ارشيف من :أخبار لبنانية
حرب حريريّة خلف خطوط جنبلاط
ثائر غندور - صحيفة "الاخبار"
يدور صراع بين الرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط، بعد قطيعتهما السياسيّة. الحريري يُخبّئ هذا الصراع بصمت إعلامي، فيما يُعلنه جنبلاط. والميزان الأول للربح والخسارة هو المشاركة الجنبلاطيّة في مهرجان 13 آذار .
يعقد مسؤولون في الحزب التقدمي الاشتراكي اجتماعات طويلة لبحث عمليّة التعبئة التي يقوم بها تيّار المستقبل والنائب مروان حمادة لتظاهرة يوم الأحد المقبل. يشعر هؤلاء، مثل رئيس حزبهم النائب وليد جنبلاط، بحجم العمل الذي يقوم به «خصومهم الجُدد». تبدأ الملاحظات من «كاميرا المستقبل التي لم تعد تغيب عن عاليه والشوف، إلى استعمال أسلحة التعبئة المذهبيّة والتحريض السياسي»، بحسب أحد المسؤولين في الاشتراكي.
في الأسبوعين الماضيين، تأثّر جزء من الشارع الجنبلاطي بالحملة الدعائيّة التي يقوم بها تيّار المستقبل للدعوة إلى المشاركة في مهرجان 13 آذار. وبات يُسمع في بعض الأوساط الدرزيّة، اشتراكيّة وجنبلاطيّة، أحاديث عن أن جنبلاط لم يمنع المشاركة وترك الباب مفتوحاً أمام رغبة أي شخص. تحرّكت العواطف والغرائز، ما دفع بعض الشبّان إلى الدعوة عبر الفايسبوك إلى المشاركة. لكنّ حديث جنبلاط إلى مجلّة «الأنباء» التي يصدرها الحزب التقدمي الاشتراكي، والذي أعلن فيه عدم المشاركة، ساهم في الحدّ من انتشار هذه الحالة على نحو كبير.
فبعد القطيعة السياسيّة بين جنبلاط والحريري، جاء من ينصح رئيس حكومة تصريف الأعمال بأن الهجوم على جنبلاط لا ينفع، بل إنه معركة خاسرة، «فلو كان هناك بعض المؤيّدين لـ 14 آذار في أوساط جنبلاط، فإننا سنخسرها كلّها في لحظة الهجوم عليه»، كما يروي أحد الذين حاولوا العمل على الوساطة بين جنبلاط والحريري. ويُضيف الشاب إن الالتفاف حول جنبلاط ضدّ حزب الله بالكامل جاء بعد البيان الشهير لحزب الله، الذي قال فيه لو تمثّل الغدر برجل لكان وليد جنبلاط.
هكذا طُويت صفحة 14 شباط، إذ كانت كلمة الحريري حمّالة أوجه في اتهام البعض بالغدر، فرأى أن المقصود هو جنبلاط، فيما رأى آخرون أن الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي هو المستهدف.
على هذا الأساس، عُمّم على نواب تيّار المستقبل ومسؤوليه وإعلامه عدم التعرّض لشخص جنبلاط، رغم أن أحد زوّار الحريري ينقل عنه عبارةً واضحةً: «لقد نال جنبلاط 360 مليون دولار من السعوديّة، سأدفع ما يوازي هذا المبلغ كي أنهي زعامة وليد جنبلاط». عندما يسمع أحد مسؤولي الاشتراكي هذا الكلام، يردّ متهكماً: «ممتاز، سينعم اللبنانيّون وأهل الجبل براحة ماليّة إذا ما دفع الحريري».
ولن يقف حرص الحريري على «اللعب بذكاء» مع جنبلاط عند حدود السكوت الإعلامي عن مواجهته، «وهي اللعبة التي أتقنها رئيس الهيئة التنفيذيّة في القوّات اللبنانيّة سمير جعجع منذ 2 آب 2009، عندما لم يردّ أبداً على أي هجوم جنبلاطي عليه، وهو ما لم يُعده إلى خانة الأعداء في الجبل»، كما يرى الوسيط بين جنبلاط والحريري. وسيصل الحرص الظاهري للحريري إلى حدود توجيه التحيّة لجنبلاط في مهرجان 13 آذار في كلام الخطباء أو معرّف الحفل كما يقول أحد المعدّين لهذا المهرجان، مضيفاً: «سنحيي المؤسس الغائب وليد جنبلاط على جميع جهوده»، وهي كلمات تُريد تأكيد ما يُحاول هذا الفريق قوله في الأوساط الدرزيّة من أن جنبلاط ذهب مكرهاً تحت التهديد وسيعود إلى خيار 14 آذار عندما تسمح ظروفه. ويلفت أحد مسؤولي الاشتراكي إلى أن قوى 14 آذار تسعى إلى أن يكون هناك ظهور ما للاشتراكي في مهرجانها عبر الأعلام الاشتراكيّة أو تخصيص أماكن متقدّمة لكلّ من ينزل من الجبل كما حصل في مهرجان 14 شباط. إضافةً إلى ذلك، يُردّد الاشتراكيّون أنه سيجري التركيز إعلاميّاً على المشاركين من الجبل، «مثل التركيز على الحريري».
ويتركّز عمل المستقبل على أربع مناطق، لكلّ منها خصوصيّتها وطريق التعبئة فيها، إضافة إلى العمل في الأوساط الدرزيّة في بيروت، وخصوصاً وطى المصيطبة:
1ــ الشويفات: يعمل الحريريّون في الشويفات على وتر أحداث 11 أيّار التي سقط ضحيّتها عدد من أبناء المنطقة، وخصوصاً من أتباع الداعي عمّار. ومثلما هو معلوم، فإن مصالحة هذه المجموعة مع حزب الله بقيت شكليّة، إضافةً إلى أن بعض الأهالي رفضوا المشاركة في لقاء المصالحة الذي جرى في الشويفات، في 10 كانون الثاني 2010، بحضور جنبلاط ورئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمّد رعد، ورئيس الحزب الديموقراطي اللبناني النائب طلال إرسلان، وممثّل رئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل. ولا تزال حساسيّة أهالي الضحايا وبعض الشبّان قائمة تجاه حزب الله، وهم يُدعَون إلى المشاركة انطلاقاً من مبدأ «إسقاط السلاح» وليس مواجهة قرار جنبلاط.
2ــ المتن الأعلى: تُعدّ هذه المنطقة من أكثر المناطق التي لا تزال مؤسسات الحزب الاشتراكي ناجحة فيها، إن على صعيد الالتزام بقرارات الحزب، أو لجهة المؤسسات التي تدور في فلكه، مثل منظمّة الشباب التقدمي والاتحاد النسائي والكشّاف التقدمي. إضافةً إلى ذلك، فإن نسبة الاقتراع فيها عالية باستمرار، ونسبة مشاركتها في التظاهرات ونشاطات الحزب مرتفعة أيضاً. لكن، كما الشويفات، فإن هذه المنطقة، وتحديداً بلدة الشبانيّة خسرت أحد أبنائها في إشكالات عدّة تلت تظاهرة 14 شباط 2009، في مناطق مختلفة. ويعمل الحريريّون على إثارة هذا الموضوع منذ أسابيع عدّة، ولفت أحد الناشطين في منظمة الشباب التقدمي إلى قابليّة بعض الشبان من هذه المنطقة للمشاركة يوم الأحد.
3ــ عاليه: أعلن الشيوعي السابق منير بركات الدعوة إلى التظاهر، لكن بركات لا يملك حيثيّة شعبيّة في المنطقة، وهو كان يعيش في حضن جنبلاط في السنوات الماضية. لكن في قرى عدّة، ومن ضمنها بيصور، هناك بعض المجموعات الشبابيّة التي تعمل على المشاركة. وبات يُسمع في بعض الأوساط الشبابيّة حديث عن أن جعجع كان صادقاً منذ عام 2005، وأنه الوحيد بين زعماء الحرب الأهليّة من دفع ثمن ما قام به في الحرب.
4ــ الشوف: عند الحديث عن القضاء، لا بدّ من التعاطي معه كجزءين. إقليم الخروب جزء، وبقيّة الشوف جزء آخر. على صعيد إقليم الخروب ينشط تيّار المستقبل على نحو مكثّف، «وهو يُمارس تعبئة مذهبيّة عالية المستوى»، يقول أحد مسؤولي الاشتراكي، الذي يُضيف إن النائب علاء الدين ترّو عقد لقاءً حضره «جميع رؤساء البلديّات، ما عدا ثلاثة اعتذروا مسبقاً، وحضر لقاء المخاتير نحو 70 في المئة منهم. في المقابل، أُلغي لقاء المخاتير في بيت الوسط لعدم وجود حضور كثيف». وبرأي هذا المسؤول، فإن هذه اللقاءات لا تلغي وجود حيثيّة المستقبل، ولا التعبئة المذهبيّة الحادّة، «التي على الحريري أن يعرف أن التطرّف لا يبقى تحت عباءته».
أمّا في باقي مناطق الشوف، فإن القوّات اللبنانيّة والنائب السابق غطّاس خوري يعملان بجدّ والتزام لتأمين أوسع مشاركة. يُضاف إليهم حركة ما بقي من اليسار الديموقراطي، وتحديداً في بلدة عماطور وجوارها. وفي مهرجان 14 شباط، وجّهت دعوات شخصيّة للأهالي للمشاركة؛ من دون أن يكون للنائب مروان حمادة دور أساسي في التعبئة.
يُقرّ الاشتراكيّون بهذه الوقائع، لكنّهم يرون أن ما يقوم به تيّار المستقبل وحلفاؤه لا يتجاوز التعبئة ليوم الأحد، المبنيّة على أساس العداء لحزب الله والتيّار الوطني الحرّ. بمعنى آخر، لا يتخوّف هؤلاء من عمليّة تنظيم مواجهة لهم. في المقابل، يُنكر من هم معنيّون بهذا الموضوع في قوى 14 آذار أي علاقة لهم به، مشيرين الى أن هذه الدعوات تأتي من «شباب الفايسبوك الذين تجاوزوا الزعماء التقليديين».
إزاء هذا، يشتكي ناشطون في التقدمي الاشتراكي من تلكّؤ ماكينة الحزب عن العمل فعليّاً. ويتحدّث هؤلاء عن وجود ثُغَر في مناطق عدّة. ويصل بعضهم إلى السؤال عن الارتباطات ذات المصالح الاقتصاديّة والماليّة لبعض مسؤولي الحزب مع تيّار المستقبل. ويُشير أحدهم إلى هدايا ثمينة تلقّاها بعض هؤلاء في الفترة الأخيرة، مثل شقّة في سوليدير، وغيرها من الهدايا.
فيما ينقل أحد الناشطين باستياء أن نجل أحد المسؤولين في الحزب وضع خلال شهر شباط صورة الرئيس رفيق الحريري على صفحته في الفايسبوك، وكتب تعليقاً جاء فيه: «عذراً، دولة الرئيس الشهيد. لقد صافحنا من قتلك، لكن ذكراك ونهجك وأفكارك تبقى حيّة فينا». ويسأل الشاب عن كيفيّة إقناع الشباب بعدم المشاركة، بينما هم يقرأون هذا الكلام.
ويدور نقاش بين شباب الحزب التقدمي الاشتراكي عن ضرورة ترتيب وضعهم الداخلي، وعن أن هذه هي الفرصة المناسبة لإعادة بناء الحزب من جديد، رغم التهويل الإعلامي المحيط بهم كما يقولون.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018