ارشيف من :أخبار لبنانية

العرب ظاهرة ثورية

العرب ظاهرة ثورية

سمير كرم - صحيفة السفير

الثورة التي تجتاح الوطن العربي هي - اولا وقبل كل شيء - ثورة على الأفكار. ثورة على افكار قديمة لإزاحة افكار قديمة. اي انها ليست في المحل الاول، ثورة ضد انظمة حكم مستبدة، فاسدة، قديمة طال على وجودها الزمن.

الثورة التي تجتاح الوطن العربي الآن تباعاً، في تعاقب زمني لا يزال يثير دهشة البعض منا ومنهم - اي من العرب ومن الغرب المعني لأعماقه بما يجري في هذه «المنطقة»، ليست فقط ضد الاستبداد والفساد. هي بالدرجة الاولى ضد افكار وفلسفات قديمة سمحت بحجب الديموقراطية وحلت محلها، وحجبت المساواة وأحلت محلها التفاوت الاقتصادي والاجتماعي. وقد تم ذلك في احيان كثيرة باسم الديموقراطية وباسم المساواة وحتى باسم الاشتراكية. وتم في احيان اخرى باسم الليبرالية الجديدة، آخر صيحات الغرب لتبرير الرأسمالية.

انما هي ايضا ثورة على افكار عربية استطاعت ان تعيش الى ما وراء زمانها وأن تبقي على عدم ثقة العرب بالعروبة والقومية العربية. افكار كانت في منابعها الاصلية تنتقد اوضاعنا القديمة المستسلمة للافكار القديمة والحالة النفسية والوجدانية للعرب ضد العرب والعروبة والسمات العربية.

ولقد جاء وقت سيطرت فيه نظرية عربية المنشأ، عربية النقد الذاتي للعرب، لكنها لم تستطع ان تقدم افكاراً ثورية جديدة كما فعلت ثورة الشباب التي نعيشها الآن.
اطلقت هذه النظرية على نفسها عنوانا، قدر له ان يصير لسنوات طويلة شعاراً كاسحاً، ما أن أطلقه صاحبه حتى تحول الى نظرية سائدة، مهمتها ابعد ما تكون عن مهمة ثورية، انما هي نظرية انتكاسية، ساعدت على انتكاس الفكر العربي وثقة العرب بأنفسهم.

وليس بمستغرب ابدا ان اجدني استدعي هذه النظرية الانتكاسية الى الذهن بينما الثورة العربية الحقيقية تتجاوز هذه النظرية وتتجاوز النقد الذاتي الذي تحتويه. فالأشياء تدخل الذاكرة عبر نقيضها.

انني اعني على وجه التحديد النظرية التي حملت عنوان «العرب ظاهرة صوتية».

جاء وقت كانت هذه العبارة اشهر عبارة احتواها كتاب عربي على الإطلاق. وأدرك الآن تماما ان ملايين العرب قد مرت بهم هذه العبارة وربما اثارت إعجابهم ... فقد كان يسوقها اليهم كثرة من الكتاب العرب الذين نالت منهم إعجابا بلا حدود. وأدرك ايضا ان مئات آلاف قد قراوا الكتاب الذي كانت هذه العبارة عنوانه: «العرب ظاهرة صوتية». وأجدني مضطرا لأن انفي من البداية انني احمل اية مشاعر عدائية من اي نوع او درجة للمؤلف الراحل عبد الله القصيمي. فقد كان صديقاً لأبي في سنوات صباهما في بداية هجرة القصيمي النجدي الى القاهرة للدراسة (كان يكره ان يطلق عليه لفظ السعودي، خاصة بعد ان استباحت المملكة الذي يحمل هذا الاسم دمه). وفضلا عن ذلك فإنني ادرك ان دافعه من وراء تأليف ذلك الكتاب (صدر اول ما صدر في باريس باللغة العربية في عام 1977 وظل لأكثر من عشرين عاماً ممنوعاً من النشر في معظم الاقطار العربية) كان النقد الذاتي لأوضاع عربية لم يكن يرضى عنها اي عربي. لكن الثورة لم تكن قد تهيأت في عقول شباب العرب الا بعد وفاة القصيمي النجدي في مصر بأكثر من عقد كامل (بالتحديد في عام 1996).

مختصر القول هو انني ارى في هذا الكتاب الذي ادى دوراً نقدياً مهماً لسـنوات طويلة امتدت لأطول من عمر المؤلف، نقيض التطور الذي نتجت عنه الثورة العربية. ليس هذا فحسب، بل إن الافكار الجديدة التي تحملها هذه الثورة عن العرب تؤكد ان العرب تجاوزوا المرحلة التي كانوا يوصفون فيها بأنهم ظاهرة صوتية، حتى اصبحوا يوصفون من جانب الكتّاب الغربيين المعنيين بشؤون الوطن العربي بأنهم ظاهرة ثورية.

إن تواضعاً من نوع ما، او درجة ما، يمكن ان يحول بيننا وبين تصديق ما يقوله الكتاب الغربيون المتخصصون في الشؤون العربية في هذا. على الاقل لأننا لا نزال غير مصدقين ان شبابنا المصري والتونسي والليبي واليمني والاردني والعماني ... يمكن ان يضرب بثورته المثل للمجتمعات الغربية - وكذلك الآسيوية والأفريقية واللاتينية - ابتداء من تخليق الافكار الثورية الجديدة الى إبداع الممارسات الثورية القادرة على تغيير اعتى النظم وأشدها سيطرة. ولكن هذا التواضع ليس في محله إطلاقاً. فالمفكرون والكتّاب الغربيون لم يعودونا في اي مرحلة على تصويرنا بأكثر من حقيقتنا، بل الأحرى ان ينتقصوا من قدرنا.
اما القصيمي صاحب «العرب ظاهرة صوتية» فإنه يقول:

«إن العربي ليفضل الصعود الى الشمس ممتلكاً لها إن كان ذلك بصمت ليختار التحدث بصراخ ومباهاة... إن العرب ليظلون يتحدثون بضجيج وادّعاء عن امجادهم وانتصاراتهم الخطابية حتى ليذهبون يحسبون ان ما قالوه قد فعلوه، وانه لم يبق شيء عظيم او جيد لم يفعلوه لكي يفعلوه. إن من أصل وأرسخ وأشهر مواهبهم ان يعتقدوا انهم قد فعلوا الشيء لأنهم قد تحدثوا عنه ... أليسوا قد فعلوا كل امجاد وحضارات وإنسانيات التاريخ لأنهم قد قالوا ذلك؟ اليسوا قد قالوا ذلك لكي يعتقدوا انهم قد فعلوه؟ اليسوا قد قالوه ليكون بديلا عن ان يفعلوه؟

« إنه في كل التاريخ العربي، في كل الوطن العربي، لم يحدث ولن يحدث ان يعلو ان يسمع بكل الجرأة والقوة والحرية ومشاعر الأمن والمباهاة والكبرياء، من فوق كل منبر الا الصوت الجاهل او المنافق الكاذب او الدجال او الأبله او الفاجر. لهذا اتمنى بل وأطالب ان يكتب فوق كل منبر عربي وعلى غلاف كل كتاب عربي وعلى الصفحة الاولى من كل صحيفة عربية وعلى كل قلم وفم عربي هذا الهتاف او الإنشاد او التمجيد: أيها الكذب البليد، أيها النفاق الفضاح المفضوح، أيها الغباء الجاهل، أيها الجهل الغبي، أيها الصهيل العقيم البذيء، أيها السقوط، أيها العار الفكري والنفسي والأخلاقي والفني والتعبيري .. إن كل المجد والسلطان لك.
« ان التفسير الدائم الشامل الصادق للانسان العربي انه الكائن الذي لا توجد اية علاقة محاكمة او محاسبة او محاورة او مساءلة او غضب او رفض او احتجاج او حتى عتاب بين لسانه وعينيه، او تفكيره، او ضميره، او ارادته، او قدرته، او حقيقته، او كينونته، او نيته، او اي شيء من حياته او مواجهاته».

ويعقد المؤلف - في هذا الكتاب الضخم - فصلا بعنوان: لماذا لا نستورد حكامنا كما نستورد عقولنا، وفيه يقول:

« يوجد في هذه القضية رأيان: رأي يقول إن الشعوب العربية عظيمة وعبقرية وتسكن في داخلها كل المواهب وأعظم المواهب، ولكن آفتها هم حكامها وقادتها وزعماؤها الذين يجيئون دائما نقيضا لها وتضليلا وإذلالا وقتلا وإفسادا لمزاياها او تعويقا لها عن الكينونة والانطلاق والظهور والتعبير. اما الرأي الآخر فيرى ان ضعف حكامها وزعمائها وقادتها ليس الا تعبيرا صادقا أليماً منطقيا عن ضعفها، وليس عدوانا عليها او تزويرا او تزييفا لها او هزيمة او سرقة او تضليلا لعبقريتها او سحباً لها من ذاتها».

هكذا يمكن ان تقتنع بأن القصيمي انما كان يمارس النقد الذاتي بمرارة شديدة تبلغ حد القسوة. عربي ينعى زمانه وما حطه من صفات ونعوت في عقلية ونفسية العرب. مع ذلك فإنه - وهذا ما لا يمكن إيراد كل الأدلة عليه من مقتطفات من الكتاب - يحلل الأوضاع كما كانت في ظل الحكام الذين كانوا في الاغلب هم انفسهم الذين قامت الثورة العربية الحالية لتخلص الشعوب العربية منهم. انما السؤال الآن هو: ترى كيف كان يمكن ان يرى القصيمي الوضع اليوم وقد اثبتت الثورة العربية ان العرب قد تخلصوا من كل تلك السلبيات التي ملأ بها صفحات كتابه (799 صفحة) ليس فجاة كما وقعت الثورة نفسها، انما تدريجياً وربما ببطء خلال سنوات ما بين الطفولة والنضج التي حولت هؤلاء الشباب الثوريين الى ثوار في الفكر والممارسة الى قادة لمجتمعاتهم، قادرين على الصمود والإصرار والتصميم.

شهادة القصيمي في «العرب ظاهرة صوتية» هي النقيض التام لشهادة الثورة العربية الحالية. لا يفصل بينهما مجرد الزمن المتمثل في 34 عاماً بين الكتاب والثورة، انما يفصل بينهما اكثر من كل شيء آخر ما يقوله الكتاب الغربيون. بالتحديد توقعاتهم بأن تؤثر الثورة العربية - مصرية او تونسية او ليبية اوغيرها - في العالم الغربي وصولاً الى الولايات المتحدة نفسها، فضلا عن اوروبا موحدة ومجزّأة الى المانيا وفرنسا والسويد وفنلندا وبلجيكا وإيطاليا واليونان...
لقد كتبت صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية ذات التوجه المحافظ الأبعد ما يكون عن الثورية - قبل ايام (26/2/2011) في مقال كتبه بيتر اوبورن: «يبدو ان عام 2011 سيشهد ازاحة الأنظمة التابعة للولايات المتحدة في العالم العربي، وإن كان من المبكر تحديد مسار الأمور مستقبلا بشكل دقيق، لكن يبدو من غير المحتمل ان هؤلاء المحررين سينظرون الى واشنطن ونيويورك كنموذج سياسي واقتصادي». وفي اليوم نفسه كتبت صحيفة «الغارديان» البريطانية ذات التوجه الليبرالي مقالا بعنوان «العرب روّاد الديموقراطية الجديدة»، معتبرة ان «حركات الانتفاضة في الشرق ستكون مصدر إلهام لحركة التحرر كما حدث في اميركا اللاتينية... إن هذه الثورات العربية تقول لنا إن زين العابدين بن علي وحسني مبارك ليسا سوى خطوة اولى... إن ما لم يفهمه الغرب هو ان مصر اثبتت انه يمكن للكثرة ان ترتب نفسها من دون وجود مركز او قائد محدد لها. ومن دون تبعية لجهة او جماعة يمكن ان تقوض من قوة الثورة».
وقالت نيويورك تايمز (25 /2/2011) «كل هذا يضغط على السعودية ... إن الرياض تتخوف من ان تكون محاصرة بعدم الاستقرار ...إضافة الى غضب مكتوم تعيشه المملكتان الجارتان الأردن والبحرين».

كم كنت اتمنى ان يعيش المفكر النجدي ليرى بنفسه الى اي حد كان تطور الفكر العربي في صمت طوال السنوات الماضية، الى ان اثمر ثورة فكرية اجتماعية سياسية من القوة والتأثير، الى حد يرى الغرب انه لا يمكن ان يفلت من تاثيراتها فيما هو قادم بعدها من احداث.
لا شك عندي انه كان سيكتب كتابه التالي بعنوان «العرب ظاهرة ثورية».

لكن اذا كان هذا طلباً مستحيلاً فالموتى لا يعودون ..فإن الفكر يتجدد وسيطلع من بين الثوار المصريين او التوانسة ...او ربما السعوديين - النجديين او الحجازيين او غيرهم - من يكتب هذا الكتاب.

على الاقل هذا رجاء بأن لا تترك مهمة كتابة «العرب ظاهرة ثورية» للمؤلفين الغربيين.

المؤشرات من الآن دالة على ان الغربيين سيكتبون «العرب ظاهرة ثورية».. فلا داعي لأن نتركهم يسبقوتنا الى ذلك (...).

2011-03-04