إلى حشد المئات من المرتزقة الأجانب وخاصة الأفارقة الذين تمكنوا من قصف المتظاهرين العزل في طرابلس بالطائرات والمدفعية الثقيلة واقترفوا جريمة بشعة.
وقد أفاد شهود عيان في طرابلس انه "تم اللجوء للطائرات لقمع المتظاهرين في عدة مناطق من العاصمة"، وأشاروا إلى أن "مرتزقة أجانب يواصلون إطلاق النار على المدنيين في المدينة، وأكدوا سقوط أكثر من 500 شهيد وآلاف الجرحى".
إن كل ما تقدم ذكره، يشير بشكل واضح إلى أن معمر القذافي استخدم القوة المفرطة بحق الليبيين الذين انتفضوا ضده وأرادوا إسقاطه، وذلك فإن استخدام الأسلحة القاتلة من طائرات ومدفعية ضد المتظاهرين العزل، وإعتقال أبناء الشعب وحصول حالات إغتصاب بحق النساء من قبل مرتزقة القذافي هي دون أدنى شك جرائم بشعة ضد أبناء الشعب يحاسب عليها القانون الدولي، عدا عن التهديد باستخدام القوة لإرهاب المتظاهرين، ووصفهم "بالجرذان" وإعطاء الأوامر للقضاء عليهم، والتهديد والوعيد، وبالتالي فإن تصرفات القذافي تعارض بنود اتفاقية الأمم المتحدة من أجل جرائم الإبادة والتي أشرنا اليها سلفاً، فإن أعددا الشهداء الذي وصل إلى أكثر من 2000 شهيد هو دون أدنى شك إبادة جماعية بحق أبناء الشعب الليبي.
إلا أن ما يثير الريبة هو موقف المجتمع الدولي، ولاسيما الدول الكبرى، الذي تقف في مكان المشاهد، وكأن الديمقراطية وحقوق الإنسان لا تعني لها شيئاً سوء التنظير بها كما تخدم مصالحها، حيث اكتفتت الدول بالمواقف المنددة والمستنكرة دون أخذ أية خطوات تقي الشعب الليبي من دموية القذافي.
فقد اعلنت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون السبت تأييدهما فرض "عقوبات قاسية" على النظام الليبي وفي "اسرع وقت ممكن"، وذلك خلال اتصال هاتفي بينهما.
وفي تركيا، رأى رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أنه " من الخطأ تجاهل مطالب الليبيين الديمقراطية"، قائلاً "نحذر النظام الليبي من خطأ تجاهل مطالب الشعب".
اما رئيس وزراء ايطاليا سالفيو برلسكوني الذي لم يحرك ساكناً نتيجة ما يحدث من تظاهرات ضد نظام صديقه القذافي وما يرتكبه الأخير من مجازر بحق شعبه، زقف اليوم ليقول أن القذافي لم يعد يسيطر على ليبيا.
اما الصين فقد أبدت قلقها إزاء الاضطرابات في ليبيا، وحثّت النظام الليبي على التحقيق في حوادث ضد الشركات الصينية ومواطنين في البلاد.
وحذّرت المفوضة العليا لحقوق الانسان في الأمم المتحدة نافي بيلاي، من أن ما ترتكبه السلطات الليبية من "هجمات منظّمة ضد السكان المدنيين يعتبر جرائم ضد الانسانية"، مطالبة بفتح "تحقيق دولي مستقل" حول هذه الارتكابات، كما دعت الى "الوقف الفوري للانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان التي ترتكبها السلطات الليبية".
أما الرئيس الاميركي باراك أوباما الذي كان قد هدد بالحظر الجوي في ليبيا، فإن مواقف وخطوات إدارته حتى الان لم ترقى إلى درجة حماية حقوق الإنسان التي تدعيها عندما ترعب في تحقيق مصالحها.
واعتبر اوباما ان "نظام معمر القذافي انتهك القوانين الدولية وابسط القواعد الاخلاقية ولا بد من تحميله المسؤولية".
إن مواقف هذه الدول لاسيما موقف الولايات المتحدة الأميركية يثير الدهشة، وهي ما برحت تنادي بحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير، والديمقراطية، والحرية، والعدالة، وشعارات كثيراً ما ترددها لتنال ما تريده من الشعوب، هذه الإدارة التي أوقفت قرار قدمته الدول العربية الى مجلس الأمن لوقف الاستيطان الصهيوني في فلسطين، لا يهمها من الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا تأمين أمن العدو الصهيوني وحماية هذا الوجود على حساب حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، كان أجدر بها أن تتحرك وتضغط على مجلس الأمن لحماية حقوق الإنسان في ليبيا عبر إتخاذ عدة خطوات، ومنها:
1ـ فرض حظر على الاسلحة.
2ـ منع سفر القذافي خارج البلاد توقيف ارصدته.
3ـ فرض حظر جوي على الطيران الليبي لمنع توجه ضربات جوية من قبل القذافي ضد المتظاهرين.
إلا أن الشعوب المظلومة أصبحت واعية لما تريده أميركا، فهي لم تحرك ساكنا ضد حسني مبارك عندما استخدم المرتزقة ضد أبناء مصر، وذلك لكي ترى إلى ما ستؤول اليه الأمور، وعندما تبين معها أن مبارك ساقط وأن الثورة ستنتصر بدأت تنادي بالإصلاحات وحقوق الشعب المصري، لتتحول إلى داعية ضد مبارك، وكذلك فعلت في تونس، وإستراتجيتها بدت واضحة في اليمن مع دعوة على عبدالله صالح لأحداث إصلاحات وفي البحرين، ولم تحرك ساكنا في ليبيا على الرغم من سقوط القتلى والجرحى في صفوف المدنيين، ولكن بعد أن شاهدت أن الأمور تتطور بدأت تدعو إلى الإصلاحات، واليوم ومع دموية معمر القذافي وفقدانه الشرعية الدولية تأتي أميركا لتهدد بفرض حظر طيران، او منع القذافي من السفر وتوقيف أرصدته. إلأ أن ما كانت تتريث لأجله أميركا معروف وهو نفط ليبيا وتأمين مصالحها في ليبيا وثروات ليبيا.
قد أصبحت الأستراتيجية الأميركية من حقوق الإنسان وحقوق الشعوب واضحة ولا تخفى على أحد وهي:
1ـ تأمين مصالحها في المنطقة ولاسيما في الدول العربية.
2ـ حماية أمن كيان العدو الصهيوني.
3ـ الحفاظ على الثروات الاقتصادية التي تحصل عليها الولايات المتحدة الأميركية من الدول العربية.
4ـ حفظ ماء وجه أميركا أمام الأنظمة العربية في حال لم تنج الثورات المتكررة.
5ـ محاولة لعب دور في هذه الثورات بعد نجاحه وإظهار الإدارة الأميركية على أنه أم هذه الثورات.
6ـ محاولة إحتواء هذه الثورات وعدم التغيير الشامل بحيث لا تتحول بعض الدول العربية "الصديقة لإسرائيل" عدوةً لها.
أخيراً إن ما يحصل في ليبيا وما يقوم به نظام الطاغية القذافي الدموي الذي سقط إنسانياً ودولياً، هو فظاعة وجريمة بحق الإنسانية، ويشكل خرقا ً للمعايير الإنسانية والقانونية، ويخالف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وينتهك حرمة الإنسان ويخالف الشرائع السماوية، وكان من الأجدر بالدول العربية والمجتمع الدولي أن تتحرك من لأجل الحفاظ على دماء الأبرياء في ليبيا والتخلص من هذا النظام البأس اليأس المجرم المستبد.
الجريمة في المفهوم القانوني هي كل فعل او امتناع عن فعل يجرمه القانون، فالفعل او السلوك بحد ذاته يقترن بأن يشار اليه في القانون باعتباره فعلاً غير مشروع وبالتالي فهو جرم.
أما جريمة الإبادة الجماعية فهي تسمية تطلق على القتل الجماعي المنظم، وعادةً ما تقوم بها حكومات وليست أفرادًا ضد مختلف جماعات الجنس البشري الموجودة في الدولة، وتقع الإبادة أكثر ما تقع في أثناء الحروب، وفي أغلب الأحيان يكون المسؤولون عنها من كبار القادة العسكريين والسياسيين، وكثيراً ما تقع الإبادة في أثناء تخبط الدول في أزمات سياسية، خارجية أو داخلية، وعندئذٍ قد يكون التحريض على العدوان بمنزلة إلهاء للناس عن الضيق الذي يشعرون به.
وتحدث الإبادة الجماعية كذلك عندما يكون الحكم استبدادياً. وإذا كانت فئات من الشعوب قد تعرضت في مراحل التاريخ لإبادات جماعية، فإن ما حدث لها من مذابح قد كان على كل حال، في البلاد ذات الحكم الاستبدادي، أكثر بكثير مما كان في البلاد ذات الحكم الديمقراطي.
وكان التاريخ الإنساني مليئا بالمجازر التي ارتكبت من قبل الدول على المستويين الداخلي ضد شعوبها والخارجي ضد الشعوب الأخرى. ورغم كثرة مجازر الإبادة الجماعية إلا انه لم يُشر إلا إلى تلك التي حدثت في القرن العشرين.
ونتيجة للفظاعات التي ارتكبت أثناء محاولات الإبادة لطوائف وشعوب على أساس قومي أو عرقي أو ديني أو سياسي، صنفت كـجريمة دولية في اتفاقية وافقت الأمم المتحدة عليها بالإجماع سنة 1948 ووضعت موضع التنفيذ 1951 بعد أن صدقت عليها عشرون دولة.
ثم صدقت 133 دولة علي الاتفاقية بينها الاتحاد السوفييتي (1954) والولايات المتحدة (1988). أما من الدول العربية فقد صدقت المملكة العربية السعودية ومصر والعراق والأردن والكويت وليبيا والمغرب وسوريا وتونس. ولم تصدق 50 دولة بينها قطر والإمارات المتحدة وعمان وموريتانيا وتشاد.
وطبقت هذه الاتفاقية عملياً من قبل المحكمتان الدوليتان بسبب عمليات الإبادة في رواندا والبوسنة الدوليتان بسبب عمليات الإبادة. وفي 1998 حُكما مرتكبي الإبادة الجماعية في رواندا لسجن لمدة الحياة وبينهما جان كمباندا الذي كان رئيس الوزراء في بداية عملية الإبادة والذي اعترف بمسؤوليته عن إبادة المدنيين التونسيين.
و تظهر هذه الجريمة (جريمة الإبادة) في ثلاث مظاهر هي :
1ـ الإبادة الجسدية وهي الاعتداء على الحقوق اللصيقة بشخص الانسان كالحياة والسلامة الجسدية .
2ـ الإبادة البيولوجية : هذه تنصب على قطع مصادر الحياة والنمو البشري كأجهاض النساء وتعقيم الرجال .
3ـ الإبادة الثقافية :وهذه تقع على المنظومة التفكيرية السلوكية والعقائدية المتمثلة بتحريم اللغة الوطنية والاعتداء على التقاليد الدينية .
وقد نصت اتفاقية العام 1948 على ( ان ابادة الجنس البشري جريمة في نظر القانون الدولي تتعارض مع اغراض ومقاصد الامم المتحدة ، كما ان العالم المتمدن ينكرها .. ) واكدت ذلك المادة الاولى التي تنص "تؤكد الدول المتعاقدة ان الافعال التي ترمي الى ابادة الجنس البشري سواء ارتكبت في زمن السلم اوفي زمن الحرب تعد جريمة في نظر القانون الدولي"، وعليه فما تضمنته هذه الاتفاقية اشار بوضوح بأن الجرائم التي ترتكب ضد الانسانية في زمن الحرب هي ليست الوحيدة وانما حتى الجرائم التي ترتكب في زمن السلم تعتبر مشمولة باعتبارها جرائم ضد البشرية ومجرمة دولياً .
وكذلك فإن الاعتداء على الجماعة او المجموعة البشرية جسيماً، وجسامة الفعل تتأتى من كونه انتهاكاً لانسانية الانسان وتحدٍ لمبادئ الاخلاق لهذا نصت المادة ( 5 ) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان ( لا يعرض الانسان للتعذيب ولا للعقوبات او المعاملات القاسية او الوحشية او الحاطة بالكرامة ) ومعسكرات اعتقال المدنين في حرب يوغسلافيا السابقة مثالاً لذلك.
بعد هذا العرض لمفهوم جريمة الإبادة وعناصره فإنه حري بنا أن نتطرق إلى ما يحدث اليوم في ليبيا من قبل نظام معمر القذافي الدموي بحق الشعب الليبي، وما يقوم به من قتل وتعذيب، وتهجير بحق الليبيين، أفلا يعتبر ما يقوم به القذافي حرب إبادة بحق الشعب الليبي؟، وبالتالي وقوف المجتمع الدولي كمشاهد للأحداث دون أي تحرك في هذا الصدد.
لقد مرت 10 أيام على انطلاق ثورة الشعب الليبي لإسقاط نظام القذافي الدكتاتوري، وتشير تقارير المنظمات الدولية الحقوقية، إلى أن هناك ما يقارب 3000 شهيد حتى الان عدا عن الأعداد الكبيرة من المصابين في صفوف المتظاهرين، وقد قام معمر القذافي باستئجار المئات من مرتزقة وأستخدم قواته الأمنية وعناصر من الجيش، ضد الشعب الليبي الأعزل وضربه بالطيران الحربي وبشن غارات وطلعات جوية في سابقة غير معهودة، وذلك حسب ما اشارت التقارير الصحافية والإعلامية والحقوقية، ما أدى إلى حصول مجازر مروعة في صفوف المتظاهرين.
ولم يسجل التاريخ حتى في أحلك فتراته ان استعان نظام بمرتزقة أجانب لحمايته من شعبه ولتسليطهم على رقاب العباد ينكلون بهم ويحصدون أرواحهم ويغتصبون نساءهم مثل النظام الليبي الذي فقد شرعيته ومبرر وجوده والذي تتضاءل امام جرائمه بحق شعبه قام بذلك، على الرغم من أن التعرض للمدنيين محظور بموجب القانون الدولي الذي يضمن التظاهر السلمي.
وعلى الرغم من أن الأحرار من ضباط الجيش والأمن انحازوا للثورة منذ اللحظة الأولى إلا أن النظام اغرى بعض ضعاف النفوس من الليبيين بالإضافة إلى حشد المئات من المرتزقة الأجانب وخاصة الأفارقة الذين تمكنوا من قصف المتظاهرين العزل في طرابلس بالطائرات والمدفعية الثقيلة واقترفوا جريمة بشعة.
وقد أفاد شهود عيان في طرابلس انه "تم اللجوء للطائرات لقمع المتظاهرين في عدة مناطق من العاصمة"، وأشاروا إلى أن "مرتزقة أجانب يواصلون إطلاق النار على المدنيين في المدينة، وأكدوا سقوط أكثر من 500 شهيد وآلاف الجرحى".
إن كل ما تقدم ذكره، يشير بشكل واضح إلى أن معمر القذافي استخدم القوة المفرطة بحق الليبيين الذين انتفضوا ضده وأرادوا إسقاطه، وذلك فإن استخدام الأسلحة القاتلة من طائرات ومدفعية ضد المتظاهرين العزل، وإعتقال أبناء الشعب وحصول حالات إغتصاب بحق النساء من قبل مرتزقة القذافي هي دون أدنى شك جرائم بشعة ضد أبناء الشعب يحاسب عليها القانون الدولي، عدا عن التهديد باستخدام القوة لإرهاب المتظاهرين، ووصفهم "بالجرذان" وإعطاء الأوامر للقضاء عليهم، والتهديد والوعيد، وبالتالي فإن تصرفات القذافي تعارض بنود اتفاقية الأمم المتحدة من أجل جرائم الإبادة والتي أشرنا اليها سلفاً، فإن أعددا الشهداء الذي وصل إلى أكثر من 2000 شهيد هو دون أدنى شك إبادة جماعية بحق أبناء الشعب الليبي.
إلا أن ما يثير الريبة هو موقف المجتمع الدولي، ولاسيما الدول الكبرى، الذي تقف في مكان المشاهد، وكأن الديمقراطية وحقوق الإنسان لا تعني لها شيئاً سوء التنظير بها كما تخدم مصالحها، حيث اكتفتت الدول بالمواقف المنددة والمستنكرة دون أخذ أية خطوات تقي الشعب الليبي من دموية القذافي.
فقد اعلنت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون السبت تأييدهما فرض "عقوبات قاسية" على النظام الليبي وفي "اسرع وقت ممكن"، وذلك خلال اتصال هاتفي بينهما.
وفي تركيا، رأى رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أنه " من الخطأ تجاهل مطالب الليبيين الديمقراطية"، قائلاً "نحذر النظام الليبي من خطأ تجاهل مطالب الشعب".
اما رئيس وزراء ايطاليا سالفيو برلسكوني الذي لم يحرك ساكناً نتيجة ما يحدث من تظاهرات ضد نظام صديقه القذافي وما يرتكبه الأخير من مجازر بحق شعبه، زقف اليوم ليقول أن القذافي لم يعد يسيطر على ليبيا.
اما الصين فقد أبدت قلقها إزاء الاضطرابات في ليبيا، وحثّت النظام الليبي على التحقيق في حوادث ضد الشركات الصينية ومواطنين في البلاد.
وحذّرت المفوضة العليا لحقوق الانسان في الأمم المتحدة نافي بيلاي، من أن ما ترتكبه السلطات الليبية من "هجمات منظّمة ضد السكان المدنيين يعتبر جرائم ضد الانسانية"، مطالبة بفتح "تحقيق دولي مستقل" حول هذه الارتكابات، كما دعت الى "الوقف الفوري للانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان التي ترتكبها السلطات الليبية".
أما الرئيس الاميركي باراك أوباما الذي كان قد هدد بالحظر الجوي في ليبيا، فإن مواقف وخطوات إدارته حتى الان لم ترقى إلى درجة حماية حقوق الإنسان التي تدعيها عندما ترعب في تحقيق مصالحها.
واعتبر اوباما ان "نظام معمر القذافي انتهك القوانين الدولية وابسط القواعد الاخلاقية ولا بد من تحميله المسؤولية".
إن مواقف هذه الدول لاسيما موقف الولايات المتحدة الأميركية يثير الدهشة، وهي ما برحت تنادي بحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير، والديمقراطية، والحرية، والعدالة، وشعارات كثيراً ما ترددها لتنال ما تريده من الشعوب، هذه الإدارة التي أوقفت قرار قدمته الدول العربية الى مجلس الأمن لوقف الاستيطان الصهيوني في فلسطين، لا يهمها من الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا تأمين أمن العدو الصهيوني وحماية هذا الوجود على حساب حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، كان أجدر بها أن تتحرك وتضغط على مجلس الأمن لحماية حقوق الإنسان في ليبيا عبر إتخاذ عدة خطوات، ومنها:
1ـ فرض حظر على الاسلحة.
2ـ منع سفر القذافي خارج البلاد توقيف ارصدته.
3ـ فرض حظر جوي على الطيران الليبي لمنع توجه ضربات جوية من قبل القذافي ضد المتظاهرين.
إلا أن الشعوب المظلومة أصبحت واعية لما تريده أميركا، فهي لم تحرك ساكنا ضد حسني مبارك عندما استخدم المرتزقة ضد أبناء مصر، وذلك لكي ترى إلى ما ستؤول اليه الأمور، وعندما تبين معها أن مبارك ساقط وأن الثورة ستنتصر بدأت تنادي بالإصلاحات وحقوق الشعب المصري، لتتحول إلى داعية ضد مبارك، وكذلك فعلت في تونس، وإستراتجيتها بدت واضحة في اليمن مع دعوة على عبدالله صالح لأحداث إصلاحات وفي البحرين، ولم تحرك ساكنا في ليبيا على الرغم من سقوط القتلى والجرحى في صفوف المدنيين، ولكن بعد أن شاهدت أن الأمور تتطور بدأت تدعو إلى الإصلاحات، واليوم ومع دموية معمر القذافي وفقدانه الشرعية الدولية تأتي أميركا لتهدد بفرض حظر طيران، او منع القذافي من السفر وتوقيف أرصدته. إلأ أن ما كانت تتريث لأجله أميركا معروف وهو نفط ليبيا وتأمين مصالحها في ليبيا وثروات ليبيا.
قد أصبحت الأستراتيجية الأميركية من حقوق الإنسان وحقوق الشعوب واضحة ولا تخفى على أحد وهي:
1ـ تأمين مصالحها في المنطقة ولاسيما في الدول العربية.
2ـ حماية أمن كيان العدو الصهيوني.
3ـ الحفاظ على الثروات الاقتصادية التي تحصل عليها الولايات المتحدة الأميركية من الدول العربية.
4ـ حفظ ماء وجه أميركا أمام الأنظمة العربية في حال لم تنج الثورات المتكررة.
5ـ محاولة لعب دور في هذه الثورات بعد نجاحه وإظهار الإدارة الأميركية على أنه أم هذه الثورات.
6ـ محاولة إحتواء هذه الثورات وعدم التغيير الشامل بحيث لا تتحول بعض الدول العربية "الصديقة لإسرائيل" عدوةً لها.
أخيراً إن ما يحصل في ليبيا وما يقوم به نظام الطاغية القذافي الدموي الذي سقط إنسانياً ودولياً، هو فظاعة وجريمة بحق الإنسانية، ويشكل خرقا ً للمعايير الإنسانية والقانونية، ويخالف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وينتهك حرمة الإنسان ويخالف الشرائع السماوية، وكان من الأجدر بالدول العربية والمجتمع الدولي أن تتحرك من لأجل الحفاظ على دماء الأبرياء في ليبيا والتخلص من هذا النظام البأس اليأس المجرم المستبد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018