ارشيف من :أخبار لبنانية
من القاهرة مع الثورة
تصعد إلى الطائرة بقلب مفعم بالفرح. الطائرة متجهة إلى مصر الثورة. جميل ان ترى حلماً عربياً تحقق في أكبر وأهم بلد عربي. تصل إلى مطار القاهرة. تشعر أن الكثير من البنى والمؤسسات لم يتغير. الثورة تطال قلوب الناس وعقولهم؛ تغيِّر وعيهم وموقفهم من السلطة والنظام. تفرح إذ ترى على وجوههم الارتياح لتمتعهم بالحرية، وتخاف من عودة مؤسسات النظام القديم.
يأخذك الطريق الدائري إلى الطريق الفرعية التي توصلك إلى إحدى القرى حيث يقطن سيد الصحافة العتيق في مزرعة جميلة واسعة متعددة البساتين والأبنية. داخل الأسوار تشعر وكأنك في عالم آخر، مختلف تماماً عن الفقر المخيف في الضواحي المحيطة بالقاهرة. يبدأ الحديث بملاحظة عن مقابلة تلفزيونية دامت ثلاث ساعات مع أحد قادة الإخوان المسلمين الخارج لتوّه من السجن. لم يستخدم في حديثه آية قرآنية أو حديثاً نبوياً، بل يشدد على الديموقراطية وولاية الأمة على نفسها. يجيب «الأستاذ» ان الإخوان المسلمين انتهوا في مصر، أو صاروا قوة لا يحسب لها حساب. بالطبع هو توقع الثورة. بعد ان تشعب الحديث وصف حدوث الثورة بالأعجوبة. الأعجوبة هي ما لا يمكن توقعه، لأنه لا يحدث حسب قوانين العلم أو معطيات الوقائع العادية. لا مانع من التناقض إذا كان الأمر يختص بالثورة. الجيش لم يحم النظام.
النظام استخدم الشرطة و«البلطجية» وأجهزة أمن الدولة لقمع المتظاهرين. تعلم المتظاهرون من تجربة تونس كيف يعطبون ستمئة واثنتي عشرة عربة مصفحة لقوى الأمن الداخلي في يوم واحد. يبقى الحديث عن توازنات السلطة أكثر مما عن حركة الشعب. إسقاط النظام هو المهمة. تدمير مؤسسات النظام شيء آخر. أما الحديث عن مطالب الشعب الحياتية والفكرية والروحية، فهذا ما لا يمكن الحديث فيه بعد.
ثم تذهب إلى قاعة في دار نشر يحتشد فيها أكثر من مئة شاب وشابة، قعوداً ووقوفاً. يحاضر فيهما أستاذان، أحدهما يجمع بين التعليم في جامعة مصرية وأخرى أميركية. كلام عالي البلاغة. نموذج الثورة أميركي، ولا ضير في ذلك. المهمة هي كيف يخلق الثوار إجماعاً وطنياً يشكل التيار الرئيسي في البلد.
والموضوع هو بشكل أساسي الدستور والحكومة الموقتة وانتخاب الرئيس. لا يتسع المجال للحديث عن أحزاب تمثل مصالح أو مطالب وطنية وطبقية، فكأن تجربة مصر، وبقية الأقطار العربية، تمنع تكرار التجارب المرة مع الأحزاب. يبدأ الشباب بطرح الأسئلة. جميعها تضج بالقلق. نحن ثوار. يقولونها بفخر، أطحنا الفرعون، والأمر كان ضرورياً، والآن ماذا نفعل وقد وصلتنا أنباء عن تراشق بين سلفيين مسلمين وأقباط في بعض المناطق المحيطة بالقاهرة (على مدى يومين سقط 13 قتيلاً وحوالى 40 جريحاً). ليس لدى الأكاديميين جواب. العدة الفكرية لديهما تؤهلهما لطرح المسائل الدستورية والانتخابية. المخاطر الكبرى المحيطة بمصر من هدر الموارد، ومنابع النيل، وسيناء الرهينة، وتدخل إسرائيل وموقف الإمبراطورية الأميركية، واتفاقات كامب دايفيد؛ كلها مسائل يبدو وكأن الحديث عنها لم يحن بعد.. إلا تلميحاً.
تترك المكان إلى عشاء في أحد النوادي. الحضور بضعة شباب من الذين شاركوا في ميدان التحرير. يغلب عليهم الطابع الدبلوماسي. تفاجأ عندما يجعلونك تطلع على بيان يطرح الخطر الأكبر على مصر، ألا وهو تدمير مؤسساتها عن طريق الخصخصة والنهب المنظم. الفساد يتعدى مسألة بضعة أشخاص من ذوي الدخول العالية وغير المشروعة. الفساد الأكبر هو التدمير القانوني والمنظم للبنى الاقتصادية في مصر؛ والمسألة الاقتصادية، بنظرهم، ذات أولوية أولى.
ينضم إلى العشاء داخلاً مثل العاصفة دكتور أدى حديثه في النقاش مع رئيس الوزراء السابق أحمد شفيق على شاشة التلفزيون إلى سقوط هذا الأخير. نشوة الثورة تحوّل الحديث إلى تعداد لتكتيكات الشباب وبطولاتهم وإصرارهم على موضوع واحد هو إسقاط النظام. قليل من الحديث عن المؤسسات التي أنتجت النظام.
في اليوم التالي تذهب إلى ميدان التحرير. لم يعد هناك سوى تجمعات قليلة العدد، هزيلة المحتوى. يدور النقاش في مختلف الحلقات حول استمرار الاعتصام أو عدمه. هناك من يصرّ على ان ينهي الشعب دوره، ويصير أمر السلطة لكبار القوم من حكماء وأساتذة ومثقفين وضباط على ان يعود النقاش إلى غرف مغلقة. لا ترتاح الثورة المضادة للمناقشات والحوارات المفتوحة، ففي ذلك إعطاء حيز كبير لسلطة الشعب؛ بعد ان صار الشعب سلطة، وصار ضرورياً القضاء على ذلك. استمرار الاشتباكات الطائفية يقدم الدليل على ان سلطة الشعب تشكل خطراً على المجتمع. عبّر عن ذلك عدد من المشاة والمشاركين في المناقشات. تشعر ان الأمر مفتعل. تسمع بعد مغادرة ميدان التحرير ان اشتباكاً بالرصاص قد وقع. تصل رسائل sms مشيرة إلى ذلك. يصاب الحضور بالوجوم. يسيطر على النقاش الحديث عن الثورة المضادة. هناك من يخطط لها وينفذ عملياتها بكل إصرار وعناد. لم يعد المجال متسعاً لمناقشة أمور تتعلق بالمستقبل ومصير الثورة. تستولي الثورة المضادة على الجو. يسأل أحدهم عن الجيش. يقال إنه كالصندوق الأسود في الطائرة. فيه كل ما تريد ان تعرف من معلومات. لكنك لا تستطيع أن تطلع عليها إلا في ظروف محدودة وممنوعة. الجيش لا يتدخل في السياسة، ولا يريد ان يستلم السلطة. هذا أمر محسوم. لكن ما هي قدرته على ضبط الأمن، وهل سوف يكون قادراً على ضبط أعصابه مهما تطورت الأحداث؟
تعمل الثورة المضادة من خلال البلطجية وبعض التنظيمات السلفية والمنظمات الصوفية، وهؤلاء جميعهم تديرهم أجهزة الأمن القومي. يضاف إلى ذلك ان أجهزة الأمن الداخلي من شرطة وغيرها تمارس إضراباً غير معلن. في كثير من الأحيان ترى مواطنين عاديين يرشدون السير على المفارق. أجهزة الدولة تضرب عن العمل، وتشرف على إحداث الفوضى، من أجل إلقاء اللوم على الثورة. وهناك من يقول إن التظاهرات والاحتجاجات أحدثت خسائر اقتصادية كبيرة. من الآن فصاعداً سوف تلقى تبعات الظروف الراهنة، لا على مسؤولي العقود الماضية التي أنتجتها وأدت إليها، بل على الثورة التي تعطل العمل.
في المساء، يختفي عمال الفندق. عليك ان تخدم نفسك من خارج الفندق بالطعام والشراب. إن أردت ذلك. لا يبقى من خدمات الفندق شغالاً إلا الكازينو. ولا ندري من أين يؤتى إليه بالزبائن مع حظر التجول.
يزورك مساء بعض الناشطين من أصحاب الوظائف التي تخولهم التجول ليلاً. لا يمكثون طويلاً. عليهم العودة إلى العمل، ربما في لجان الثورة.
مصر تغلي بالحوار والنقاش حول جميع الأمور. الأكثر إلحاحاً هي مسائل الديموقراطية والدستور والانتخابات. تُشكَل أحزاب بالجملة. الأمور الكبرى التي تهدد مصير مصر والأمة العربية بدأت تطل برأسها. ربما لم يحن بعد وقت النقاش فيها. لكن هناك تهيباً للخوض في هذا النقاش. مسائل كامب دايفيد ومنابع النيل والعلاقات مع إيران وتركيا ومساعدة ليبيا والانخراط في دور أفريقي وعربي، ناهيك عن رسم خطة اقتصادية للنمو الاقتصادي والقضاء على الفقر.
يعرف المصريون أن ما يقررونه على المدى القصير سوف يكون له أثر كبير على المدى الطويل، وعلى المناطق الآسيوية والأفريقية الأخرى. يعرفون أن أثر مصر في العالم أكبر من حجمها الجغرافي بكثير. وهم يأخذون الأمر بجدية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018