ارشيف من :أخبار لبنانية

«الجبهة الشرقية» والطريق إلى تحرير الجليل

«الجبهة الشرقية» والطريق إلى تحرير الجليل

سركيس ابو زيد - صحيفة السفير

انتشار الثورات والمتغيرات على الساحة العربية، وصعود تيار المقاومة ضد مشروع الهيمنة الإسرائيلية والاميركية، شكل هاجسا للكيان الصهيوني، ما أدّى الى عودة مفردات كان قد نسيها العرب والاسرائيليون معا، منذ السبعينيات من القرن الماضي، كعبارة «الجبهة الشرقية».

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اعتبر مؤخرا أن المنطقة تمر بمرحلة انتقالية غير مستقرة قد تستمر سنوات عدة, ورأى أن على «إسرائيل» أن تجهّز نفسها لكل تطور، محذراً من تداعيات سقوط أنظمة عربية محيطة بإسرائيل، خاصة انها لا تعرف ماذا سيحدث من الجهتين الغربية والشرقية لها.

من جهة اخرى، أعلن السيد حسن نصر الله صراحة ان المقاومة على استعداد لتحرير شمال أراضي فلسطين المحتلة في أي حرب مقبلة. وقد شكلت «معادلة الجليل» رداً مباشراً على وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك حين تحدث عن اجتياح لبنان مجددا. فبعد ان صار اجتياح شمال فلسطين المحتلة هدفا مركزيا في أي مواجهة مفترضة، بدأ رسم مشهد هذه العملية، من خلال عشرات التقارير والدراسات الإسرائيلية والأميركية، ومحاولة استشراف سيناريو عسكري وتصورات استراتيجية، منها، احتمال قيام «جبهة شرقية» تساعد وتضمن نجاح عملية الجليل التحريرية.

الجبهة الشرقية هي الجبهة العربية على الحدود الشرقية لإسرائيل من ميناء العقبة الأردني جنوبا إلى الناقورة اللبناني شمالا. بعد حرب الايام الستة في حزيران 1967، برزت دعوات الى جبهة شرقية تتلخص في إنشاء وحدة عسكرية بين دول المواجهة في المشرق العربي وهي سوريا والاردن والعراق ومنظمة التحرير الفلسطينية. إلا ان احداث الاردن، من صراع مسلح بين السلطات الاردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1970، وتردد لبنان وتخوفه من هجمات اسرائيلية على اراضيه، صرفت نظر المعنيين عن هذه الجبهة. أما العراق فكان ينظر الى موضوع الجبهة الشرقية من منطلق الثقة المفقودة بين قيادات حزب البعث في بغداد ودمشق، فيما ظلت سوريا ومنظمة التحرير متمسكتين بهذه الجبهة.

بعد حرب تشرين عام 1973، اعادت سوريا طرح تكوين «الجبهة الشرقية» وذلك بعد مشاركة قوات عراقية وأردنية وفلسطينية في الحرب ضد اسرائيل على جبهة الجولان. لكن الجبهة الشرقية لم يكتب لها الاستمرار بعد توقيع كل من مصر والاردن على مبادرة روجرز ورفض سوريا لهذه المبادرة.
هذه العبارة عادت إلى العلن من جديد. فقد لاحظ السياسي الإسرائيلي اليساري المخضرم أوري أفنري أن رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو بدأ في الآونة الأخيرة يلّوح كثيراً «بفزاعة» جديدة اسمها «الجبهة الشرقية»(1). ففي 17 تموز 2010، وفي حفلة تخريج دورة «كلية الأمن القومي» في القدس، أكد نتنياهو أن هناك «ضرورة قصوى» لجعل السلام «مستنداً إلى الأمن». ويتابع نتنياهو «يجب علينا تحقيق تسويات سلمية تقدم الحلول لكل من هذه التهديدات إذ إننا لا نريد العودة إلى ما جرى، سواء عند انسحابنا من لبنان، حيث كانت النتيجة نشوء قاعدة إيرانية إلى الشمال من أراضينا وإطلاق الكثير من القذائف الصاروخية عليها والتعاظم العسكري داخل هذا الجيب، أو ما جرى في غزة حيث نشأ جيب إيراني جنوبي مع إطلاق الكثير من القذائف الصاروخية على إسرائيل، وثمة تسلّح بوتيرة متزايدة. وبالتالي يجب علينا ضمــان عدم تغلغل الصواريخ والقذائف والوسائل القتالية الأخرى أو العناصر الإرهابية إلى أي مناطق يُطلب من إسرائيل إخلاؤها ضمن التسوية السلمية. كما أضيف إلى هذه التهديدات المحتملة عنصر ثالث توارى عن الأنظـار خلال العقد الأخير، منذ هزيمة صدام حسين في العـراق، وهــو عدم تكوّن ما يُعرف بالجبهة الشرقية مجدداً. لا أقول إنها سـوف تتكوّن حتماً، لكن أؤكد ضرورة أن نضمن في إطار اتفاقات سلمــية واقعــية، وحرصاً على حاجاتنا الأمنية الواقعية، وجود تدابير أمنية ميدانية تقدّم الحلول لمجمل هذه المخاطر... فضلاً عن أخذ احتمال حدوث تغير داخلي في نظام الحكم، كما خبرنا ذلك في الماضي، في الحسبان أيضاً»(2).

هذا الأمر، كان قد تحدّث عنه نتنياهو سابقاً في نيسان عام 2009 حين أعلن عن «تأييده المشروط» لإقامة دولة فلسطينية.
ولا يترك رئيس الوزراء الإسرائيلي مناسبة تمر، من دون أن يذكّر محدثيه، بأن بلاده تواجه خطر انبعاث «الجبهة الشرقية» من جديد، وأن هذا الخطر سيتفاقم خصوصاً بعد استكمال سحب القوات الأميركية من العراق.... و سرعان ما يشرع في الحديث عن الحاجة للاحتفاظ بـ«غور الأردن» لغرض مجابهة «الجبهة الشرقية» التي تمتد من ايران الى غور الاردن.

وفقاً للمصادر الإسرائيلية، فقد عرض نتنياهو هذه «المقاربة» بإيجاز على الرئيس الأميركي باراك أوباما عندما التقاه في تموز 2009 في البيت الأبيض، وفصّل فيها على مسامع وزير دفاعه روبرت غيتس عندما التقاه في الزيارة ذاتها، كما أعاد طرحها على الرئيس المصري في القاهرة والملك عبد الله الثاني في عمان، ودائما في سياق التمهيد والترويج لـ«ترتيبات أمنية» إضافية.

إن تشديد نتنياهو المفاجئ على خطر «الجبهة الشرقية» المتفاقم، أو الذي سيتفاقم كلما سحبت واشنطن جيوشها من العراق، إنما هو تطبيق من تطبيقات نظريته عن «العدو الإيراني المشترك» وما يستدعيه هذا «العدو» من حاجة لإنشاء «جبهة متحدة» عربية (الاعتدال) ـ إسرائيلية ضد هذا «العدو».

لذلك بالنسبة للإسرائيليين، فإنه لا بد من الحفاظ على الضفة الغربية منطقة منزوعة السلاح والاحتفاظ بوجود عسكري على امتداد نقاط الدخول من الشرق، والتأكيد على أهمية منطقة غور الأردن بالنسبة الى أمن اسرائيل باعتبارها خط الدفاع المتقدم. وكان إسحاق رابين، وفي آخر خطاب له أمام الكنيست، في الخامس من تشرين الأول 1995، أي قبل شهر واحد من اغتياله، أعلن أن إسرائيل لن تعود إلى خطوط الرابع من حزيران 1967. وأضاف إن «حدود الأمن للدفاع عن دولة إسرائيل ستقام في غور الأردن وفق التفسير الأوسع لهذا المفهوم. أما أرئيل شارون، فقد أكد على وجوب سيطرة إسرائيل على منطقة غور الأردن من مرتفعات الجبال المطلة عليها (3).

ويرى دوري غولد أحد اكثر المقربين من الحكومة الاسرائيلية وأحد مستشاري نتنياهو أن «انسحاب إسرائيل من غور الأردن سيفهم لدى منظمات الإرهاب العالمية كفتح للأبواب المؤدية إلى الضفة الغربية، وستزداد عمليات تهريب الأسلحة والوسائل القتالية عبر الحدود إلى درجة سيكون من الصعب على الجيش الأردني مواجهتها، ومثل هذا الأمر من شأنه أن يضرّ أيضاً باستقرار الأردن. فضلاً عن ذلك فان أحداً لا يمكنه أن يتكهن الآن بتأثير عراق مستقبلي يخضع لنفوذ إيران، بعد انسحاب القوات الأميركية، على كل من الأردن وإسرائيل».

وفي هذا السياق، اتصل الملك الأردني عبد الله الثاني برئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو وسأله عن الدور الذي يمكن أن تلعبه كل من القدس وعمّان لوقف السيطرة الايرانية على العراق في ظل الانسحاب الاميركي منه قائلاً: «بعد ان كنتم تتخوفون من أن يحاصركم حزب الله بالصواريخ الإيرانية من الشمال، فإن إيران وحزب الله يهددونكم اليوم من الشرق والاميركيون لا يفعلون شيئاً حيال ذلك»(4). هذا الاتصال اتى كنتيجة لعودة الزعيم العراقي مقتدى الصدر الى وطنه الذي تزامن ايضا مع زيارة وزير خارجية ايران علي اكبر صالحي الى بغداد.

في ظل هذه التطورات، وفي ظل انهيار الانظمة العربية الموالية للسياسة الأميركية في المنطقة الواحد تلو الاخر، كيف ستكون الملامح الجديدة للشرق الأوسط المقبل؟ هل ستعود الجبهة الشرقية الى الواجهة بتحالفات جديدة تبدأ من لبنان وسوريا وتمتد الى العراق مروراً بالاردن وصولاً الى غزة مع تغيّر الموازين العسكرية لقوى المقاومة في المنطقة وتمكنّها من خلق رعب داخل مجتمع العدو؟ وماذا ستفعل اسرائيل لمواجهة هذه الجبهة في ظل التقارب العسكري الايراني السوري وتنامي جيوب المقاومة على حدودها الشمالية (حزب الله) والجنوبية (حماس)؟
هل دخلت المنطقة في مرحلة جديدة وهي الانتقال من المقاومة الى التحرير؟

2011-03-04