ارشيف من :أخبار لبنانية
هل نقرأ قريباً محاضر رفيق الحريري ـ حسن نصر الله؟
نبيل هيثم - صحيفة السفير
حسنا فعل سعد الحريري بأن اختار «السلاح» شعارا جذابا ومغريا لجمهوره، وهو على الأرجح قد تأخر في تبنيه، وكان الحري به أن لا يتبنى شعارا غيره منذ أن نُصب وليا للدم، لكان بذلك اختصر مسافات كثيرة على نفسه وجمهوره وربما على البلد.
غير أن الشاب الآتي من «الغربة» إلى ملعب «الدول» في بلده الثاني لبنان، اختار مسلكا مختلفا، يصح القول انه أدى الى تدفيعه أثمانا كان يمكنه تفاديها. هذا بالنسبة إلى جمهوره. والأمر يصح أيضا بالنسبة الى الجمهور الآخر.
شعر السيد حسن نصر الله بخطورة اللحظة، لحظة أريق دم رفيق الحريري في بيروت. ليس لأنه شهيد لبناني، وليس لأنه رئيس حكومة، وليس لأنه رفيق الحريري، الأكبر من بلده، بل لأن المرحلة التي بلغتها العلاقة بين الرجلين في تلك اللحظة كانت قد جعلتهما يسيران الى حد كبير على سكة واحدة. أكثر من ذلك، كان رفيق الحريري قد بدأ يبتعد عن نبيه بري كلما اقترب من «حزب الله». خاضا في الاجتماعات الماراتونية في مرحلة ما بعد العام 2000: احتمالات السلام والحرب في المنطقة. صورة النظام الإقليمي. العلاقات الايرانية ـ العربية وتحديدا السعودية ـ الإيرانية. سلاح المقاومة. المشروع الاقتصادي. العلاقات اللبنانية ـ السورية. بلغ مستوى النقاش حد قول الأمين العام لـ«حزب الله» لرئيس حكومة لبنان آنذاك «اذا حصلنا كعرب ومسلمين على كامل حقوقنا، فأنا مستعد لتسليم السلاح»، فما كان من رفيق الحريري الا أن قاطعه قائلا له: «اذا أنت قبلت بذلك فأنا لا أقبل. هذا السلاح ورقة بيد لبنان، وسأستثمره للحد الأقصى». وعندما سأله نصر الله عما يقصده بكلامه، أجاب الحريري مستفيضا، وثمة محاضر موجودة في قريطم وحارة حريك، يمكنها أن تكذب هذه الواقعة أو تؤكدها.
كانت مشكلة رفيق الحريري مع «حزب الله» أنه يريد للحزب أن ينخرط أكثر فأكثر في الداخل اللبناني: أن يصبح شريكا في السلطة... بينما كان «حزب الله» يصر على ترك هذه المهمة لمن يمثل الشيعة بالمعنى السياسي التقليدي خير تمثيل، أي الرئيس نبيه بري. وقبل أن يسقط رفيق الحريري شهيدا، استشعر «حزب الله» خطورة التوتر القائم في العلاقة بين زعيم سنة لبنان والقيادة السورية، فأخذ على عاتقه أن يعيد الأمور إلى نصابها، وتم تكليف الحاج حسين خليل بهذه المهمة، حيث صال وجال وأمكن وضع صياغات مشتركة، ومعها الموعد الأولي للقاء تم تحضير جدول أعماله بين الحريري وبشار الأسد، بدءا من القانون الانتخابي الجديد، وصولا الى «الودائع الانتخابية السورية»، في كتلة رفيق الحريري المرتقبة.
سقط رفيق الحريري قبل أن يكتمل مشروع المصالحة. العبرة ليست في استعادة قد تبدو للبعض لزوم ما لا يلزم، انما في معنى حرص «حزب الله» على عدم تجاوز حليفه الشيعي نبيه بري، وأن يكون جزءا من أي صياغة داخلية، وأن يرتقي الحزب بعلاقة تطورت من علاقة الاضطرار الى بناء جسور من الثقة المتبادلة مع رفيق الحريري، جعلت الطرفين يقاربان أمورا كثيرة من زاوية أن تفاهما محصنا بتفاهمات لبنانية، يمكنه أن يؤسس لشراكة كفيلة بحماية المقاومة من جهة، وبجعل مشروع الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي عنصر حماية للمقاومة من جهة ثانية.
سقط رفيق الحريري قبل أن يكتمل مشروع ترميم العلاقة بينه وبين سوريا. سقط بعد أن خطت العلاقة بينه وبين الإيرانيين مرحلة نوعية بتوقيعه على مشاريع عقود استثمارية ضخمة في قطاعات لم يكن قادرا على توفير مظلة غربية لها الا رفيق الحريري، من قطع غيار الطائرات الى محطات الكهرباء. وسعد الحريري كان شاهدا على تلك المشاريع وحاضرا مع والده الشهيد في صياغة كل حبكة من حبكاتها.
لم يكن «حزب الله»، بما كان يقوم به، يتصرف من كونه مؤسسة خيرية. كان الحزب مقتنعا بأن حماية لبنان غير ممكنة من دون المقاومة، وأن حماية المقاومة غير ممكنة من دون وفاق داخلي لبناني ووفاق بين لبنان وسوريا وبين سوريا وإيران وبين لبنان وايران. كانت الكلمة ـ المفتاح الأحب إلى عقل الحزب، هي الوفاق ببعديه الداخلي والإقليمي. وكانت قناعة الحزب أنه كلما اهتز الوفاق الداخلي أصبحت المقاومة مهددة، وكلما اهتزت مظلة العلاقات الاقليمية الحاضنة للمقاومة، صارت المقاومة مهددة بالمخاطر الكبرى.
سقط رفيق الحريري وسقط من بعده الرهان على رجل الوفاق وعلى المشروع الوفاقي الداخلي، ودخلنا في مرحلة من تأزم العلاقات العربية العربية والعربية الايرانية، ووضع لبنان على سكة «التدويل» والقرارات الدولية. فهل يصح القول ان الخاسر سياسيا باستشهاد رفيق الحريري، هو قاتله الافتراضي؟
يحق لسعد الحريري أن ينقز من السلاح بعد السابع من ايار، لكن السابع من أيار هو نتاج العقل التآمري والعقل اللاوفاقي في الخامس من أيار.
نعم، يحق للمقاومة بعد أن حوصرت بالقرارات الدولية منذ ست سنوات حتى الآن، أن تسأل أيهما أخطر على لبنان واللبنانيين: سلاح القرارات الدولية أم سلاحها؟
إذا أراد سعد الحريري أن ينزع سلاح «حزب الله» من المعادلة الداخلية، فعليه أن يلجأ إلى صديق. لعل الأخير يشرح له أن ما عجزت عنه الدول والقرارات الدولية وكل اجتياحات وحروب إسرائيل منذ العام 1948 حتى الآن، لن يستطيع سمير جعجع أن يتولاه، ولو أنه يسجَّل له أنه ماض في المشروع الذي نظّر الكثير من الإسرائيليين له منذ سنوات طويلة، وخاصة بعد «حرب تموز»، بأننا لا نستطيع هزيمة «حزب الله» الا بتحويل سلاحه إلى قضية خلافية داخلية في لبنان.
بالوفاق يا شيخ سعد يمكنك تعطيل سلاح «حزب الله» وشطبه نهائيا من الداخل اللبناني. وبغير ذلك، تشرعه. ولا بأس أن تطلب من مساعديك أن يفرجوا عن محاضر اجتماعات والدك الشهيد مع السيد حسن نصر الله، قبل أن تتمكن إحدى دور النشر من شرائها من المحكمة الدولية على طريقة «حقيقة ليكس».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018