ارشيف من :أخبار لبنانية

ملفات بارود إن انفجرت: شظايا تصيب بيوتاً من زجاج!

ملفات بارود إن انفجرت: شظايا تصيب بيوتاً من زجاج!

عماد مرمل - صحيفة السفير

إذا كانت حقيبة «الداخلية» هي أساسا من الحقائب الوزارية «الدسمة» و«المرغوبة»، إلا ان قيمتها المعنوية والسياسية تضاعفت مؤخرا مع ازدياد الطلب عليها، واحتدام الصراع حولها.

و«جاذبية» وزارة الداخلية تبدو مفهومة، فهي تجمع في دوائرها وملفاتها بين ما هو أمني وإداري وسياسي، الامر الذي يتيح لمن يتولاها الاحساس بفائض من السلطة والقوة، والامساك بمفاتيح الكثير من الأبواب والاسرار في البلد.

وربطا بهذه الحساسية الفائقة للوزارة، يعتبر البعض انها يجب أن تكون في عهدة «الوسطيين» كونهم الأقدر على الامساك بعصاها من الوسط وإدارتها بشيء من التوازن بما يبقيها على مسافة واحدة من الجميع ويمنع توظيف قدراتها لخدمة فريق دون الآخر، بينما يرى البعض الآخر ان هناك حاجة الى وزير قوي وصاحب لون واضح في «الداخلية»، يحول دون تعطيلها تحت شعار التوافق، ويُعيد اليها الهيبة والفعالية، بدلا من ان تكون قوة الوزارة في ضعفها.

ومع قرار قوى 14 آذار بالامتناع عن المشاركة في «الحكومة الافتراضية» للرئيس نجيب ميقاتي، اشتد التجاذب حول هذه «الحقيبة» بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والعماد ميشال عون، حتى كادت عقدة «الداخلية» تغدو الاكثر شهرة واستعصاء، في ظل تمسك كل من «الجنرالين» بأن تكون الوزارة من حصته، لا سيما بعدما أصبحت المواجهة بينهما مكشوفة وتمتد على كل الساحات المشتركة، من الحكومة الى الادارة.

ولكن العارفين ببواطن الامور يعتبرون ان تلك العقدة، على صعوبتها، تصبح قابلة للحل متى توافر القرار السياسي الكبير- خارجيا ومحليا - بتشكيل الحكومة، لافتين الانتباه الى ان مثل هذا القرار الحاسم لم يصدر بعد، بانتظار ان يتبدد الغبار الاقليمي وتتحسن الرؤية في المنطقة التي ما زالت تقيم في قلب عاصفة المتغيرات، وهذا ما يجعل عقدتي «الداخلية» وتمثيل المعارضة السنية السابقة «تنتفخان» في الوقت الضائع، الى حد يمنحهما حجما يتجاوز الوزن الموضوعي.

والى ان تتضح الصورة الإجمالية للحكومة المقبلة، يجد الوزير زياد بارود نفسه واقفا على خط التماس بين «جنرالي» بعبدا والرابية، في مرمى «النيران الصديقة»، محاولا بدبلوماسيته ورصانته الاحتماء من رصاص «القنص السياسي» الذي يتطاير فوق رأسه، مهددا بتحويله الى «ضحية» مجانية في معركة ليس طرفا مباشرا فيها، وركب موجتها كل من وجد الفرصة مؤاتية لتصفية الحسابات معه.

ولئن كان بارود لا يزال، حتى الآن، يتسلح بالصمت في مواجهة السهام التي توجه اليه، حتى كاد ينافس أيوب بصبره، إلا ان المحيطين به يؤكدون ان كيل الرجل أوشك ان يطفح، بعدما تجاوز المتحاملون عليه كل الحدود، مستغلين سكوته للإمعان في استهدافه، «علما ان بيوت هؤلاء هي من زجاج، وبالتالي يفترض بهم تجنب رشق الآخرين بالحجارة»، كما يردد المقربون من وزير الداخلية والذين يؤكدون ان عون ليس المقصود بهذه الرسالة، مصنفين موقفه الاخير حيال بارود في خانة الإيجابية.

ويروي المواكبون لبارود ان وجوده في «الداخلية» على تماس مباشر مع الكثير من الوقائع اليومية والحقائق الدامغة أتاح له الاطلاع على ملفات تفصيلية عن ارتكابات ومخالفات تحمل بصمات الكثيرين ممن يعطونه اليوم دروسا في السياسة ويحاضرون في العفة، «ولو أراد بارود ان يقول كل ما يعرفه لكانت وجوه كثيرة قد اسودت،» وفق ما يؤكد المقربون منه.

وحسب الأجواء السائدة في مقر وزارة الداخلية، فإن ما يستفز بارود أن بعض النواب الذين يوجهون اليه الانتقادات لم يحصل ان تقدم أي منهم باقتراح قانون الى مجلس النواب منذ عام 2005، بل يكتفون بالتنظير عليه من بعيد، متجاهلين انه يعمل بـ«عدة شغل» رمزية في ظل شغور 80 في المئة من المواقع المدرجة ضمن ملاك الوزارة، من بينها 15 موقعا شاغرا في الفئة الاولى من أصل 20، «ومع ذلك استطاعت الوزارة إجراء انتخابات نيابية وبلدية هي الافضل منذ زمن طويل على المستوى التقني والإجرائي بشهادة الامم المتحدة، إلا إذا كان نفوذ وزير الداخلية في أروقة المنظمة الدولية كبيراً الى الحد الذي يجعله قادرا على استمالتها الى جانبه في مواجهة المعترضين عليه»، كما يقول المتحمسون لتجربة بارود.

ويلمس بارود - تبعا لما يعكسه المتواصلون معه - ان هناك من يريد تحميله شخصياً مسؤولية فشل الحكومة ككل في التعامل مع ملفات تحتاج الى تغطية من مجلس الوزراء أو الى توقيع رئيسه، ولا تتصل فقط بدور وزارة الداخلية، ومنها على سبيل المثال ما يتعلق بوضع فرع المعلومات الذي يتطلب تنظيمه توافقا سياسيا، ومرسوم سحب الجنسية من غير مستحقيها الذي أنجزه بارود ولكنه بقي عالقا بسبب عدم توقيع رئيس الحكومة سعد الحريري عليه.

وحتى ما هو أبسط من ذلك يضيع في متاهات السلطة المبتورة، إذ تمكن وزير الداخلية من تأمين تمويل إسباني لمكافحة الحرائق بقيمة 80 ألف يورو، ولكن الحصول رسميا على المبلغ يتطلب موافقة مجلس الوزراء غير الموجود حاليا، ما يهدد بفقدان الفرصة، وعندما جاء من ينصح بارود بأن يستخدم توقيعه لترتيب المسألة مؤقتا ثم تُحل لاحقا على سبيل التسوية، سارع الى الرفض حتى لا يعطي أي مجال لاتهامه ذات يوم بمخالفة الدستور.

وانطلاقا من هذا الترابط بين ملفات «الداخلية» و«العالم الخارجي»، يتصرف بارود على أساس ان المعركة الحقيقية ليست مع شخصه بل هي معركة سياسية متعددة الأوجه والاتجاهات، وتدور في جانب أساسي منها مع المرجعية السياسية التي يمثلها، أي رئيس الجمهورية، ولو سمت هذه المرجعية أي شخص آخر لوزارة الداخلية، فإن المشكلة تبقى هي ذاتها.

ويشعر وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال - تبعا لما يلمسه المحيطون به - ان البعض يستسهل التصويب عليه بسبب عدم وجود فريق سياسي يغطيه أو يدافع عنه، لا سيما ان رئيس الجمهورية الذي لا يملك حزبا ولا وسيلة إعلامية ولا كتلة نيابية ليس قادرا على الزج بمقام الرئاسة في سجالات داخلية لحمايته، وليس أدل على هذا «الاستفراد» من كيفية تعامل بعض الاطراف مع مسألة عدم تعاون الوزراء الاربعة (غازي العريضي وجبران باسيل وشربل نحاس وزياد بارود) مع طلبات المدعي العام في المحكمة الدولية القاضي دانيال بيلمار، إذ تركزت الحملة على وزير الداخلية بينما كانت أقل وطأة على زملائه.

وفي حين يؤكد العارفون بشخصية بارود انه ما زال يتجنب الرد على الحملات التي تطاله، منعا للتسبب بمشكلة إضافية وتجنبا لإحراج رئيس الجمهورية ميشال سليمان وللحؤول دون ان يستنتج أحد بأنه يدافع عن بقائه في وزارة الداخلية، غير انهم ينبهون الى أن منسوب قدرته على الاحتمال يتراجع، وهو قد يضطر إذا استمر إطلاق النار السياسي عليه الى كسر صمته وفتح كل الملفات التي ستصيب شظاياها أسماء «لامعة» بما يؤدي الى خفوت بريقها، لان الوزير يعتبر أن كرامته هي أغلى من كل شيء.

ويخلص المحيطون بوزير الداخلية الى القول: «احذورا البارود إذا انفجر، فالوزير لن يتردد في تطبيق قاعدة «علي وعلى أعدائي يا رب»، متى وجد ان هناك إصرارا على الاستمرار في محاولة النيل منه».

2011-04-01