ارشيف من :أخبار لبنانية
وقف تسليح الجيش خسارة.. لكنها قابلة للتعويض
نبيل هيثم - "السفير"
اعتاد اللبنانيون على التلويح الأميركي بين الحين والآخر بوقف تسليح الجيش اللبناني، وجديد هذا العنوان ما كشفته صحيفة «وول ستريت جورنال» الاميركية قبل ثلاثة ايام من ان واشنطن جمدت المساعدات التي كانت تمنحها للجيش اللبناني، وأما الذريعة التقليدية فهي تخوّف الادارة الاميركية من وقوع السلاح في يد «حزب الله».
يطرح هذا الإجراء الاميركي السؤال التالي: ماذا يعني وقف التسليح الاميركي للجيش، وما هو حجم الخسارة التي قد تترتب عن قرار كهذا؟
يقول خبراء عسكريون متابعون لملف العلاقة التسليحية بين الجيش اللبناني والولايات المتحدة ان ما يسميه الاميركيون «تسليحاً للجيش» لا يعبر أبداً عن المعنى الحقيقي لكلمة «تسليح»، والشاهد في هذا المجال هو انه منذ عام 1983 حينما فتحت مخازن السلاح ودبابات الـ«ام 48» لجيش الرئيس امين الجميل ودفع ثمنه عداً ونقداً من مالية الدولة، لم يتسلم الجيش اللبناني أيّ سلاح اميركي فعّال، يمكن ان ينظر اليه على أنه سلاح بكلّ معنى الكلمة.
ويقول الخبراء إن السلاح الذي تسلمه الجيش من الولايات المتحدة على مدى السنوات الثماني والعشرين الماضية، اندرج تحت عنوان «السلاح غير القاتل» الذي لا يحتمل إدراجه لا في خانة السلاح الدفاعي ولا في خانة السلاح الهجومي، ويكفي استحضار بعض «العينات» التسليحية التي من شأنها التدليل على المعنى الحقيقي لما يسميه الاميركيون «تسليحاً»، فما يسمحون به للجيش ليس اكثر من عتاد متقادم ومستعمل عبارة عن وسائل نقل من شاحنات «ريو»، الى سيارات جيب صغيرة شبه معطلة وأشبه بالخردة، وسيارات «هامفي» غير مزودة برشاشات، ويسمحون أيضاً بـ«إطارات» وأحذية عسكرية ومعدات للرؤية كالمناظير، وسترات ضد الرصاص، ومنها ما قد يكون فاقداً للصلاحية كما تبيّن في معارك مخيم نهر البارد.
ولطالما توالى الاعلان الاميركي في السنوات الاخيرة، وتحديداً منذ عام 2005، عن تقديم مساعدات أميركية للجيش اللبناني، الا انها لم تخرج عن سياق تلك العينات، انما اللافت للانتباه فيها، بحسب الخبراء، شمولها على كميّة من ناقلات جند طراز «ام 113»، وهي بطبيعة الحال مستعملة، وأقرب الى «تكسي مجنزرة»، غير مجهزة برشاشات او بأي شيء من هذا القبيل، وقد عمل الجيش على تجهيزها هنا. وتم الإيعاز أميركياً للأردن بتقديم 6 دبابات كانت في الخدمة طراز «ام 60» للجيش اللبناني بلا ذخائرها، وهذه النصف دزينة من الدبابات لا يمكن ان تعد سرية كما لا يمكن ان تعد كتيبة. كما سمح الأميركيون لدولة الإمارات العربية المتحدة العام الماضي بمنح لبنان مروحيات من طراز «بوما» و«غازيل» مستعملة ايضا وغير مجهزة.
وأكثر ما تغنت الولايات المتحدة، ومعها بعض المسؤولين اللبنانيين بـطائرة الـ«سيسنا كارافان» التي سلمتها الادارة الاميركية للبنان منتصف نيسان من عام 2009»، وهي الطائرة التي يقدمها الاميركيون على انها مقاتلة، بينما هي في الحقيقة «طائرة حرب شوارع»، وحدد الاعلان الاميركي الذي واكب تسليمها للجيش مهمتها بمساعدة الجيش اللبناني في جهوده لحماية حدود لبنان والشعب اللبناني، وتوفير دعم «جو - ارض» دقيق له خاصة في المناطق الم أهولة. ويومها استعان الترويج الاميركي لهذه الطائرة بالتجربة العراقية التي بينت ان القوات الجوية العراقية استخدمت مثلها في العراق وكانت ناجحة في الحملة ضد «الإرهاب». ومن الواضح ان مهمة تلك الطائرة كما ارادها الاميركيون داخل الحدود وليست على الحدود في مواجهة الخروقات والاعتداءات الاسرائيلية.
واذا كان الاميركيون قد سمحوا منذ مدة بتزويد الجيش اللبناني ببنادق، فإنهم في المقابل حرّموا عليه بنادق القناصة المتطورة، والمدافع وذخيرتها، والصواريخ المضادة للدروع والصواريخ المضادة للطائرات وغيرها من الاسلحة الدفاعية. وبالتالي من السذاجة الاعتقاد بإمكان السماح بهذا النوع من الأسلحة للجيش في مواجهة الخطر الإسرائيلي المستمر على لبنان.
على ان اكثر ما ينبغي التدقيق فيه هو ملايين الدولارات التي ترمى سنوياً على انها تشكل قيمة المساعدات الاميركية التي تقدم الى الجيش اللبناني سنوياً. ويقول الخبراء إن الاميركيين هم الذين يضعون الأسعار ويحددون ارقامها كما يشتهون. أي انهم يمكن ان يسعروا شاحنة بـ500 دولار وهي تستحق اكثر، ويمكن ايضاً ان يسعروا شاحنة اخرى بـ50 الف دولار وهي لا تساوي 500 دولار... هكذا يتم التسعير؟!
يقود ما تقدم الى الاستنتاج بأن للقرار الاميركي، إن صح، سلبياته وقد يحدث ثغرة في البنية التجهيزية العتادية للجيش، ولكن في تقدير الخبراء العسكريين ان الخسارة التي قد يحدثها القرار الاميركي ليست من النوع الذي يؤثر على الجيش او يعطله، وبالتالي ليست خسارة فادحة ولا تعوّض، بل هي من الخسارات القابلة للتعويض. فلبنان ليس مقيداً بحصرية الحصول على السلاح فقط من الاميركيين، وفي الامكان البحث عن «سوق آمن» للتسلح، او الانتقال التدريجي من الثقافة الغربية للسلاح الى الثـقافة الشـرقية، وهناك اسـواق سلاح موجودة في اكثر من دولة في الشرق فضلا عن ان دولا صديقة للبنان عبرت عن جهوزيتها لتسليح الجيش وتنتظر فقط اشارة من لبنان.
لكن هذا الامر، على ما يقول الخبراء، يحتاج الى جرأة وقرار سياسي يتجاوز كل المحاذير والاعتبارات الاميركية التي تراعي اسرائيل حتى في ما دون الجزئيات الصغيرة، وينطلق من قاعدة ان استراتيجية لبنان هي استراتيجية دفاعية تستطيع ان ترد الخطر الإسرائيلي من خلال امتلاك القدرات الدفاعية المطلوبة، فإسرائيل تعتمد في عدوانها على الطائرة والدبابة والسفينة الحربية، ولبنان يحتاج الى صواريخ مضادة، وهذا ما لا يؤمل الحصول عليه من الولايات المتحدة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018