ارشيف من :أخبار لبنانية

نزع السلاح في زمن الانكسار

نزع السلاح في زمن الانكسار
يحيى دبوق، الأخبار

وثائق السفارة الأميركية عن جلسات موظفيها مع قادة قوى 14 آذار خلال حرب إسرائيل على لبنان عام 2006، واضحة ولا لبس فيها: تحريض وسرور بالحرب على حزب الله، ومن ثم فشل وخيبة أمل وتحسّر. تكشف الوثائق أن هذه القوى قد عقدت آمالها، في حينه، على الحرب وعلى قدرة الجيش الإسرائيلي، كخيار عسكري مأمول النتائج، بأن يجتث المقاومة دفعة واحدة. وما جلسات العمل وتقويم الأوضاع وتقديم «النصائح»، ما بين جيفري فيلتمان وشركائه من اللبنانيين، كما تكشف الوثائق، إلا دليل إضافي يؤكد ما كان مؤكداً، بأن فريق 14 آذار وإسرائيل والولايات المتحدة، كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، اشتكت وتداعت له سائر الأعضاء.

منذ سنوات، يتبادل أفرقاء الطرف الآخر، الأدوار والرهانات بعضهم على بعض، ضد المقاومة. في عام 2005، عقدت كل من إسرائيل والولايات المتحدة، آمالهما على فريق 14 آذار، وبدا أن التداعيات التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان، فرصة مؤاتية تتيح لشركاء الداخل، في المقاصد والعداء لحزب الله، بأن يشدّوا الهمة لنزع سلاح المقاومة. كان شغل تل أبيب وواشنطن في تلك الفترة، أن يمدّا شريك الداخل، بما يلزم من أدوات وإمكانات وظروف لإنجاز المهمة، لكن الفرصة ضاعت. في عام 2006، كانت آمال فريق 14 آذار معقودة على إسرائيل وحربها على لبنان، لكن الفرصة ضاعت أيضاً، مع فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق المهمة. كُسرت شوكة الأفرقاء، لكن أهدافهم وتطلعاتهم لم تنكسر.

منذ انتهاء الحرب، عمل أعداء المقاومة على خيارين اثنين، ما زال العمل عليهما جارياً وقائماً حتى الآن: المحكمة الخاصة بلبنان ومساراتها، مع الأمل والرهان على أن تسبّب فتنة داخلية تشغل حزب الله وتحرف أولوياته وتستنزف إمكاناته، أما الخيار الثاني فكان وما يزال، الإعداد لتوفير الفرصة مجدداً للخيار العسكري الإسرائيلي، فلعل الحرب المقبلة تنجز ما عجزت عنه الحرب الماضية. بحسب البعض، وقد يكون صحيحاً، فإن الخيارين خيار واحد، أي أن الفتنة الداخلية مقدمة وجزء من الحرب المقبلة نفسها، وقد لا ينفكّ كلٌّ منهما عن الآخر. لكن في موازاة ذلك، كان أداء المقاومة في الداخل طوال السنوات القليلة الماضية، واستعدادها العسكري للمواجهة ضد إسرائيل، كافيين لتفويت الفرصة، حتى الآن.

شهدت بداية عام 2011 تراجعاً إضافياً في ظروف ومقوّمات المعادين للمقاومة، لكن النيات لم تتغير: انحسار للنفوذ الأميركي في المنطقة؛ سقوط أنظمة كانت حتى الأمس مقوّماً من مقوّمات العداء؛ وتراجع في مكانة أفرقاء الداخل على الإضرار بالمقاومة، في موازاة انسداد أفق الخيار العسكري الإسرائيلي، قياساً بجهوزية المقاومة على الرد والمواجهة.

مع ذلك، وللمفارقة، تظهر مقاربة قوى 14 آذار وخطابها، في زمن الانكسار وتراجع المكانة والدور، أكثر انكشافاً ومباشرة في العداء للمقاومة عن ذي قبل، إذ غابت الإشارات والتلميحات المواربة، وحل مكانها خطاب عدائي مباشر، قد لا يستقيم ويتناسب مع الإمكانات والقدرة المتواضعة على التأثير، وبشكل أكثر تأكيداً ضد سلاح المقاومة، محل تصويبها المباشر. ما يعني أن خطاب هذه القوى قد يدور بين حدين، لجهة المقاصد والنيات، إما أن كل الصراخ والعداء المعلن عنه تعبير عن ضيق يد وحسرة على أيام لم يجر استغلالها جيداً، وبالتالي تعبير مادي عن حالة عدم القدرة على التأقلم والتكيف مع التغييرات الحاصلة في موازين القوى في لبنان والمنطقة، أو أن هذه القوى تنتظر استحقاقاً أو وعداً ما، تراهن أنه سيؤدي إلى بلورة واقع جديد في هذا البلد، يضرّ بالمقاومة ويصبّ في مصلحتها: المحكمة الخاصة بلبنان، والخيار العسكري الإسرائيلي، أو كلاهما معاً.

لكن، مع أنباء تأجيل صدور القرار الاتهامي ومسارات المحكمة إلى أجل غير منظور، بعدما تعذر على واشنطن توظيفه كمقدمة لقلب موازين القوى السياسية في لبنان ضد حزب الله، وفي الوقت نفسه تعذّر الخيار العسكري الإسرائيلي في هذه المرحلة لأسباب ودوافع عديدة قيل فيها الكثير، قد لا يبقى سوى سبب واحد يدفع الأكثرية السابقة ورئيسها، إلى الصراخ والتصويب على سلاح المقاومة: عجز وقصور في فهم الواقع.

مع ذلك، فإن الأزمة في لبنان أقل بكثير مما يتراءى للبعض، أو يريدها أن تكون. في لبنان متعثرون سابقون، حوّلوا أنفسهم جراء فهمهم وأدائهم السيئ للواقع إلى خاسرين حاليين، لكنهم لا يريدون الإقرار بالخسارة، ويؤجّلون إعلانها، ويفضّلون الرهان على آتٍ، قد لا يأتي.
2011-03-28