ارشيف من :أخبار لبنانية
تتسع جبهة التغيير تضيق العثرات والشوائب
سليمان تقي الدين -"السفير"
لم تكن قضية العرب سهلة في الماضي ولن تكون اليوم سهلة كذلك. منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية تضافرت عناصر عدة لمنع قيام نظام عربي قويّ. في هذا الموقع الجغرافي، وفي هذا التماس مع الغرب السياسي الصناعي النازع إلى السيطرة، يبدو المشروع العربي أخطر من أي حدث آخر على هذا الكوكب. يحضر الغرب هنا كما لا يحضر في أي مكان آخر لأسباب استراتيجية لا علاقة لها بثقافة المنطقة. العروبة والإسلام ينكرهما الغرب فقط حين يشكّلان تحدياً.
خاض الغرب معركة إسقاط القومية العربية، ويخوض معركة إسقاط الإسلام السياسي بمقدار ما يسهم هذا المشروع أو ذاك في إعطاء المنطقة القوة والمناعة والاستقلال لا بصفتهما هويتين. لا نتوقع للثورة الديموقراطية طريقاً سالكاً آمناً في ظل أزمة عالمية تطمح معظم الدول المتقدمة إلى حلها بالكثير من مقدرات العرب ومحيط العرب القريب الآسيوي والأفريقي. هذه حقيقة ثابتة لمن يعرف حجم المصالح الاقتصادية، وحجم الرهانات الدولية على موارد هذه المنطقة. لكن هذا الأمر هو من ضمن المعطيات التي تصنع الأحداث والوقائع. الأساطيل، القواعد العسكرية، إسرائيل، الاستثمارات والأنظمة، منظومة متشعبة من النفوذ الغربي هي التي تقف على الجبهة المقابلة لحريات الشعوب السياسية والاجتماعية.
أما كيف تشتغل هذه المنظومة الضخمة، بأية وسائل وبأية محرّضات وأدوات تبدأ من «الأمم المتحدة» وكذبة القانون الدولي والتدخل الإنساني ولا تنتهي عند نشر الحضارة والحرية والديموقراطية والسلم والاستقرار. هذه ظروف وبيئة تشتغل ضمنها الشعوب أكانت في حضن دولة قوية راعية أو دولة مخلّعة فاشلة وفاسدة. لم يكن الوضع العربي بأية مقاييس ومعايير قابلاً للاستمرار في ما هو عليه. لن يكون التغيير أيضاً أسوأ مهما رافقه من صعوبات وعثرات.
عجز النظام العربي عن حفظ الحد الأدنى من الشرعية والمصداقية في معالجة تحديات الخارج والداخل. لزمن طويل تحوّل الخارج إلى وسيلة تبرير لكل نمط الحكم والإدارة والاستيلاء على الثروة وكبت الحريات وانتهاك حقوق الناس المدنية والسياسية. ما يُسمّى «مؤامرة» أو «فتنة» هي وقائع لكنها ثمار مرّة لهذا التطور التاريخي المشوّه الذي يديره النظام العربي. ما يشكّل اليوم دوراً إيرانياً يتجاوز على «الشرعية» العربية، في موضوع فلسطين أو في شأن حقوق بعض القوى والجماعات ليس إلا حصيلة الفراغ نفسه الذي يشعر به الجمهور العربي، من غزة إلى لبنان واليمن والبحرين وكل ساحة حراك سياسي آخر.
لا مكان طبعاً للبراءة في السياسة، إما هي تنبع عن مصالح مباشرة أو عن مصالح كامنة في غلاف إيديولوجي. يستطيع العرب أن يرفضوا التدخل الإيراني إذا كانوا في موقع الاستقلال الفعلي تجاه الدور الأميركي والإسرائيلي، وإذا كانوا يقدمون حلولاً لمجتمعات تبحث عن سند يعينها لمواجهة حالات الاستبداد والتمييز. ما نسمّيه اليوم «مؤامرة» أو «فتنة» ليس عملاً انقلابياً تقوم به فئة معزولة من الناس. هناك قطاعات واسعة من المجتمع في كل دولة عربية تتوسّل الخارج القريب أو البعيد لحماية نفسها لأن بنية السلطة تشكلت على إلغاء هذه الجماعة أو تلك وتهميشها. لم يخرج العرب من بنية القبيلة إلى الدولة، ولم يخرجوا من نطاق الشرعية القائمة على جذر عصبوي ديني أو مذهبي أو جهوي. يتفاوت مفهوم التغيير بمقدار ما يقع التفاوت في بنية السلطة. ليس غريباً أن تواجه الثورات العربية «سلالات» حاكمة في كل مكان. هذه «السلالات» التي تتصرف وكأنها مالكة للدولة والمجتمع هي التي تحشر الناس في خط «الفتنة». ليس هناك في التاريخ ظواهر سياسية أو اجتماعية صافية. ما يُنجزه العرب الآن هو الارتقاء بدرجات مختلفة لإزالة أشكال من أنظمة التمييز السياسي والاجتماعي. ما توصم به أحياناً هذه الحركات بأنها تصدر عن «فتنة» يؤشر على غياب الاعتراف بالآخر والتعمية عن مكوّنات المجتمع المتنوعة.
نتحدث عن شعوب لم يسمح لها في التطور كي تكون شعوباً حرة توحدها مثالات مشتركة أو أهداف وطموحات واحدة، أو ثقافة وطنية واحدة. يعترف الحاكم ببعض حقوق شعبه المزمنة ويساوم شعبه عليها. هناك جماعات لم تمتلك هوية أو رابطة قانونية بالدولة. وهناك جماعات لا تملك حق المشاركة في صناعة تاريخ بلادها والاشتراك في إدارة البلاد. هذه أنظمة تصنع «الفتنة» وتضع شعوبها في دائرة التدخل الخارجي والمؤامرة. إذا لم تنجز الدولة المواطنة بمعناها السياسي الأولي، أي تلك المساواة الشكلية في الحقوق والواجبات، فهي حتماً ستواجه مجتمعاً بأهواء مختلفة وبنزعات تحمل مضامين انقسامية. لكن حذار تبسيط قضايا العرب. ما يجب تغييره ليس الحاكم ولا الحزب الحاكم ولا الفريق الحاكم ولا الإطار القانوني فقط. بناء الدولة الحديثة الوطنية المستقلة يحتاج إلى نظام اقتصادي يحمل هذه المضامين. إن حجم التشوّهات في الاقتصاديات العربية هو أساس في كل ما هو قائم من أزمات سياسية.
أسوأ ما سمعنا من قراءة للانتفاضات العربية محاولة فهمها بعقلية الماضي. مرة لأن لا قيادة لها وكأنها مطالبة بإنتاج زعامة تاريخية جديدة، ومرة بأنها لم تطرح القضية القومية (التحرير والوحدة) في أمر اليوم. هذا إلى جانب الشكوك في ما يمكن أن تستخدم هنا أو هناك لمصالح خارجية. كل هذه وقائع قائمة لكننا أمام حركات شعوب لا يمكن تعليبها سلباً أو إيجاباً طالما أن مطلبها الرئيس هو بناء دولة حديثة متصالحة مع شعبها مع ثقافته وتطلعاته واحتياجاته.
يؤدي الشباب العربي دوره في معركة التغيير وهناك الكثير من المسؤوليات يقع على النخب والقوى لكي تصوغ المشروع العربي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018