ارشيف من :أخبار لبنانية
ارحموا رفيق الحريري
ادمون صعب ـ "السفير"
بعيداً من «التخوين والتجني»، خُيّل إلى الذي أصغى، إلى ما قيل في البريستول الأحد الماضي حول المقاومة وسلاحها و«الانقلاب على الدستور»، بلسان الرئيس فؤاد السنيورة بصفته رئيساً لكتلة «المستقبل» النيابية وأحد نجوم 14 آذار، ثم إلى الرئيس سعد الحريري في اليوم التالي من منزله في وادي أبو جميل، حول الموضوعين نفسيهما، أنه قد أخطأ في اختيار الموجة، متسائلاً: لماذا هذا التداخل بين الموجات الإذاعية اللبنانية والعربية، وإذاعة العدو الإسرائيلي؟
وإذ تيقن من ان ما سمعه هو من محطة إذاعية لبنانية، وأن الصوتين لا يخطئ المواطن فيهما ـ وهل يُخفى القمران؟ ـ، قال في سره: «رحمة الله عليك يا رفيق الحريري؟».
هكذا، بسّط هذا المواطن العادي ما سمعه على لساني السنيورة والحريري في يومين متتابعين، لأنه رأى فيه انحرافاً عن خط الشهيد رفيق الحريري، وتحريضاً ظالماً من فريق لبناني على آخر.
ولعل غياب الرضى الشعبي على الخطابين «المُسِمَّين»، يعود ليس إلى تخلي الرجلين عن قضية وطنية مقدسة، بل إلى اعتبارهما مظهراً من «ثورة مضادة» على التغيير الديموقراطي الذي حصل أخيراً، وأُبعد بموجبه الرئيس سعد الحريري عن السلطة، بسبب استشراء الفساد في الحكم منذ وصول الحريريين إلى السرايا مطلع تسعينيات القرن الماضي في انقلاب على الطائف شوهه وأفقده محتواه، فضلاً عن تحكيم سلطة الوصاية بمفاصل الدولة والحكم الذي جرى تقاسمه بين الرئيس رفيق الحريري ورئيسي الجمهورية ومجلس النواب، ما حوّل الدولة الى مزرعة، فيها الكثير من «الأبقار الحلوب» والمزاريب التي أوصلت البلاد إلى حدود الإفلاس، وراكمت ديوناً على الخزينة تجاوزت خمسين مليار دولار، فضلاً عن وضعها قرابة نصف اللبنانيين تحت خط الفقر. وكانت فضيحة الفضائح وضع اليد على قلب بيروت الذي كان مركز اللقاء للبنانيين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم، ومحور النشاط السياسي والاقتصادي والمالي، ومنارة الثقافة والفكر والحضارة للعرب والأعاجم.
لقد انقلب الحريريون على الطائف عام 1993، ثم استولوا على السلطة في نيسان 2005 بعد خروج الجيش السوري من لبنان في السادس والعشرين من ذلك الشهر. واليوم جاءت الأكثرية وقالت للرئيس سعد الحريري: «ارحل لأنك خسرت أكثريتك».
هكذا، بكل بساطة، والزمن زمن ثورات وترحيل. من هنا، يبدو كلام السنيورة ومن بعده الحريري بأن ثمة «انقلاباً على الدستور بقوة السلاح ووهجه»، وان «التكليف والتشكيل انقلاب على الدستور وعلى النظام الديموقراطي يتم بقوة السلاح»، نوعاً من التضليل، نظراً إلى أن ما حصل، إذا جاز وصفه بـ«الانقلاب»، فإنه يشكل انقلاباً على الانقلاب، واستعادة للسلطة والصلاحيات، ومحاولة لتصويب الأخطاء التي ارتُكبت في حق الطائف. وهذا يضع الرئيس المكلف تأليف الحكومة نجيب ميقاتي في موقع المصلح لاعوجاج النظام، الذي تُطلب منه خطوات جذرية تميّزه عن كل الحكومات الحريرية السابقة.
كما أن هذا الوضع الجديد، بعد هجمة 14 آذار والمستقبليين عليه، يجب ان يجعله يفكّر ملياً في إرساء قواعد جديدة، مستوحاة من نص الطائف وروحه، في التأليف والتشكيل، بعيداً من التقاسم والمحاصصة، عبر الاتفاق مع الرئيس ميشال سليمان على ضرورة تصويب الخطأ الذي ارتكبه الرئيس رفيق الحريري في العام 1993 عندما استدرج الرئيس الياس الهراوي إلى المشاركة في تقاسم الحكم، من خلال «ترويكا» تضمه ورئيسي مجلس النواب والحكومة. وقال الهراوي في مذكراته «من الدويلات إلى الدولة»، انه اضطر إلى طلب حصة في الحكومات المتعاقبة بعدما شهد تقاسماً للوزارات بين رئيسي المجلس والحكومة، وقد نشأ مذ ذاك عرف بتخصيص رئيس الجمهورية بوزارات معينة، بدأت بالخارجية والأشغال، ثم توسعت مع الوزير شاهي برصوميان إلى الطاقة التي كانت مثل منجم الماس.
ولا نظن الرئيس ميشال سليمان، في حاجة إلى حصص وزارية مخالفة للطائف، بمقدار حاجته إلى إرساء قواعد واضحة لدوره في التأليف والتشكيل، بغية إنتاج حكومة تلبي طموحات اللبنانيين، وتشكّل فريق عمل قادراً على استعادة السلطة والقرار، ورد التحدي للفريق الحريري الذي يراهن على إسقاط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في أقرب فرصة وإعادة الرئيس سعد الحريري إلى السرايا، بصرف النظر عن المتغيرات والثورات التي تجتاح العالم العربي، والتي من شأنها إضعاف الفريق الذي كان الحريري يتكل عليه، وخصوصاً مصر بعد رحيل الرئيس حسني مبارك.
إن لبنان مدعو للانضمام إلى قافلة الانقلابيين التغييريين في العالم العربي، وتقديم مثال للمثقفين السعوديين الـ 123 الذين أذاعوا نداء قبل أيام دعوا فيه العاهل السعودي إلى إصدار «إعلان ملكي» بـ«التزام الدولة التحول إلى ملكية دستورية»، و«تطوير النظام الأساسي للحكم إلى دستور متكامل ينص على الفصل بين السلطات، وربط الصلاحيات بالمسؤولية والمحاسبة»، فضلاً عن اعتماد الديموقراطية والانتخاب في تشكيل المجالس البلدية ومجلس المناطق ومجلس الشورى.
وإذا كنا لم نتوقف كثيراً عند موضوع السلاح الذي قال الحريري بخفّة انه «وُضع على الطاولة ، وكان دائماً جاهزاً للاستخدام ضد أبناء البلد»، وانه «يسمم كل شيء»، فلأن السلاح ليس هو المقاومة التي هي روح، وشعلة إيمان، واسترخاص للحياة أمام عزة الوطن وكرامته، وحرمة الأرض وقدسيتها، ما يجعل قضية التحرير مساوية للوجود، كما يجعل السلاح مجرد أداة في أيدي المجاهدين البواسل والشهداء الأطهار.
وحبذا لو يفكّر الرئيس سعد الحريري، وإن للحظة، بما سيكونه موقف والده من خيانته المقاومة والتنكّر لتضحيات شهدائها، فيكفّ عن تعريضه للعبث، تاركاً روحه تستريح بسلام.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018