ارشيف من :أخبار لبنانية

للبنان دوره في التغيير

للبنان دوره في التغيير

سليمان تقي الدين، السفير

يتردّد السؤال كثيراً عن انعكاسات المتغيّرات العربية في لبنان. الجواب الأولي العفوي هو أن مناخاً جديداً يسود المنطقة ويؤسّس لثقافة سياسية جديدة تتجاوز الركود وتفتح آفاقاً لنهوض عربي يُسقط الكثير من الحواجز التي أخرجت العرب من الفعل ومن الحضور ومن المشاركة في التقدم. برغم قساوة المواجهة وتعقيداتها، برغم بعض مشكلات النزاعات المذهبية والجهوية والقبلية والطائفية، فإن الذي حصل هو انتفاضة وعي لدى قطاعات واسعة من المجتمع يصعب الارتداد عليها. لا أحد يعرف أين ترسو في نهاية المطاف لكنها حفرت عميقاً في الوجدان العربي وفي الواقع السياسي.

يتشكّل الآن نظام سياسي عربي جديد، بقيادات جديدة أو عبر مجموعة من الإصلاحات التي باتت ضاغطة على أشد الدول محافظة وأكثرها انغلاقاً. هذه لحظة اعتراف أن المواطن العربي شريك في إدارة دولته وله عليها الكثير من الحقوق ولم يعد طرفاً سلبياً يأخذ ما يُعطى له ويقبل ما يمنحه الحاكم فقط من عطايا. الوعي بحق المواطن والوعي بكرامة الدولة والمجتمع والأمة ورفض الوصاية والاستبداد وثقافة الرعيّة، صارت كلها حصيلة ناجزة. ما سوف يتكوّن من دول وأنظمة لن يكون خارج هذا السياق، وما يحصل من تداعيات لعلاقة العرب بعضهم ببعض وبالخارج سوف ينطلق حكماً من وجود شعوب فاعلة لا تختصرها إرادات فردية ونخب حاكمة لا تخضع لمساءلة ومحاسبة. هذه بحد ذاتها بيئة عربية فاعلة في لبنان منعشة لذاكرة شعبه الوطنية، ودافعة لثقافته المنفتحة وداعمة لتراث الحرية والديموقراطية اللتين سمحتا أصلاً بظاهرة المقاومة بمعناها الواسع، مقاومة انحرافات النظام الوطنية، مقاومة الفساد، مقاومة إسرائيل ومقاومة الاستبداد.

الشباب اللبناني الذي خرج إلى الشارع خجولاً بحجم عديده تجاه التظاهرات الكبرى الطوائفية، أو تجاه ثورات الشباب العربي التي اجتاحت المدن والعواصم، هذا الشباب ليس مقلداً وليس هشاً كما يفترض بعض الرأي. شباب لبنان أظهر خلال العقود الماضية صلابة غير عادية من معركة التغيير، إلى المقاومة الوطنية والإسلامية، وإلى الحراك الذي حصل خلال السنوات الخمس الماضية، الذي أراده الشباب غير ما أرادته القيادات السياسية. هذا رصيد لا يمكن أن يحذف من تاريخ حركات التغيير في لبنان ودور الشباب فيها.

لبنان هو البلد الذي تعرّض دائماً لسرقة ثوراته، أو للثورة المضادة. خيانة الأحزاب لمبادئها، خيانة القيادات لنضالات جمهورها، مصادرة الإنجازات وتجييرها إلى مجموعة النافذين والمنتفعين والمنافقين هي السمة الأبرز لهذه التجربة. العطب الأساسي أن الحركات السياسية فاقدة للضمانات الديموقراطية. لا شيء يحمي العمل الوطني من فساد قيادته إلا وجود إمكانات المساءلة والمحاسبة وتداول السلطة في الأحزاب قبل الدولة. قيادات لبنان تتربع عقوداً على مراكز القرار وترث وتورِّث وتتحدث بالتغيير والديموقراطية.

يتوالد الاستبداد في المجتمع قبل الدولة، ويصنع القيادات المستبدة بتأثير الحثالة والحاشية المتملّقة المنتفعة الانتهازية حول الزعيم. معظم الحركات الحزبية توافرت لها مصالح داخلها وتحوّلت إلى مؤسسات خدمات وتحوّلت إلى مؤسسات سلطة قبل أن تستولي على حصتها من السلطة المركزية في الدولة. لم يسبق أن تنامت حركة سياسية لبنانية منفصلة عن مصادر دعم خارجي. ربما طبيعة الصراعات اللبنانية فرضت ذلك في العقود الأربعة الماضية. لا يمكن أن ننشئ حركة نظيفة سليمة في ظل هذا الفيض من الدعم المالي الخارجي على الساحة السياسية. ما يميّز حركات الشباب الآن أنها ليست مؤسسات تحتاج إلى مصادر تمويل. وسائل عملها بسيطة وغير مكلفة. معظم المجموعات التي تحرّك الشوارع العربية ومنها لبنان خمائر ثقافية.

ما ينقص المجموعات اللبنانية المعرفة العميقة بطبيعة النظام من حيث آليات اشتغاله وعناصر قوته وكيف يمكن تفكيكه. إسقاط النظام شعار لا يعني شيئاً في الحال اللبنانية لأنه ليس قائماً على محور سلطوي واحد. النظام في لبنان مجموعة زعامات وقيادات وأحزاب ومؤسسات ومصالح متشعبة.

التغيير في لبنان ليس نصاً دستورياً جديداً يقترح. نحتاج إلى أجوبة عملية على المسألة الطائفية والوطنية والديموقراطية والاجتماعية. المديونية العامة والفساد والاختلالات الاقتصادية والتنموية. الفصل العملي بين السلطات وأهمية قانون الانتخاب ومراقبة السلطة ونظام العدالة. الجواب الفعلي على الحاجة لسياسة دفاعية وطنية تحتفظ بالسلاح وتجعله جزءاً من منظومة وطنية. بناء سلطة تعطي الطمأنينة للمجموعات بالنص والمؤسسات وعبر صياغة جديدة للبنان الإدارة ولحريات الأفراد من الأحوال الشخصية إلى ضمانات حقيقية لتكافؤ الفرص. هذا البرنامج يحتاج إلى تضافر جهود استثنائية من أوسع شرائح المجتمع وإلى توافقات وطنية من القوى الحديثة المؤمنة بمشروع الدولة وفي تناقض مع الدويلات الطائفية.

أمام الشباب اللبناني فرصة ومعركة حقيقية في مواجهة المأزق الوطني الراهن. فرصة عجز النظام والطبقة السياسية عن إنتاج سلطة مستقرة وإدارة البلاد بشكل طبيعي. ومعركة للضغط في سبيل تشكيل حكومة محايدة لتنفيذ الإصلاحات الدستورية بصلاحيات استثنائية تشريعية. سلطة الأمر الواقع اللاشرعية الممتدة من الطائف حتى الآن الرافضة لتطبيق الدستور هي التي يجب إسقاطها. للشارع دوره وللقادرين على اقتراح القوانين والإصلاحات دورهم. من أجل احتضان الشباب اللبناني ودعمهم هناك مهمة بلورة مشروع برلمان تمثيلي حقيقي وقضاء مستقل ومراجعة السياسات الاقتصادية وفتح ملفات الفساد والمديونية العامة. نعرف شراكة الطبقة السياسية كلها في ما آل إليه وضعنا وسنكشف في هذه المواجهة أين يقف كل الأطراف من مسألة بناء الدولة.

2011-03-12