ارشيف من :أخبار لبنانية

قراءة مستهجنة للقرار 1970

قراءة مستهجنة للقرار 1970
"الخليج" - غسان العزي

في الأيام الأولى للثورة الشعبية الليبية اتسم الموقف الغربي منها عموماً بالتجاهل ثم التردد والغموض قبل مطالبة القذافي بعدم استخدام العنف ضد المظاهرات السلمية . وهو موقف دفع مراقبين كثيرين ومحتجين ليبيين إلى الجهر باستيائهم منه، بل إن بعض المناهضين للقذافي، لا سيما المقيمين منهم في الخارج، طالبوا علناً بتدخل غربي واضح لمصلحة الثورة . وكان رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني الصديق الشخصي للقذافي قد رفض التدخل لدى هذا الأخير بذريعة أن ليس من عادته إزعاج الأصدقاء في اللحظات الصعبة .


وانتقل رد الفعل الغربي من الخجول بشكل عام إلى المفصح علانية عن تأييده للثورة بعد أن سيطرت على معظم مناطق البلاد، وبدا واضحاً أنها تسير في طريق الانتصار الحتمي على غرار ما حصل في تونس ومصر . وهنا لم تمنع العلاقات الشخصية بين برلسكوني والقذافي والعلاقات المميزة بين ليبيا وإيطاليا، من اتخاد الأخيرة لمواقف منددة علانية بقمع القدافي لشعبه ومطالبة المجموعة الدولية بمواقف صارمة .

ومن موقف مندد إلى آخر على خلفية استخدام القذافي العنف ضد الثورة التي فاجأته كما فاجأت كل المراقبين باندفاعتها وصمودها، كانت الدعوة إلى التئام مجلس الأمن الدولي، حيث أضحى ممثل ليبيا فيه ممثلاً للثوار وليس للنظام الذي لم يعد يعترف به أحد في العالم تقريباً .

بعد ساعات من النقاش المستفيض تبنى مجلس الأمن الدولي القرار الرقم 1970 الذي ينص على عقوبات ضد القذافي . من المهم ما جاء في القرار لجهة منع تصدير الأسلحة إلى النظام الليبي كي لايستخدمها في قمع الانتفاضة، ومن المهم إفهام القذافي أن العالم بأسره بات ضده بدليل القرار الذي صدر بإجماع الدول الخمس عشرة، وذلك بعد أن استقال من مناصبهم معظم السفراء الليبيين في الدول الكبرى والمؤسسات العالمية النافذة دعماً للثورة الشعبية . لقد أضحى النظام الليبي في عزلة دولية وإقليمية وداخلية تجعل انتصار الثورة أمراً محتوماً ومسألة أيام قليلة لولا أن قرار مجلس الأمن المذكور تضمن مادتين تذهبان في غير هذا الاتجاه، بل تؤديان إلى إطالة أمد النظام وتدفع ليبيا إلى أتون حرب أهلية لا نهاية لها .

لقد حاولت الولايات المتحدة إدخال بند يشرع استخدام القوة العسكرية ضد نظام القذافي في قرار مجلس الأمن، لكن تصدت لها روسيا والصين، وصدرالقرار تحت البند 41 من الفصل السابع الذي لا يجيز استخدام القوة العسكرية . كما أنه لم يتم فرض منطقة حظر جوي ضد طائرات النظام الليبي، لأن التجربة السابقة في البوسنة - الهرسك بيّنت عن عقم مثل هذا الإجراء الذي يتطلب تنفيده وقتاً ووسائل تقنية غير متوافرة حالياً .

رغم أهمية أن يجتمع مجلس الأمن الدولي ضد النظام الليبي وتأييداً للثورة الشعبية عليه، فإن المراقب يتساءل ما الجدوى من منع العقيد الليبي وعائلته والمقربين منه من السفر؟ والأكثر من ذلك ما معنى إحالة الملف الليبي إلى محكمة الجزاء الدولية في هذا الوقت بالذات ولما تنتهِ بعد الثورة، ولما يتضح الخيط الأبيض من الأسود بعد؟ والأنكى منه أن هذا الإجراء يقع تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أي أنه يلزم كل الدول الأعضاء بما فيها الدولة الليبية التي ستنبثق عن الثورة الشعبية .

وكأننا بمجلس الأمن يقول للقذافي: بما أنك وعائلتك وأصحابك ممنوع من السفر فما عليك إلا القتال حتى آخر قطرة دم كما سبق ووعدت . وبما أن مجلس الأمن متأكد أنك ارتكبت جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية، قبل استكمال الأدلة، فإن محكمة الجزاء قد حجزت لك ولأهلك وأصحابك مكاناً في سجنها مكان الراحل ميلوزوفيش . وبذلك فلم يعد لأي اتفاق سلمي تعقده مع الثائرين أية قيمة لأنهم سيكونون ملزمين بتسليمك إلى محكمة الجزاء الدولية التي بدأ المدعي العام فيها تكوين ملف حول جرائمك الثابتة قبل إيجاد الأدلة .

إذا كان الهدف من القرار، كما عبرت أنجيلا ميركل، ردع الأنظمة من استخدام القوة ضد المحتجين، كما هو متوقع في بعض البلاد العربية التي قد تطالها الثورات الشعبية في الأمد المنظور، فإن القرار قد يرسل رسالة مغلوطة عن تدخلات خارجية غير مرغوب بها في الاحتجاجات الشعبية الداخلية .

كان أحرى بالزعماء الأوروبيين الذين طالما ارتبطوا بعلاقات تجارية مع القذافي أن يقوموا باتصالات تقنعه بالفرار أو التنحي وتضمن له سلامته إذا أسرع في اتخاد مثل هذا القرار . بذلك كانوا أسهموا في وضع حد لحمام الدم وما يقولون إنها مجازر يرتكبها النظام ضد الثائرين . كان أحرى بهم أن يهددوا بإجراءات مثل التي وردت في القرار 1970 لجهة المحكمة ومنع السفر إذا لم يمتثل النظام للنداءات الدولية، وليس اتخاد قرارات تقول للعقيد الليبي إن البحر من ورائه والعدو من أمامه .

وليس على واشنطن أن تتصل بالثائرين تمهيداً لانتقال السلطة، فقد بينوا عما فيه الكفاية من النضج والعقلانية كي يستغنوا عن نصائح دولة تعلو مصالحها وأنانياتها على المبادئ والقيم الإنسانية التي تتغنى بها .

لم يخجل الأمريكيون من استخدام حق النقض “الفيتو”، للمرة المئة لمنع مجلس الأمن من إصدار قرار يوجه العتب واللوم ل”إسرائيل” على استيطان بات يراه الجميع في العالم أنه غير شرعي وغير قانوني ويشكل عثرة في وجه السلام . وبعد أسبوع واحد على هذا الفيتو راحوا يحثون مجلس الأمن على استخدام القوة العسكرية ومحكمة الجزاء الدولية، (وبالمناسبة فإن واشنطن ليست عضواً فيها لأنها ترفض احتمال إحالة مواطنين لها على هذه المحكمة) ضد نظام يتفق الجميع على ضرورة رحيله .لكن ينبغي أن يتذكر الثائرون الليبيون، وهم يتذكرون على الأرجح بدليل إعلانهم رفض التدخل الأجنبي، أن واشنطن لطالما استسهلت استخدام الفصل السابع والعقوبات الدولية ضد العرب، في حين أنها تمنع مجلس الأمن من مجرد لوم “إسرائيل” على ارتكاب أبشع المجازر بحق هؤلاء العرب .


2011-03-05