ارشيف من :أخبار لبنانية
لنمرحْ مع «المستقبل» وكتلته...
ما من كتلة في العالم تستطيع منافسة كتلة المستقبل في مرح الاجتماعات، ما دامت الحريرية تضم عقاب صقر وسيرج طورسركيسيان، ولا في شاعرية الاجتماع ما دام فؤاد السنيورة يترأس الاجتماعات، ولا في تناقضات تسرح وتمرح بين قامتي نهاد المشنوق وأرثور نظاريان الثقافيتين، الأمر الذي يجعل الكتلة مسرحاً لحوادث تسلي النواب وتلهيهم بعيداً عن جدية المشكلة التي تعانيها الكتلة نتيجة فك التحالف مع جنبلاط وميقاتي والصفدي، وبعيداً عن المشاكل الروتينية بين النواب والوزراء من جهة والنواب ومسؤولي الحزب في المناطق والقطاعات من جهة أخرى.
قباني والأمل المحبط
يُمكن عضو كتلة المستقبل النائب محمد قباني، أن يكون جذاباً، وأن يخرج من دائرة التكرار الممل للبيانات التي تموج كالرمال المتحركة، تغرقه كلما حاول التحرك. يُمكنه أن يكون ذلك البيروتي المتحمس لقضايا الأمة العربيّة بمجرد انتقاله في الكلام من ترداد الإشادة بـ«نهج الرئيس» إلى التعبير عمّا يحصل في العالم العربي من «انعتاق» و«ثورة». وسيتضح بعد ثوان من كلام قباني في الشؤون العربية أن الشاب الناصري لا يزال كامناً في نفسه، يحلم بالثورة. مع العلم بأن قباني يحاول في اجتماعات كتلة المستقبل أخيراً أن يلفت (بمساعدة النائب نهاد المشنوق) انتباه زملائه إلى أهمية ما يحصل في العالم العربي، و«عظمة مصر ومحورية دورها» وإلى «اقتراب العرب أكثر من أي يوم سابق من استعادة فلسطين»، فلا يجد في الغرفة إلا عيوناً حائرة بشأنه، مشعة، وشفاهاً تتمتم منتظرة تصنّع الرئيس فؤاد السنيورة ابتسامة تنهي حديث قباني وتفتح آخر.
ما سرّه؟
يُشغَل بعض نواب المستقبل بما يسمونه «سر رحّال». فبين نواب المستقبل من حجز مقعده النيابي بفضل صداقته للرئيس رفيق الحريري، أو لأن الرئيس سعد الحريري استهضمه أو لأسباب أخرى. وحده النائب رياض رحال يجلس على كرسي لا أحد يعرف مما هو مصنوع. فلا الحريري الأب كان يعرف رحال، ولا رحال يتمتع بحس النكتة أو على الأقل «يلقطها على الطاير» ليعَجب به الحريري الابن. لا بل إن لدى المسؤول سابقاً عن الاستخبارات السورية في عكار كمية هائلة من النكات عن رحال الذي لم يترك وسيلة عشية الانتخابات النيابية أعوام 1996 و2000 و2004 إلا استخدمها لحث الاستخبارات السورية على تبنيه. إضافة إلى أن رحال ـــــ الطبيب العكاري اللامع ـــــ لا يؤدي دوراً تشريعياً في المجلس ولا دوراً إنمائياً استثنائياً في عكار. ولسوء حظه، إن بلدته التي يُفترض أنها أساس حيثيته الشعبية، تزداد تأييداً للعماد ميشال عون كلما وصفه رحال بعميل سوريا وحزب الله.
نائب يناشد نفسه
مع رحال في كتلة عكار، هناك معين المرعبي، النائب الذي شوهد للمرة الأولى في المجلس النيابي خلف اللواء أشرف ريفي، فظنه بعض حرس المجلس أحد مرافقيه المدنيين. وقد حقق المرعبي أخيراً قفزة نوعية في العمل النيابي، فرفع في عكار عشرات اللافتات التي تحمل مطالب العكاريين، موقعة باسمه. كأنه يذكر نفسه أو يلفت نظر زملائه إلى مطالب ناخبيهم. ولم يكتف المرعبي باللافتات، فرغم تناوب تيار المستقبل على السلطة منذ ست سنوات واحتكار المستقبل للتمثيل النيابي في عكار، نظم مؤتمراً خصصه للشكوى من عدم تعيين محافظ في عكار ووضع مخططات توجيهية وعدم وجود طرق وجسور ومداخل لمنطقة تعد الأكثف سكاناً بين الأطراف (...)، معتبراً أن بناء المدارس كان «سُنّة من سُنن الرئيس (الشهيد رفيق) الحريري». ودون أن يشرح سعادته ماذا أو من يمنعه من العمل وكيف ومتى، أكمل خطابه بنبرة جهورية، قائلاً: لن نقبل بعد الآن باستمرار إغلاق مطار القليعات. ولن نقبل بألّا يكون لعكار مجلس إنمائي كما في الجنوب.
ارحمني يا الله!
كادت كتلة المستقبل في عكار تنفجر عشية المؤتمر السابق؛ فقد انقسمت بين مجموعة لا تزور بيروت إلا نادراً وتضم النواب: خالد ضاهر، معين المرعبي، رياض رحال ونضال طعمة ومجموعة تتنقل بين عكار وبيروت وتضم النواب هادي حبيش، خضر حبيب وخالد زهرمان. وأساس التوتر طائفي، رغم وجود نواب من طوائف مختلفة في المجموعتين. فبعدما بلغت المجموعة الأولى في خطابها الإسلامي حد تلويح النائب خالد ضاهر بالتحول إلى «شمشون» ينادي «عليَّ وعلى أعدائي» إذا استمر «قهر أهل السنّة»، توّج المرعبي الدعوة التي وجهها إلى المؤتمر الإنمائي بعبارة «باسم الله الرحمن الرحيم». حاولت المجموعة الثانية التي تريد تيار المستقبل علمانياً استيعاب «الأسلمة»، فاقترح أحد النواب طبع بطاقات أخرى تتوج بعبارة «باسم الأب والابن والروح القدس» لتوزع على مناصري المستقبل ومؤيديه المسيحيين. وانتقل النقاش بشأن البطاقة من عكار إلى بيروت. أما المعنيون بالإنماء ـــــ المجالس البلدية في عكار ـــــ فحضر أقل من ثلثهم المؤتمر.
أوجاع الجرّاح
بلغ توتر النائب جمال الجرّاح (أحد مريدي عبد الحليم خدام) من توزير محمد رحال حد التهديد بمقاطعة اجتماعات كتلة المستقبل إذا استمر رحال في حضورها. فزميل الجراح في شغل مقعدي البقاع الغربي السُّنيين ـــــ زياد القادري ـــــ ضمن احتفاظه بمقعده بعدما «شبك» بذكاء مع الحريري وباتا صديقين. بينما تتوطد صداقة الحريري برحال الذي ما كاد يكسب لقب «معالي الوزير» حتى بدأ التطلع نزولاً إلى «سعادة النائب»، الأمر الذي يزيد الأوجاع في معدة الجراح (النائب القواتي في تيار المستقبل). ومن البقاع إلى بيروت، أمور أخرى غير التنافس أو التعصب المذهبي تحول دون انسجام النواب: ماذا يجمع النائبين نهاد المشنوق وعمار الحوري إلى طاولة واحدة غير الصلاة لـ«نهج الرئيس الشهيد»؟ ومَن غير هذا النهج قادر على أن يوصل أرثور نظاريان وبدر ونوس إلى المجلس النيابي؟ المهم أن النائبة بهية الحريري سعيدة باختيارها السنيورة لمشاركتها تمثيل أهالي صيدا: «لا ينش» الأخير شعبياً ولا يكاد «يهش» أيضاً.
موقظ الرئيس
أنعم الله على آل الحريري بعقاب صقر. يفكر، يحلل، يقاطع ومن ثم يستنتج ويبشر بموقف الرئيس سعد الحريري. حافظ السر يذيعه. هو المسؤول الإعلامي ومسؤول التعبئة والعلاقات السياسية والتثقيف السياسي. يوقظ صقر الرئيس الحريري على نكتة جديدة ليطمئن إلى حسن مزاجه، ثم يتوجه إلى مقابلة تلفزيونية، قبل انتقاله إلى مجدل عنجر لحل مشكلة وربط أخرى في ظل غياب نائب المنطقة.
من البقاع حيث يدافع صقر عن أحد المحسوبين على النائب عاصم عراجي بعدما أوقفته استخبارات الجيش، إلى عكار حيث يحاضر فيما نواب المنطقة يأكلون البزر. ومساءً، يعود عقاب إلى بيت الحريري في وسط بيروت مع صديق «مهضوم» يعرّفه إلى الرئيس ليسليه. إذا نجح الصديق في الامتحان يصبح مستشاراً لرئيس الحكومة أو نائباً أو وزيراً. ويبدأ التهكم على صقر الذي لا يكاد يجد في حاشية الحريري شخصاً واحداً لا يطعن فيه.
نادر على الرفّ
أين نادر النقيب؟ بين نواب المستقبل من يهزأ قائلاً إنه «على الرف»، أو من يؤكد أنه في «جارور الشيخ أحمد». ولاختفاء النقيب قصة: بعد اغتيال الحريري، ازداد دور النقيب أهمية، وكان مسؤول قطاع الشباب والطلاب في التيار، وكبر الالتفاف السياسي والإعلامي حوله. حتى صدّق النقيب وبعض السياسيين والإعلاميين أن النقيب هو الرجل الثاني في تيار المستقبل، فباتت له حاشية من المرافقين والمستزلمين، يُستقبل بالطبل والزمر هنا وبالوعود والوعيد هناك. فتنبهت القيادة الحكيمة أبداً إلى هذا «التطور الخطير»: حل «الشيخ أحمد» محل النقيب في منظمة الطلاب ونفي الأخير إلى منسقية المغتربين.
لا تنتهي القصة هنا. فبعد الانتخابات النيابية عام 2009 ثبت اتكال المستقبل على أصوات المغتربين الذين هم في عهدة النقيب نتيجة التقصير وسط المقيمين الذين هم في عهدة «الشيخ أحمد». فتقرر استئصال النقيب مرة ثانية وأخيرة، فحلت ميرنا منيمنة المقربة من الشيخ محل النقيب في منسقية المغتربين، ورفع هو إلى الرف.
«الشيخ الرئيس»
يبيع نواب المستقبل بذلاتهم. معارض السيارات تفيض بغواصاتهم المصفحة. أما المسؤولون فعادوا إلى «الدوكسايد» وباتوا يشربون الفودكا الفنلاندية بدل الروسية. لماذا؟ أبشروا، فإن «الشيخ أحمد» متقشف يحب المتقشفين. جلسة نرجيلة أو سيغارة يلفها مزارع جنوبي أهم بالنسبة إليه من كل سيغار العالم؛ فليتعلم رجال الأعمال النَرْجَلَة. لا يتفاعل الشيخ المتواضع مع غير المتواضعين. وهو يريد تيار مستقبل جديداً: عقيدته «نهج الرئيس الشهيد»، شعاره التواضع، وسيأتي يوم ينزل أهله إلى التظاهرات دون أن يملأ أحد خزانات سياراتهم بالوقود.
لقب «الشيخ» لأحمد الحريري فرض واجب. ووصف الحريري للمحيطين به بـ«حاشيتي» تابع لما قبله. أما الشكاوى من قيادة أحمد الحريري الأحادية لتيار المستقبل فكالنار تبدأ خفيفة في الهشيم. وليس مبالغة أبداً القول، بعد متابعة ما يحصل في مختلف المواقع داخل تيار المستقبل، إن الشيخ ينشئ حزبه الخاص على أنقاض تيار المستقبل.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018