ارشيف من :أخبار لبنانية
ثورة من تحت لا يُنظر إليها من فوق...
الفضل شلق
فجأة ترفع المجتمعات العربية جميعاً، وفي وقت واحد، شعار «الشعب يريد إسقاط النظام». يقول الناس أنهم شعب، صاروا شعباً ذا إرادة، والإرادة هي إسقاط النظام. يقولون أنهم موحدون في مواجهة النظام العربي. النظام هو مجموعة الحكومات العربية وإسرائيل والنظام العالمي الذي يخضع للإمبراطورية الأميركية.
يشمل النظام أيضاً، القوى والطبقات الرأسمالية والطبقية والثقافية التي ترتبط به وتتغذى منه. النظام لا يشمل فقط مجموعة حكومات عربية مستقلة، بل يعني مجمل منظومة القهر والاستغلال والاستبداد التي تسيطر على الأرض وتستغل عمل الناس وتنهب الموارد؛ المنظومة التي تأخذ كل شيء تقريباً ولا تترك إلا الفقر والبطالة والبؤس.
هناك حركتان ضمن هذا النظام: حركة السلطة، وحركة الشعب. السلطة تمثل نظام السيطرة. وحركة الشعب تمثل محاولة التحرر من نير السلطة. تحدث الثورة عندما تصطدم الحركتان. لا تحدث الثورة إلا بنهوض شعبي. ينهض الشعب عندما يضطر إلى مخالفة القانون والأعراف. ولا يضطر إلى ذلك إلا عندما تصير الأحوال خانقة وغير مقبولة. سواء تحرك الشعب نتيجة عوامل داخلية أو خارجية، فإن ما يقرر حركته هو الوجدان الداخلي عندما يرفض استمرار الأمور على ما هي عليه.
من ينظر إلى الثورة من فوق، من وجهة نظر النظام، يراها مجرد اتصالات دبلوماسية أو تواطؤ قوى خارجية وداخلية، أو حركة إمبراطورية لإعادة ترتيب أوضاع الحكومات بأوجه جديدة. باختصار، من ينظر إلى الثورة من فوق يراها معلبة، أو جملة تطورات تجري حسب خطة مرسومة سلفاً، ومن أقدر من الإمبراطورية الأميركية على رسم الخطط وتنفيذها؟
مَن ينظر إلى الثورة من تحت، من وجهة نظر الناس ووجدانهم ومدى رفضهم للأوضاع الراهنة، ورغبتهم في التحرر والانعتاق، يرى فيها أشياء متوقعة وغير متوقعة، مستحبة وغير مستحبة، مفهومة وغير مفهومة، يرى فيها مطالبات بحقوق لم يطالب بها أصحابها من قبل، وشخصيات تستحق الاحترام ولم تكن معتبرةً من قبل.
يصعب على الواقعيين الذين أدمنوا متابعة وتحليل حركة الدول وتحليلها والأنظمة فهم حركة الثورة. الثورة تستعصي على الفهم لأنها غير ما اعتدنا عليه. هي حدث غير عادي وفوق العادة، حدث استثنائي، حدث غير طبيعي، حدث يجعل المستحيل ممكناً. من لا يفهم إلا الأمور الطبيعية لا يفهم الثورة. يصعب توقع الثورة على الجميع، وإلا كان النظام أولى بذلك، ولكان اتخذ الإجراءات لمنعها. نعفي الجميع من هذه المهمة. لكن، أن لا تُفهم الثورة بعد حدوثها فهنا تكمن مشكلة المحللين والباحثين الذين تدربوا في مجالاتهم العلمية على عدم فهم ما لا يمكن توقعه. هذه مشكلة من بقي وعيه أسير زمن الاستنفاع العربي والركود الفكري، زمن توقع ما يجب توقعه، في ذلك الزمن لا تأتي الحركة إلا من الخارج؛ ولا فاعلية إلا لما يقرره الخارج، زمن اقتصر على الدبلوماسية وحركة الدول وقرارات الأنظمة. الثورة خروج على قواعد العلوم السياسية والاجتماعية، وخروج على قوانينها.
الثورة أيضاً خروج على قانون الدولة. خروج على النظام، نشاط غير قانوني يمنح الشرعية لنظام جديد. في ذلك تناقض. التناقض شكلي، لأن الدولة تنشأ على الغلبة، وهي تأسست نتيجة الغلبة، غلبة فئة من الناس على أكثريتهم. عندما يفقد النظام شرعيته بسبب العوامل التي تؤدي إلى عدم مقبوليته، يحتاج الأمر إلى غلبة جديدة؛ من لا يتمنى أن تكون الغلبة للشعب، للأكثرية من المظلومين والمسحوقين والمنهوبين على القلة الحاكمة من أهل الظلم والفساد في الأرض؟ على كل حال، نعيش في زمن يدعي فيه الجميع أن الغلبة يجب أن تكون للشعب، لهذه الأكثرية التي يجب أن تحكم في بلادنا العربية. حكمت الأقليات الطبقية زمناً طويلاً.
يلتبس تعبير الأكثرية والأقليات. الالتباس مقصود ومركب. القصد منه إرباك الناس بعامتهم، بالطائفية والإثنية والقومية والقبلية، ثم قطف ثمار الاستغلال الطبقي في وقت واحد. يعيدون تركيب الطوائف والإثنيات والقوميات، يعيدون الانقسامات العمودية في المجتمع من أجل خلق فرص نشوب الحرب الأهلية في حال ثار الناس ضد الاستبداد. لنتذكر أن الناس كانوا موجودين في مرحلة النضال من أجل التحرر الوطني قبل نشوء حكومات الاستبداد، حين كانوا ضد الإمبراطورية. وعلينا الاستنتاج أن الانقسامات العمودية، رغم أن لها جذوراً تاريخية، إلا أنها ليست كل الحكاية؛ هي، في تأجيجها وإعادة صياغتها، سلاح الاستبداد ضد احتمال الثورة. يستخدم الاستبداد جميع الأسلحة لتأكيد وتأييد مواقعه في السلطة. يطبق سياسة فرق تسد بكفاءة أكبر من الاستعمار الذي سبقه وما زال يرعاه.
تفرض السلطة على كل فرد هوية من الهويات الانفصالية الاستبعادية (طائفية، إثنية، قومية، قبلية) من أجل أن ينسى الناس الهوية الواحدة التي يطالبون بها، الهوية التي تمنحهم حق المواطنة في بلد ديمقراطي، هوية المواطن المشارك في الدولة والمجتمع، الهوية المجردة من كل نعوت وأصول قومية وإثنية وطائفية وقبلية. هي المطلب الثوري الأساسي. لكن دولة الاستبداد تفرض علينا أن نكون قبائل في بلد، وإثنيات في آخر، وطوائف في بلدٍ آخر، من أجل أن يحولوا الثورة، ثورة الشعب لإسقاط النظام، إلى ثورة مضادة وحرب أهلية، طائفية أو مذهبية. يريدوننا أن ننسى حقوقنا الواقعية وأن نطالب بحقوق وهمية. يريدون لنا الأوهام مكان الواقع، ليصير الواقع لهم والأوهام لنا.
تستمر الثورة، تكسب عزماً متزايداً عندما تبقى صرخة واحدة «الشعب يريد إسقاط النظام»، أي عندما يحافظ الشعب على وحدته، (بعد أن صار شعباً)، وأن يصر على إسقاط نظام الاستبداد الذي يربطنا بالإمبراطورية، وبإسرائيل عن طريقها. هذه هي خريطة الثورة ولا خريطة غيرها، بالنسبة لعموم الناس، أما النظام فإنه يرسم خرائط متعددة، بهويات متعددة، ليقسم الشعب ويشل حركته.
يمكن أن تتصارع الأنظمة في ما بينها. هذا صراع على السلطة كي لا تفلت السلطة من أيدي المسيطرين. تحافظ قوى السيطرة على وحدتها بتوحيد شعاراتها، وبإبقاء الشعارات بسيطة قليلة العدد. لا يقل أهمية عن ذلك، محاولة زج أكبر عدد من الناس، من الأكثرية التي لا تتمتع في هذه الدنيا إلا بالفقر، في العملية الثورية. تحمي الثورة نفسها بالشعب، شرط أن تكون هي بوابة عبور الشعب إلى السياسة. تحمي الأنظمة أنفسها بالتعاون في ما بينها، وقد رأينا ذلك في العديد من البلدان العربية، أو باستقدام المساعدات الأجنبية. على كل حال فإن البلدان العربية مليئة بالقواعد العسكرية الأمبريالية وبالسفارات المدججة.
الإصرار على مطلب واحد «الشعب يريد إسقاط النظام» يؤدي إلى انفكاك نخب النظام عنه. ولا يسقط نظام إلا عندما تنفك النخبة الثقافية والسياسية والاقتصادية عنه. تنفك هذه النخب عندما ترى قوى الشعب هادرة مثل التسونامي. لا تستطيع نخب الاستغلال والوصولية ومداهنة السلاطين الصمود أمام تسونامي الشعب.
أمام النظام العربي (الأنظمة) طريق واحد هو الخروج أو السقوط. الشعب يعرف كيف يتماسك حول شعار واحد، وفي روحية واحدة. عرف ذلك في الماضي. ويعرف ذلك الآن. يعرف أن المستقبل بيده ولو طال الزمن، ولو كانت الخسائر مؤلمة. ثمن الثورة مكلف للشعب، لكنه يضع حداً لأنظمة الاستبداد وينهيها وعلى النخب الثقافية الزاعمة دعم الثورة أن تدرك ذلك، وأن تعلن موقفها، وأن تنظر للثورة من تحت لا من فوق.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018