ارشيف من :أخبار لبنانية
هل من عادة المحكمة الدولية أن تجمع تمويلها.. تسللاً؟
نبيل هيثم، السفير
في 17 كانون الثاني 2011، أحال مدعي عام المحكمة الدولية دانيال بيلمار القرار الاتهامي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري الى قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين، واقترنت الاحالة آنذاك بسريان مهلة افتراضية حددت ببضعة اسابيع لمصادقة فرانسين على القرار وقبوله او رفضاً كلياً او جزئياً.
وفي 11 اذار 2011، اعلن بيلمار انه قدم الى فرانسين ما وصفه «قراراً اتهامياً معدلاً» وذلك نتيجة «جمع وتحليل مزيد من الادلة»، بحسب ما اعلن مكتب بيلمار، ولم يوضح بيلمار ما اذا كان استرد القرار الاول، او ما اذا كان فرانسين قد رد قرار بيلمار.
من 17 كانون الثاني وحتى 11 آذار 55 يوماً اي 8 اسابيع، وهي فترة تدخل ضمن سقف مهلة الاسابيع (من 8 الى 10 أسابيع) وفق رئيس قلم المحكمة هيرمان فون هايبل، قبل أن تبادر المحكمة الى نسف تلك المهلة من اساسها، حيث اعلن رئيس مكتب العلاقات العامة في المحكمة كرسبن ثورولد قبل ثلاثة ايام ان فرنسين سينجز التدقيق في قرار بيلمار في غضون بضعة اشهر وليس بضعة أسابيع.
يقود ما تقدم الى طرح السؤال التالي: ماذا حصل بين 17 كانون الثاني و11 آذار، وهل استرد بيلمار قراره الاتهامي، ام ان فرانسين رد هذا القرار واعتبره «غير كاف»؟
اللافت للانتباه في هذا السياق ما كشفه دبلوماسي أوروبي من ان بيلمار لم يسترد قراره، خاصة أنه أحاله في 17 كانون الثاني مرفقاً بـ«العناصر المؤيدة» التي تجعل منه «قراراً صلباً، لكن ما حصل، والكلام للدبلوماسي الغربي، ان فرانسين لم يقتنع بمضمونه ولا بالأدلة والقرائن التي ساقها، فسارع الى رده الى بيلمار، الذي عاد وارسل قراراً معدلاً تحت عنوان «توسيع نطاق الاتهام».
لا يملك الدبلوماسي الأوروبي جواباً عما اوجب حجب «واقعة» رد القرار عن الرأي العام وابقاءها طي الكتمان وتلك علامة ليس حول المخالفات التي تحيط بعمل التحقيق الدولي فحسب، بل هي واحدة من اشارات عدم الشفافية التي تطبع التحقيق، خاصة أن مجرّد الرد معناه ان قرائن بيلمار غير صالحة لإجراء محاكمة على اساسها، علماً ان هناك من يفترض حصول ضغوط اميركية لعدم الإعلان عن رد القرار، لكي لا يرتد ذلك سلباً على حلفاء واشنطن في لبنان، خاصة وان هذا الردّ حصل قبل ايام قليلة من مهرجان 13 آذار في ساحة الشهداء، ومجرد الإعلان عن الرد معناه توجيه ضربة للآمال التي يعلقها هؤلاء على بيلمار وقرائنه للإطاحة بـ«حزب الله».
وفي تقدير شخصية حقوقية لبنانية، فإن ما اعلنه رئيس مكتب العلاقات العامة في المحكمة بأن مهمة فرانسين في النظر في القرار المعدل تتطلب بضعة اشهر، يقود الى استنتاج يصب في خانة تأكيد ما كشفه الدبلوماسي الغربي، خاصة ان ما في حوزة فرانسين حالياً هو عبارة عن قرار جديد مختلف عن القرار الاول، ويحتاج الى دراسة لبضعة اشهر علما ان لا مهلة مقيدة لفرانسين لاتمام تلك الدراسة وبالتالي اتخاذ القرار في ما هو مطروح عليه.
وتقول الشخصية الحقوقية «وفقاً لمعرفتي الحثيثة بقاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين، ووفقاً لخبرتي بالأداء الذي قدّمه بدءاً من قرار الإفراج عن الضباط الأربعة وصولاً حتى كيفية تعاطيه مع ملف اللواء جميل السيد، يجعلني لا استغرب أبداً ان يكون فرانسين قد بادر ورد القرار الاتهامي الى بيلمار، ولا اعتقد ان فرانسين كان يبادر الى مثل هذه الخطوة لو انه اقتنع بالسياق الاتهامي الذي يحدّده بيلمار وبأن القرائن سواء أكانت ظرفية ام غير ظرفية ام تزامنية وغير تزامنية هي قرائن صلبة وليست هزيلة، وأنا لا أشك لحظة بأن القرائن الظرفية التي يستند اليها بيلمار لن تجد لها سبيلاً لحمل فرانسين الى الاقتناع بها».
وتقف الشخصية الحقوقية عند رد ثورولد على ما كشفته «السفير» الاربعاء الماضي من لقاءات تجري بين المحكمة الدولية ومسؤولين اميركيين، بقصد التمويل، وان انجاز القرار الاتهامي يحتاج بضعة شهور، فتسجل الآتي:
اولاً، ان ما صدر عن رئيس مكتب العلاقات العامة في المحكمة كرسبن ثورولد هو كلام سياسي، ومنصبه هو منصب سياسي وليس منصباً قضائياً، ولذلك ما قاله عن مهلة الاشهر لا علاقة له بفرانسين، خاصة أن الناطق باسم المحكمة الدولية ليس هو الناطق باسم قاضي الإجراءات التمهيدية.
ثانياً، ان كلام ثورولد يعكس امنية سياسية (دولية) بعدم اصدار القرار الاتهامي في المرحلة الراهنة، وهي أمنية غير ملزمة للقاضي فرانسين.
ثالثا، ان كلام ثورولد عن مهلة الاشهر يتجاوز ما قد ينوي فرانسين اتخاذه، اذ قد يصدر القرار الاتهامي اليوم، كما يمكن الا يصدر القرار أبداً اذا ما اعتبر ان الادلة التي ساقها بيلمار مجدداً لا ترقى الى مرتبة المحاكمة.
رابعاً، ان الزيارة التي قام بها وفد المحكمة المؤلف هايبل وكرسبن الى الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة واللقاء مع مسؤولين اميركيين وغير اميركيين اتخذت طابع السرية المطلقة، علماً ان ثورولد برر الزيارة بالسعي الى جمع التمويل، فلماذا السرية اذاً وهل في الزيارة واللقاءات التي أجراها كل من هايبل وكرسبن ما يخجل؟ وهل المحكمة تجمع التمويل عادة خلسة؟
خامساً، بصرف النظر عما اذا كان جمع التمويل من صلاحية هايبل وكرسبن ام لا، فهل هناك ما يوجب جمع التمويل للمحكمة الآن، هل هناك نقص بالميزانية، وان كان ذلك حاصلاً فلماذا لا يتم الإعلان عن ذلك امام الرأي العام، هل يتم جمع الاموال للسنة الحالية، علماً ان رئيس المحكمة قد اشار في تقريره السنوي الثاني ان موازنة العام الحالي من 1 كانون الثاني إلى 31 كانون الاول 2011 تبلغ 65.7 مليون دولار أميركي. واوحى بأنها مكتملة عندما عدّد الدول المساهمة بالاضافة الى لبنان وهي: النمسا، وبلجيكا، وكندا، وكرواتيا، والجمهورية التشيكية، وفرنسا، وفنلندا، وألمانيا، واليونان، وهنغاريا، وإيرلندا، وإيطاليا، واليابان، والكويت، ولكسمبورغ، وهولندا، و«دول إقليمية» (من دون ان يحدد ما اذا كانت اسرائيل من ضمنها ام لا) ، الاتحاد الروسي، والسويد، وجمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة، وتركيا، والمملكة المتحدة، وأوروغواي»... وبالتالي هل يتم جمع المال للسنة المقبلة وتحديداً لما بعد انتهاء ولاية المحكمة في آذار 2012، وهل يحق للمحكمة أن تجمع التمويل افتراضياً قبيل توقيع اتفاقية جديدة بين لبنان والمحكمة وقبل صدور قرار عن مجلس الأمن يمدد عملها لثلاث سنوات جديدة أو أكثر؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018