ارشيف من :أخبار لبنانية
مدعي عام المحكمة الدولية يطلب تزويده بـ"Data" اتصالات كلّ اللبنانيين من العام 2004 حتى اليوم
يستكمل فريق المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تحضير عدته لتدعيم القرار الإتهامي المزمع صدوره عنها قريبا بجميع الذرائع القانونية و"المشرعة" في أدبياته، وهو ما تجلّى من خلال طلب مكتب المدعي العام الدولي دانيال بلمار من وزارة الاتصالات تزويده بنسخة "ذهبية" عن بيانات الاتصالات الخاصة بجميع اللبنانيين، منذ عام 2004 الى العام 2010 .
الطلب الذي تقدّم به مكتب بلمار أكثر من مرة تضمّن جملة من التفاصيل أبرزها سجل الإتصالات الصادرة والواردة من كل هاتف خلوي على الأراضي اللبنانية، ومدة كل إتصال ومضمون كل رسالة نصية (SMS)، والرقم التسلسلي الخاص بكل شريحة وجهاز هاتف خلوي، والخدمات الهاتفية التي تقدّم بها المشتركون مع تفاصيلها، وطلبات إستبدال شريحة الهاتف الخلوي، إضافة الى كل الملفات الموجودة في الشركتين لجميع المشتركين (بطاقة الهوية، إفادة السكن، رقم الحساب المصرفي) وجميع المعلومات المتوافرة عن حركة الحسابات المصرفية لجميع المشتركين، وهذا بحدّ ذاته يثير إستغرابا كبيرا نظرا لمخالفته الفاضحة للدستور اللبناني وقانون السرية المصرفية وقانون التنصت الهاتفي وما يترتب على ذلك من انتهاك للحقوق والحريات الشخصية للمواطنين اللبنانيين، فضلا عن مضاره الأمنية والاقتصادية.
وتذكّر رسالة بلمار المقدّمة الى وزير الاتصالات شربل نحاس، بما كان الأميركيون قد طلبوه من المديرية العامة لقوى الأمني الداخلي في أذار 2010 ، وهي القضية التي أثارت جدلاً واسعاً في لبنان آنذاك على خلفية ما بات يُعرف بـ"إتفاق ريفي - فيلتمان"، أي الإتفاقية الأمنية المعقودة بصورة غير شرعية بين الحكومتين اللبنانية والأميركية عام 2007، بالنظر لما تضمنه الطلب الأميركي حينذاك من معلومات حول مواقع أعمدة بث الهاتف الخلوي وتفاصيلها التقنية ومواصفاتها ورموز التشفير الخاصة بها. وهو ما يطرح أيضا علامات إستفهام حول مدى الإنكشاف الأمني للبنانيين الذي يمكن أن تخلفه الاستجابة لطلبي بلمار والإدارة الاميركية.
وإذا كان المدعي العام الدولي دانيال بلمار قد حرص في طلبه الموجه الى وزارة الاتصالات على أن تكون لائحة بيانات اللبنانيين معدة في "نسخة ذهبية"، ما يعني أن تكون اللائحة مرفقة بتواقيع المسؤولين المعنيين، وبإفادة تثبت أن تلك البيانات المطلوبة أُخذت من مصدرها الأصلي من دون أيّ تعديل أو تحوير أو تغيير، وذلك بهدف إستخدام هذه البيانات كدليل أصلي أمام المحكمة الدولية، الا أن الوزير نحاس أحال طلب بلمار الى مجلس الوزراء في 11 كانون الثاني الماضي أي قبل إستقالة الحكومة بيوم واحد تقريبا، لإتخاذ الموقف المناسب بشأنه، وهو ما سارع الحريري للرد عليه بإبداء موافقته على تزويد مكتب المدعي العام بكل ما يريده.
ولم يقف الحريري عند هذا الحدّ، بل ذهب الى أبعد من ذلك بعدما تم تسريبه من معطيات صحفية تشير الى أن الأخير حثّ المحكمة على إصدار بيان تتّهم فيه وزارة الاتصالات بعدم التعاون معها أو تطلب من لبنان العمل على عدم عرقلة عملها، وهنا أيضا برزت إشكالية دستورية وقانونية تتعلّق بالجهة المخوّلة بالبت بطلب بلمار وصاحبة الصلاحية بهذا الشأن.
الوزير نحاس أكد صحة طلبات بلمار، وأوضح أنه "كان في صدد طرح مواضيع تتعلّق بأنظمة وقوانين لبنانية يؤخذ من خلالها القرار المناسب حيال هذا الطلب وذلك قبل سقوط الحكومة، ولكنّ بعد مضيّ شهر على ذلك يتسلّم ردّ من الحريري يدعو فيه الى تلبية الطلب، وهو ما دفعه الى إعادته الى مجلس الوزراء مرفق بشرح حول هذا الموضوع مع كتاب حول ردّ رئيس الحكومة لأن الأخير ليس فقط من يدير الجلسة بل هو وزير كغيره من الوزراء".
وأشار نحاس في حديث الى موقع "الانتقاد" الى أنه "وضع رئيسي الجمهورية ميشال سليمان ومجلس النواب نبيه بري في أجواء طلب بيلمار خاصة أن هذا الموضوع يجب أن يناقش في مجلس الوزراء لإتخاذ القرار المناسب، ولفت الى أنه "لمس من الرئيسين تفهما كاملا للموقف الذي إتخذته".
وأمل نحاس ألا تصحّ المعلومات التي تفيد بأن الحريري حثّ المحكمة على إصدار بيان ضدّ وزارة الاتصالات بحجة عدم تعاونها معها، وشدّد على أن "مجلس الوزراء مكتملا يمثّل السلطة التنفيذية في لبنان وليس هو(الحريري) وحده خاصة في مسائل مهمة كالمطروحة اليوم".
ورأى نحاس أن المدعي العام الدولي "يصر اليوم على طلب أن تحتوي بيانات إتصالات اللبنانيين منذ سبع سنوات على تواقيع شهود بعد أن كانت تمرّ بقنوات غير رسمية، خلافا لما سبق وحصلوا عليه في مراحل ماضية".
بدوره، أوضح عضو المجلس الدستوري السابق القاضي سليم جريصاتي أنه "لا يحقّ لأي جهة أن تطلب تزويدها بما يسمّى "النسخة الذهبية" من بيانات إتصالات اللبنانيين، لأن هذا الأمر هو مخالف للدستور والقوانين التي ترعى وتحمي المعلومات الخاصة وحرمة حياة المواطنين، إضافة الى هتك مبدأ الفصل بين السلطتين الإجرائية والقضائية، لا سيّما أن الأخيرة تمّ التنازل عنها في معرض جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري كليا لمصلحة المحكمة الخاصة بلبنان".
ورأى جريصاتي في حديث الى موقعنا الألكتروني أن "خطورة هذا الطلب تكمن في تزويد هذه المعلومات والكشف عنها بشكل واسع الى جانب تسريبها، ما يجعل من ذلك إنكشافا على مستوى الحياة الخاصة والاجتماعية والأمنية أيضا، بينما يخوض لبنان معركة مواجهة المؤامرات التي تحاك ضدّه وتحت أقنعة مختلفة"، وأشار الى أن "بروتوكول التعاون الحالي الموقّع بين وزارة العدل ومكتب المدعي العام الدولي يسمح بتزويد بعض المعلومات التي يرتئيها بما فيها الوثائق التي تكون في حيازة الإدارات اللبنانية على أنواعها، والأدهى أن من يضمن تسليم تلك المعلومات هو بلمار نفسه، أي أن هذا البروتوكول يجعل من المدعي العام الدولي قادرا على ليّ ذراع السلطة الإجرائية في أي مسألة تتعلّق بموضوع إلتزامات لبنان حيال الاتفاقية المذكورة".
ولم يستغرب جريصاتي أن يكون "الحريري قد قبل طلب بلمار رغم شموليته "لأننا نعرف أن فريق 14 آذار ومكوناته رضي بإتفاقية المحكمة وهو مقتنع بتلك الممارسة وبجدواها من دون الإلتفات الى النواحي الدستورية والقانونية التي تمّ هدرها ولا حتى الى المعلومات الخاصة بالشعب اللبناني التي ستصبح معرضة للانكشاف وبالتالي الى الاستغلال".
وربط القاضي جريصاتي حاجة المدعي العام الى "دليل أصلي" بـ"فرضية عدم إكتمال عناصر لائحة الإتهام"، وأضاف أنه "سبق لبلمار أن تقدّم الى قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين بلائحة إتهام ولا يزال الأخير ينظر فيها، كما أنه طلب من غرفة الاستئناف في المحكمة تفسيرات تتعلّق بالقانون الواجب التطبيق على عناصر الإتهام".
واذ ذكّر بضرورة أن يحتوي القرار الظني إما على أدلة ظرفية أو قطعية"، رجّح جريصاتي أن "يكون تشاور بلمار مع فرانسين قد دلّ على ثغرات في لائحة القرار الاتهامي ما دفعه الى إلحاقها بمكامن قوة كإبراز أدلة أصلية".
وإستنتج جريصاتي من الطلبات المتتالية لبلمار أن "دليل الاتصالات هو الدليل الملك في لائحة الاتهام، كما جاء سابقا في المؤتمر المشترك مع النائب محمد رعد الذي كان مخصصا لتفنيد الثغرات القانونية في المحكمة الدولية".
وأرجع عضو المجلس الدستوري السابق قدرة حسم مصير هذا الطلب الى حكومة لبنانية متماسكة تعيد الى القضاء سيادته دون أي هدر للالتزامات الدولية أو إنتقاص منها، خاصة أن القرار الدولي 1757/ 2007 بموجب الفصل السابع فرض التعاون مع المحكمة، وأتاح الإتفاق الموقع معها إمكانية المنازعة"، محدّدا طريقة تعاطي أي سلطة رسمية ستنشأ الآن مع هذا الملفّ بعد إعلان 14 آذار عدم المشاركة فيها بالإمساك به من جميع مفاصل الدستور اللبناني والميثاق الوطني والمفهوم الدولي وميثاق الأمم المتحدة وإجتهادات القانون الجنائي الدولي.
عطوي : الطلب ليس تقنيا .. لا داعٍ للحصول على داتا الاتصالات قبل إغتيال الحريري وبعده بسنوات
على الصعيد الامني، رفع خبير الاتصالات العميد المتقاعد الدكتور محمد عطوي من حجم تأثير طلب بلمار على خصوصية المواطنين بشكل مباشر، واعتبر أن "هذا الطلب ليس في موقعه لا القانوني ولا التقني لأن إغتيال الرئيس الحريري حصل في العام 2005 ، وبالتالي لا داعٍ لطلب أي معلومة قبل ذلك التاريخ"، وأضاف "أنه بعد وقوع جريمة الإغتيال بأيام تصبح داتا الاتصالات المخزنة في المقسمات الخليوية أو الشبكات الثابتة غير ذات معنى فالاستشهاد قد حصل في 14 شباط 2005 ولا يحقّ للمدعي العام الدولي أن يطلب بيانات السنوات اللاحقة من 2006 الى 2011".
ولفت عطوي في حديث الى موقعنا الى أن "كافة المعلومات التي بحوزة الأجهزة الأمنية وتعود الى تاريخ إغتيال الحريري مشكك بها، لا سيّما وأن "اسرئيل" إستطاعت أن تدخل عملاءها على الشبكات الخليوية وأن تغيّر وتتلاعب في الداتا"، وتابع أن "طلب بلمار يمثّل خرقا للحريات الشخصية لكلّ لبناني".
ورأى أن "هذا الطلب في غير موقعه لأنه يخدم بلا شكّ العدو الاسرائيلي خاصة أنه يريد الاستفادة من كلّ المعلومات عن اللبنانيين لغايات باتت معروفة"، داعيا الى "إتخاذ الخطوات اللازمة على مستوى القضاء والحكومة للحؤول دون إعطاء كافة المعلومات التي تتعلّق بالحرية الشخصية للمواطنين إستنادا الى القوانين المرعية الإجراء اليوم".
وأشار العميد عطوي الى أنه "لو صحّ لبلمار أن يتزوّد بمعلومات عن لبنانيين، فعليه أن يحدّد من هم الأشخاص والجهات وبتواريخ معيّنة"، شارحا أن "التركيز على الإتصالات الخليوية وليس الثابتة بشكل كبير يعود الى قدرة الحصول على معلومات شخصية وحساسة كما الحال مع المقاومين، لذلك فإن "اسرائيل" والولايات المتحدة تسعيان عبر المحكمة الدولية والأجهزة الامنية ومواقع الأنترنت الى معرفة بيانات أشخاص غير عاديين لهم أهمية كالمجاهدين بغية التنصت على تحركاتهم وتنقلاتهم وكلّ ما يتعلّق بهم من قريب وبعيد".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018