ارشيف من :أخبار لبنانية
جولة في أروقة استراتيجية «حزب الله».. الصامتة
عماد مرمل - صحيفة السفير
في انتظار ما سيقوله رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، اليوم، تعاملت قيادة «حزب الله» بأعصاب باردة مع الحملة المنظمة التي يقودها الرئيس سعد الحريري ضد السلاح، وهي لا تزال تلتزم ـ أقله حتى موعد مؤتمر رعد ـ بعدم الرد المباشر عليه، سواء سياسيا أو إعلاميا، مستخدمة «استراتيجية الصمت» في مواجهة «استراتيجية الصخب» المعتمدة من قبل زعيم تيار المستقبل وحلفائه.
درجت العادة في السابق أن يرد «حزب الله» بقسوة على كل من يتناول سلاحه بالسوء والتجريح، كون هذا الموضوع المتصل بمقاومة إسرائيل ينتمي إلى فئة «الخطوط الحمر» التي من غير المسموح تجاوزها. أما هذه المرة، وبرغم عنف الهجوم الذي يشنه الحريري ضد السلاح، فإن الحزب فاجأ الكثيرين بهدوئه الذي لامس حدود التجاهل لكل ما يصدر عن رئيس حكومة تصريف الأعمال، الى درجة أن أحد قيادييه البارزين لم يعرف بمضمون خطاب الحريري في وادي أبو جميل إلا في اليوم التالي.. وبالمصادفة.
ولكن، ما هي الاعتبارات التي جعلت الحزب يتخذ هذا المنحى في سلوكه؟
في الاساس، لا يبدو «حزب الله» متفاجئا بما يقوله الحريري هذه الأيام. الفارق الوحيد بين الأمس واليوم هو أن الحريري قرر أن يجاهر علنا بما كان يردده سرا في مجالسه الخاصة، علما انه سبق له خلال وجوده في رئاسة الحكومة أن أطلق إشارات واضحة عكست ما يضمره، كما حصل عندما تعرض للسلاح بعد اشتباك برج أبي حيدر، في موقف تجاوز إطار الاستنكار المشروع لما جرى، الى اسـتخدام مفردات تحريضية تتقاطع مع أدبيات الحملة الحالية.
وعليه، يمكن الافتراض ان الحزب لا يشعر بأن الحريري انتقل من ضفة الى أخرى، حتى ينتابه إحساس بالصدمة أو بالخيبة، وهو الذي يدرك ان رئيس تيار المستقبل لم يكن يوما، في قرارة نفسه، الى جانب خيار المقاومة، بل ينتسب أصلا الى نادي المتحمسين لكل مترتبات العلاقة بالولايات المتحدة، ويكاد يكون بهذا المعنى «توأما سياسيا» للرئيسين المخلوعين زين العابدين بن علي وحسني مبارك ورئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس.
والحزب لم يتفاجأ كذلك بكلام الحريري المعادي للمقاومة، لأن مثل هذا الخطاب هو نتاج طبيعي وامتداد تلقائي للتحالف الوثيق الذي يربط زعيم تيار المستقبل مع «القوات اللبنانية» التي كانت جزءا من معادلة الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 ومع الرئيس أمين الجميل الذي يشكل اتفاق 17 أيار أحد أبرز العلامات الفارقة لعهده الرئاسي.
ولعل ما يريح الحزب أن الحريري اختار من تلقاء نفسه ان يخوض معركة خاسرة في توقيت خاطئ، وما يقوله سيتآكل سياسيا وحده، وسيغرق شيئا فشيئا في الرمال المتحركة كلما حرك قدميه الى الأمام، من دون أن يضطر الحزب الى بذل أي جهد استثنائي للتصدي له.
وما يزيد الحزب هدوءا شعوره بأن الحريري في واد والعالم كله في واد آخر، بعدما قرر رئيس تيار المستقبل تجاهل دلالات ما يدور من حوله مكتفياً بمخاطبة نفسه في المرآة، في لحظة يبدو فيها الكون مشدودا الى متابعة التحولات الجذرية التي تشهدها المنطقة العربية بفعل الثورات الشعبية المتنقلة. وأغلب الظن، ان شريحة واسعة من اللبنانيين والعرب لم يتسن لها مواكبة الانتفاضة الاخيرة للحريري على السلاح، لا سيما أن المحطات التلفزيونية المحلية والفضائية كانت، ولا تزال، تعطي الاولوية لتغطية الاحداث التاريخية التي تجري في الشرق الاوسط، ولعل معظمها مر على الزوبعة في فنجان «ميدان الوسط» مرور الكرام.
يبدو الحريري في هذا السياق وكأنه ارتكب خطأ لا يرتكبه سوى الهواة أو المبتدئين في السياسة، إذ ليس مفهوما أين تكمن الحكمة والحنكة في فتح معركة ضد سلاح «حزب الله»، من دون تأمين الحد الأدنى من الشروط الموضوعية لنجاحها، والتي لا يتوافر أي منها حاليا، سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي. ولا يكفي ان يقتنع الحريري بأنه على حق في ما يطرحه حتى يربح معركته، وإلا فإن عليه في مثل هذه الحال ان يكون مبشرا وليس سياسيا.
والارجح ان الحزب يرى ان مشكلة الحريري لم تعد معه وحده، بل هو بات يسبح الآن في عكس التيار الشعبي الجارف على مستوى المنطقة، بعدما صمم على الالتصاق بمنطق محور السلام في لحظة تداعيه، واندفع نحو مواجهة خيار المقاومة في وقت خرج الشارع العربي من قمقمه ليؤكد انحيازه الى جانب هذا الخيار في سياق ثورته على الأنظمة الاستبدادية المهادنة لإسرائيل والداعمة لاستراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة.
وما يدفع «حزب الله» الى «الاسترخاء» أيضا في مواجهة «انفعال» الحريري، إدراكه أن صراخ رئيس تيار المستقبل ضد السلاح ليس قابلا للصرف مهما ارتفعت نبرة صوته وبُحت حنجرته، وطلاته السابقة واللاحقة قد تفيده فقط في كونها تدريبا على الخطابة وحسن الإلقاء، أما من حيث المفاعيل السياسية والعملانية فإن الجميع يعلم ان ما يقوله ويفعله وكل ما يمكن ان يقوله ويفعله لن ينزع رصاصة واحدة من بندقية واحدة بحوزة المقاومة.
ومن دوافع «الاسترخاء» كذلك، ان «حزب الله» لا يريد ان يتصرف كما لو ان مسألة المقاومة هي مسألة شيعية، بل هو حريص على ان تأخذ أبعادها الوطنية اللازمة التي تبدت بوضوح من خلال مبادرة العديد من الشخصيات المسيحية والسنية الى الرد على كــلام الحــريري، ما أجهض أي محاولة لإبراز الاصطفاف المذهبي على حساب الاصطفاف الوطني.
ولا يوحي «حزب الله» بأنه يعير اهتماماً لـ«استعراض القوة» الذي سينظمه الحريري وحلفاؤه لمناسبة 14 آذار المقبل، على قاعدة انه لم يتوهم مرة ان هناك إجماعا لبنانيا حول المقاومة، تماما كما انه ليس هناك إجماع فلسطيني حول المقاومة الفلسطينية، وإذا كانت قوى 14 آذار ستجمع بفعل التعبئة المتواصلة مئات الألوف في ساحة الشهداء فإن الملايين ستبقى خارجها.
وفي الخلاصة، من الواضح ان أولوية الحزب في هذه المرحلة هي مواكبة التحولات العميقة والتاريخية الحاصلة في العالم العربي، والمحافظة على جهوزيته لحماية لبنان من التهديد الاسرائيلي،.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018