ارشيف من :أخبار لبنانية

14 آذار: مكانك راوح

14 آذار: مكانك راوح

نادر فوز - "الأخبار"
لم يتوقع أحد من الأكثريين السابقين العودة إلى مقاعد المعارضة. هم أنفسهم لا ينكرون هذا الأمر، ولا يتردّدون في مجالسهم الخاصة، في الاستعانة بالعبارات اللازمة للإشارة الى صدمتهم من «وقاحة» أو «جرأة» الفريق الخصم وقدرة قادته على اتخاذ قرارات الحسم. لم تخرج هذه القوى من الصدمة، وهي لا تبدو حتى الساعة متصالحة مع نفسها ومع الواقع الجديد، ما يجعل ردّة فعلها حاقدة وعمياء على الخسارة والخروج من الحكم، رغم ما صدر من فندق البريستول في الأسابيع الماضية بأنّ 14 آذار ستكون معارضة غير اعتيادية. مواقف قوى 14 آذار وأداؤها تثبت أنها تعيش هاجساً وحيداً: إثبات أنها ليست في حالة مراوحة ولا تنتظر الخطوات السياسية للفريق الآخر، وأنها ستكون الفعل، لا رد الفعل.

لكن حركة الأكثرية السابقة طوال هذه الفترة لا تشير إلى أنها خرجت من الموقع النمطي للاعتراض السياسي، ويمكن القول إن تيار المستقبل هو الفريق الوحيد في 14 آذار الذي ينشط و«يحور ويدور» حول هدف وحيد وهو إضعاف الرئيس المكلف وإسقاطه في طائفته.
أما القوى الأخرى فمشغولة بقضايا أخرى: قيادة القوات اللبنانية منهمكة في الإعداد لمؤتمرها التأسيسي. حزب الكتائب غائب عن السمع وتبقى القضية الأبرز لرئيسه أمين الجميّل إقرار ما يراه مناسباً لتنظيم 14 آذار وحسم الأدوار فيه والقضاء على خصومه الشخصيين في الأمانة العامة لقوى 14 آذار. أما الشخصيات المستقلة فهي في إجازات أو تشغل نفسها في السفارات وعواصم العالم، لعلّها تنجح في فهم سير الأمور في المنطقة، والخريطة التي يحاول الغرب رسمها تبعاً للتغييرات المستمرة في البلدان العربية.

الوقائع التي يطرحها ممثلو الغرب على الأكثريين السابقين تزيدهم قوّة وثباتاً، وتعيد بعث الأمل في نفوسهم بأنهم محاطون بحلفاء أشدّاء لا يزالون يحافظون على وجودهم في المنطقة. وأكثر ما يفرح قوى 14 آذار هو عودة حديث ممثلي الغرب عن نظرية «الفصل بين سوريا وإيران». فبحسب الأكثريين السابقين، أُعيد إحياء هذه النظرية نتيجة التميّز الكبير الذي بات موجوداً بين دمشق وطهران في الموقف من الانتفاضات، وخصوصاً في حالة البحرين. توقفت قوى 14 آذار طويلاً أمام الدعم الذي أعلنه وزير الخارجية السورية، وليد المعلم، لدخول قوات الجزيرة إلى البحرين وتأمين غطاء سوري لهذا الدخول. فيما حفظت عقولهم وعيونهم مشهد الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، وهو يؤكد دعمه للثوار في البحرين.

في مجالس الأكثريين، يشيع الحديث عن أن دمشق «لا تريد الدخول في تعقيدات إضافية»، وأن «سوريا تعرف تماماً أن الجو السنّي يهزّ عمليات التهدئة في المنطقة، وخصوصاً مع السعودية». وفي المجالس نفسها، تقول شخصيات 14 آذار إن الأحداث التي تجري اليوم على الأراضي السورية هي نتيجة خيار دمشق بالمواجهة، وإن نقل المعركة إلى الداخل السوري من شأنه إفهام دمشق خطورة هذا الخيار وآثار تعنّتها ونتائج سياستها الخارجية في المنطقة.
هذه القراءة تجتاح عقول أبناء 14 آذار، فيضيفونها إلى ملفهم الأساسي وهو «إسقاط السلاح».

تشير هذه الأجواء إلى اعتماد قوى 14 آذار كلياً على الخارج في مواجهتهم حزب الله وقوى الأكثرية الجديدة. والنقاشات في صالونات معراب وبيت الوسط وبكفيا وغيرها، لا تنحصر عن هذا الحد، إذ تدعو مجموعة من الأكثريين السابقين إلى التركيز على حركة المجتمع الدولي تجاه الشعب الليبي في الأزمة التي يعيشها. تنظر هذه الشخصيات بحماسة إلى القرار 1973 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، الذي يمنع استخدام السلاح. تحاول إعادة تركيبه بصيغة لبنانية، وتسوّق له في مجالس شرب القهوة وفي صالونات السفراء وعدد من ضباط الأمن في السفارات. لكن اللافت في هذا الإطار هو أن هذه الشخصيات تعارض نفسها، إذ تؤكد في المجالس أن حزب الله يعجز عن استخدام سلاحه في الداخل! والخلاصة: المطلوب إصدار قرار دولي يدين القوى المسلحة في بيروت ويحذرها من اتخاذ خيار العنف، للضغط على حزب الله. بمعنى آخر، تريد قوى 14 آذار من حلفائها في الخارج القول صراحة: نحن هنا ونقوم بخطوات واضحة لدعمكم في معركتكم مع الحزب، ما سيسمح لأقطاب وشخصيات 13 آذار وجمهورها بالنوم هنيئاً كل ليلة، باعتبار أن أحد العناوين الأساسية في مشروع المعارضة «غير الاعتيادية» يتحقق، وهو نزع كامل الشرعية الدولية عن حكومة ميقاتي «التي مهمتها الأساسية تشريع السلاح».

نتيجة قراءتهم الواقع السياسي في المنطقة اليوم، بات الأكثريون السابقون في شبه إدراك بأنّ القرار الاتهامي للمحكمة الدولية مؤجل إلى حين انتهاء الصيغة السياسية «الجديدة» في البلدان العربيّة المجاورة. أي أنهم يعلمون استحالة استخدام ورقتي القرار الاتهامي وقرار مجلس الأمن بشأن السلاح، في الآن معاً، وأن الضربات الغربيّة لحزب الله لن تكون «خبطةً واحدة»، ما قد يسمح للحزب بالتنفّس وامتصاص «الضربات» الواحدة تلو الأخرى.

رغم جرعات الثقة والدعم هذه، لا يزال فريق 14 آذار يعيش في حيرة نتيجة تأخير الأكثرية الجديدة في تأليف الحكومة. فمراكز القرار في 14 آذار تضع الكثير من الاحتمالات والتحليلات التي يمكن أن تحول دون تسلّم الرئيس نجيب ميقاتي مفاتيح السرايا الكبيرة من الرئيس سعد الحريري، دون أن يكون في جسم الأكثرية السابقة أي سبب مقنع لذلك. فهذا الفريق لا يزال يفاجأ في كل يوم لا يزور فيه كل من الرئيسين ميقاتي ونبيه بري قصر بعبدا للإفراج عن التشكيلة الحكومة، باعتبار أن الخطة الأساسية لـ 14 آذار افترضت أن يقع خصومها في أخطاء الاستعجال في التأليف، نظراً الى اقتراب موعد صدور القرار الاتهامي. لكن ذلك لم يحدث، بل لم يحصل العكس حتى اليوم.

التعقيدات الداخلية والأحداث الإقليمية تدفع عدداً من الأكثريين إلى إعادة طرح عنوان «حكومة الشراكة الوطنية». ولو أنّ اللهجة المستخدمة في إعادة طرح الشراكة تنطلق من أن «الفريق الآخر عاجز عن التأليف من دوننا»، إلا أنها تعني الكثير من الأمور التي لم تتصوّرها قيادة 14 آذار ولا جمهور 13 آذار: في هذا التجمّع من يعيد مناقشة مشروع «إسقاط السلاح» بالصيغة التي أعلنت في كل من البيال وساحة الشهداء. أي أن قسماً من شخصيات الأكثرية السابقة عاد إلى منطق التفاوض والتنازل، فيما لا تزال المجالس تطفو على عبارات الصدمة من «جرأة» الفريق الآخر في اتخاذ قرارات الحسم.



2011-03-25