ارشيف من :أخبار لبنانية
رسالة إلى قناة "الجزيرة"
عفيف النابلسي
بداهة نشكر قناة "الجزيرة" على الدور الإعلامي الكبير في ايصال صوت الشعوب العربية المقهورة إلى العالم، والجهود الجبارة التي تقوم بها لتضيء على الواقع الأليم لهذه الشعوب التي مرّت بحقبات من التخلف والحرمان وفقدان الكرامة والحقوق الإنسانية. ولا شك في أنها أبلت بلاءً حسناً في نقلها أخبار الثورات التونسيّة والمصريّة وحالياً الليبيّة وطريقة بيانها لتطور الأوضاع على المستويين الميداني والتحليلي، وكذلك في تغطيتها المتواصلة للأحداث الجارية في اليمن.
في كل ذلك، تستحق "الجزيرة" التقدير في مقام إظهارها الشجاعة والاحتراف والمساعدة على تغيير واقع عربي كان مُلكيّة خاصة للحكام وعوائلهم وزبانيتهم يتصرفون به كيفما يشاؤون.
لكن ما يحصل في البحرين من غليان شعبي وفوران جماهيري وتجمعات ومظاهرات صاخبة تطالب بإصلاحات سياسيّة ودستوريّة، ولجوء الحكم الملكي في البحرين لإعلان حالة الطوارئ والزج بالجيش لمواجهة الشعب واستخدام القوى الأمنية للرصاص الحي ما أدّى إلى مئات الضحايا بين قتيل وجريح، والاستعانة بعساكر خارجيّة من السعوديّة والكويت والإمارات ضد شعب أعزل يتطلع بأمل ووعي للعيش بمقتضى العدالة والمساواة وفي ظل دستور يحترم الحقوق السياسيّة والإنسانيّة لجميع أبناء البحرين.
كل تلك التطورات غير المسبوقة في بيئة متشابكة ومتداخلة ومتبادلة التأثير وشديدة الحساسيّة والخطورة بالنسبة لأهلها القاطنين فيها وللخارج الذي يعوّل على الاستقرار لضمان تدفق النفط، يبدو وكأنّه يحصل في كوكب آخر لا على الأرض ولا على مقربة من دولة قطر الحاضنة لهذه القناة فامتنعت من الإطلالة على المشاهدين لتكشف حقيقة ما يجري وتنقل صورة الوضع على ما هو عليه.
وأمام هذا التصرف المريب من قناة "الجزيرة" فإننا نقف على خطين من التساؤل. ففي خط التساؤل الأول، فإنّ "الجزيرة" وكما هو معروف ترفع شعار الرأي والرأي الآخر. ومن يرد أن يرفع مثل هذا الشعار عليه أن يعمل بموجباته وأن يلتزم معاييره في الموضوعيّة والحياديّة والمصداقيّة والوضوح والشفافيّة والجرأة في قول الحق وإن ضرّ على الباطل وإن نفع.
بيد أن من يراقب "الجزيرة" هذه الأيام يستنتج أنها لا تظهر بهندام واحد، بل تبدو في وضع وقد هجرت فيه هذا الشعار، أقلّ تنوعاً وأضيق أفقاً وأكثر ميلاً وانحيازاً لوجهة نظر النظام الملكي، متخلية عن أصالتها النقدية واقتحاميتها في الدخول إلى النقاط الساخنة لنقل الصورة والخبر.
و"الجزيرة" التي ظهرت في أماكن كثيرة منيعة أمام الضغوط والمغريات تعترض وتثور، هي أقرب ما يكون اليوم فيما يخص قضية البحرين إلى الاكتفاء القانع بالهمهمات الإخبارية بين حين وآخر. تساوم على دفتر شروطها لمصلحة الدولة التي تمولها أو لمآرب أخرى لا تستوي علة لتبرير غيابها عن الأحداث في البحرين ولا لما أصاب صدقيتها ومهنيتها من خدش.
وفي خط التساؤل الثاني، إنّه ونتيجة إحساس "الجزيرة" بحجم الانتهاكات المروعة بحق الإنسان خصوصاً في عالمنا العربي والإسلامي، فقد خصصت جانباً مهماً من تغطيتها ومتابعاتها لتناول قضايا حقوق الإنسان ورصد الجرائم والتجاوزات التي ترتكب بحقه. وقامت منذ سنوات بتأسيس مركز لهذه الغاية تصدى للكشف عما يلحق الإنسان من أذى وظلم وعسف وما إلى ذلك، وفضح من يعمد إلى ارتكاب الجرائم والمساعدة إعلامياً على ملاحقته قضائياً.
لكن في البحرين يبدو أن الموضوع مختلف. وسفك الدماء الذي حصل والاعتقالات التعسفية وقمع المتظاهرين بالعنف والرصاص الحي والدبابات والطائرات لا يدخل في حسابات مركز "الجزيرة" ولا في أجندة من يحرر الأخبار.
لقد وجدت من واجبي أن أنوه بـ"الجزيرة" من جانب، وأنبّهها إلى انحرافها وخروجها عن خط الالتزام بقضايا الحق والإنسان من جانب آخر.
فحبذا لو تسارع "الجزيرة" إلى تصحيح أخطائها لتبقى صوت العقل الحر المستقل الذي يبحث عن الحقيقة ويساعد في نشر ثقافة العدل والمساواة والحرية في منطقتنا التي رزحت لسنين تحت سياط العنف والظلم، وعانت لحقب طويلة من حكام مستبدين ساقوا شعوبهم إلى التخلف والجهل والتبعية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018