ارشيف من :أخبار لبنانية
ماذا عن شرعية "الدولة"؟
سليمان تقي الدين، السفير
لم يعد الحدث لبنانياً حتى لو احتشد عشرات الآلاف حول شعار سياسي فئوي يستهدف رفع منسوب الخوف لدى بعض الفئات من «وصاية السلاح». هناك مناخ عربي في اتجاه معاكس لمنطق الرضوخ لأميركا ومهادنة إسرائيل. وهناك مزاج شعبي لم يستثنِ لبنان، خرج من التعليب السياسي ومن «وصاية الأنظمة» وأحزاب الأنظمة التي ترفع صور الملوك لرمزية مذهبية، أو للاستقواء بصراعات عربية لا شأن للجمهور معها.
التصويب على سلاح مقاوم أصبح رمزاً معنوياً في الشارع العربي هو مشروع فاشل من أساسه. لا يكحّل مشروع كهذا ترداد عبارة الدولة وحصرية سلطتها، إذا كان ما في جعبة أصحابه تاريخ مثقل بملفات الاعتداء على الدولة بكل مقوماتها في الماضي والحاضر. كل تظاهرات الأزمة اللبنانية جاءت من غياب الدولة الراعية لقضايا شعبها. تناوبت فروع الطبقة السياسية على إخضاع الدولة لمصالحها واتجاهاتها لكنها لم تحسب مرة حساباً لهذا المستجد في ضمير الجمهور الذي صار يسمى شعباً. فما زالت أحزاب الطوائف تخاطب «شعوبها» في إمعان مهين لهذا النهوض العربي الذي يخطّه الشباب بصبر وثبات لبلورة الهوية الجامعة ضد الاستبداد الفردي أو الفئوي، وضد اختزال الشعوب وتهميشها. تراجع ويتراجع حجم الجمهور الذي يصغي لشعارات لا تحمل مضامين الكرامة الإنسانية والوطنية. إذا كانت الدولة التي يشتاقها ويدعو لها فريق يريدها على الصورة الهزيلة المستباحة المحكومة بالامتيازات فقد أعلن معظم الناس كرههم لها وعدم ولائهم لسلطانها.
كانت هذه الدولة ولا تزال غريبة في معظم مناطق لبنان ولدى معظم فئاته وشرائحه الاجتماعية. تفككت الدولة عندما تشبّث بها فريق وحمل السلاح دفاعاً عن تقصيرها وعن فئويتها. لن تقوم الدولة إذا ما استمر العقل السياسي الفئوي يدّعي حرصه عليها وغيرته على مؤسساتها في حين لا يقدّم مشروعاً حاضناً لجميع مكوّناتها الجغرافية والبشرية وطموحات وحقوق جميع اللبنانيين.
على أي حال هناك فريق لا يدرك حجم المتغيّرات التي لم تعد تختصر النظام الإقليمي بإرادة قادته وأنظمته. هبّت شعوب المنطقة لتصنع جديداً فوق الهياكل الخاوية البليدة المستكينة لتقاليد «الوصاية» السلطوية في الداخل والترهيب الغربي من خارج. مدهش حجم المقاومة الشعبية أمام فظاعة أنظمة البلطجة. فيض من الدم العربي يسيل من أجل الحرية والكرامة، وسلطات موغلة في تجاهل إرادة شعوبها، لا شرعية لها إلا بالقمع، ولا قوة لها إلا باستخدام الثروة لإدارة العنف، ولا نصير لها إلا مجموعة المصالح التي تحرسها في خدمة الغرب الاستعماري الذي يتلاعب بمصيرها.
ليس من حاكم عربي يريد أن يتصالح مع شعبه. يخرج الحاكم ليهين ذكاء شعبه وكرامته ويمعن في سياسة الحصار ويخرج بأدوات قتله التي لم تكن يوماً لأمن الشعوب وكرامتها وحريتها.
منذ زمن بعيد لم نرَ حاكماً عربياً يفرّط بأمن بلاده ولو قليلاً في لحظة مواجهة مع الخارج. حكّام عقلاء منضبطون يكدّسون السلاح لمعركة واحدة ضد التغيير في الداخل. يعيبون على «المقاومة» كلفة مقاومتها المادية، وإذا هم تعرّضوا لمساءلة من
شعوبهم حرثوا الأرض بالدمار والخراب والقتل.
إذا كان الحاكم يصف فئات من شعبه «بالجرذان أو العملاء أو الأشرار أو الكفار أو المرتزقة» وهو يريد استئصال هؤلاء فليس من بعد لهذا الحاكم من شرعية أو هيبة أو كرامة. فلا شرعية إلا لقائد أحرار، ولحاكم على شعب حر، وعلى مواطن ذي كرامة. رضخ الحاكم العربي لإملاءات الخارج، ساوم وفاوض على كل شيء إلا سلطته. في العراق أذعن للجان التفتيش الدولية عن السلاح، وفي ليبيا تخلّى عن طموحه النووي وأذعن لشروط صفقة لوكربي، وفي السودان لشروط المدعي العام الدولي الموظف أميركياً، وفي اليمن لاتفاقات أمنية ضد فئة من شعبه متهمة بالإرهاب، وفي مصر لكل شروط كامب ديفيد المذلّة وملاحقها وتوصيات «شرم الشيخ»، وفي الجزائر أدار الحرب الأهلية ليمنع تغييراً يزعج الغرب، ورقص الحاكم العربي لضيفه الأميركي وأهداه سيفاً به تذبح فلسطين والعراق ولبنان. لهذا المشهد العربي يحصل ما يحصل من ثورات، ولهذه الوصاية ولهذا السلاح السلطوي المرتهن لإرادة غير إرادة العرب ينتفض شباب العرب. هؤلاء سئموا ترويضهم كما في إسطبلات الخيول، وسئموا ركوبهم واستخدامهم لسلالة أبناء السلطة وحاشية السلطة.
حبذا لو يدرك كل حاكم عربي أنه ليس أهم من «نورييغا» ولا من «الشاه» أو من فاروق والسنوسي والإمام البدر أو سواهم ممن صاروا في ذمة التاريخ لأن أحداً ليس أكبر من شعبه وبلده، وأن الحاكم لا يبقى إلا بسيرته وأعماله.
يعز علينا أن نؤرّخ لجيل من الحكّام العرب وهم يغلقون تاريخهم على الجريمة. لا. لا نعطي الغرب صك براءة «لتدخل إنساني» مزعوم في ليبيا أو غيرها، لا نناشد «المجتمع الدولي» أن يساعدنا على حاكم عربي، فليس من حاكم مستبد إلا وقد احتضنه «المجتمع الدولي» المموّه ورعاه. لا يهمنا متى تنتهي صلاحية الحاكم العربي في نظر الغرب بل متى تنتهي شرعيته عندنا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018