ارشيف من :أخبار لبنانية

إلى بكركي مع أطيب التمنيات

إلى بكركي مع أطيب التمنيات

ادمون صعب - "السفير"


يا لها من مصادفة غريبة، أن تحل الذكرى السادسة والثلاثون لـ13 نيسان 1975، اليوم المشؤوم في التاريخ اللبناني المعاصر، قبل خمسة أيام من بدء «أسبوع الآلام» لدى الطوائف المسيحية، الذي تجرى خلاله في الكنائس مراسم تعرف بـ«درب الصليب»، وهي تمثّل مراحل تعذيب السيد المسيح، قبل رفعه على الصليب، على ما ورد في الكتاب المقدس، ثم دفنه يوم «الجمعة العظيمة»، فقيامته من بين الأموات، بحسب الإنجيل، في اليوم الثالث.

وقد تقصّد البطريرك الجديد مار بشارة بطرس الراعي ان يدعو أربعة من قادة المسيحيين الرئيسيين، وهم الرئيس أمين الجميل والعماد ميشال عون، والنائب سليمان فرنجية والدكتور سمير جعجع، إلى لقاء في بكركي في أسبوع الآلام تحت الشعار الذي رفع اثر اعلان انتخابه بطريركاً على موارنة إنطاكية وسائر المشرق، وهو «شركة ومحبة».

وقد أُشكل على البعض استعمال البطريرك الجديد عبارة «شركة»، وفي ظنهم انه يطرح صيغة للوطن على أساس انه شركة محاصصة!

إلا أن هذا الإشكال ما لبث ان زال عندما تبين ان البطريرك، وهو متعمّق في اللغة العربية، يرى ان لا وجود في هذه اللغة لعبارة شراكة، التي قصدها، فاستعمل عبارة «شركة» مضيفاً إليها المحبة، أي محبة الآخر، الذي افتداه المسيح بدمه في طريق الجلجلة يوم ضُرب بالسياط وعذّب وهو شبه عار، قبل ان يعلّق على الصليب بين لصين!

من هذا المنطلق، تأتي رغبة البطريرك في جمع القادة المسيحيين الأربعة في بكركي الثلاثاء المقبل. وفي ظنه انهم معنيون بما أصاب المسيحيين من نكبات في الحقبة المنصرمة، وما لحق بالوطن من مآسٍ يتحمل تبعتها اللبنانيون، بفئاتهم المختلفة، وان حاول بعضهم التنصّل من هذه التبعة بإلقائها على الآخرين.

ومع ان الآمال المعلقة على اللقاء محدودة، لأنها واقعية في ظل الخلافات المستحكمة بين طرفي النزاع في لبنان، فإن كثيرين يأملون ان ينجح البطريرك الراعي في تجديد التزام الزعماء الأربعاء بـ«الثوابت المارونية» التي أصدرها السينودس الأسقفي بعد حرب تموز في 6 كانون الأول 2006، وشاءها ثوابت وطنية لا طائفية، بدعوته إلى «قيام دولة الاستقلال، وإرساء النظام الديموقراطي الحر، والتصدي للأخطار التي تهدد وجود الوطن، ومستقبل الشعب، واستمرار الدولة التي لم تعد تقوى على توحيد المجتمع اللبناني، والحفاظ على أمنه وكرامة الإنسان فيه ونيله حقوقه».

ومن أبرز هذه الثوابت: الحرية، والعيش المشترك، «القائم على الاعتراف المتبادل، وعلى وحدة المصير، والتكامل بين العائلات الروحية التي تؤلف النسيج الوطني الواحد»، والديموقراطية التوافقية «التي كرسها الدستور حفاظاً على جميع مكونات المجتمع اللبناني التعددي (...) والمشاركة مشاركة متوازنة في الحياة الوطنية والقرارات المصيرية»، ونهائية الكيان اللبناني و«الوقوف في وجه أي محاولة للمس بالاستقلال من أي جهة أتت، أو احتلال أراضيه وانتقاص سيادته، أو تدخل خارجي في شؤونه»، إضافة إلى التمسك بقرارات الشرعية الدولية، والمحافظة على الدولة، والإلحاح على تطبيق الطائف».

وعلى أساس هذه الثوابت، دعا السينودس إلى «بت ميثاق شرف في ما بين القيادات الوطنية، تؤكد فيه تمسكها بمبادئ الحوار، وحل الخلافات في إطار الديموقراطية والقانون، ورفض الاحتكام إلى أي شكل من أشكال العنف والصدامات المسلحة، تحت أي ذريعة أو سبب، والامتناع عن استعمال عبارات التحقير والإذلال في المخاطبة، وعن إثارة الأحقاد والنعرات الطائفية، أو الحزبية، أو الفئوية، أو الشخصية». وهذا يفترض ضمناً الحق في مقاومة الاحتلال.

وثمة من يعجب لتجاهل معظم الزعماء المسيحيين هذه الثوابت الوطنية. كما يعجب لتجاهل بكركي في عهد بطريركها السابق مار نصر الله بطرس صفير، الكثير من هذه الثوابت، ما جعل تجاهل بعض الزعماء الموارنة لها مبرراً، الأمر الذي أوقع البلاد في حال اصطفاف حادة، بل خطرة، شارك فيها الزعماء الموارنة في الضفتين، الأمر الذي عطّل الحوار الذي دعا السينودس الزعماء المسيحيين إلى جعله قانون إيمان لديهم، بل رسالة، فضلاً عن ضرورة الابتعاد عن الأحقاد وإثارة النعرات الطائفية من جانب الذين شاركوهم في الاصطفاف، وخصوصاً في 14 آذار، تضعف دورهم الوطني في ان يكونوا جسر التواصل «والتكامل بين العائلات الروحية التي تؤلف النسيج الوطني».

من هنا، أهمية اللقاء، وإن لم يحقق سوى تذكير بالثوابت المارونية التي نأمل ان تكون باكورة «شركة وطنية»، تنطلق من لقاء ماروني ـ ماروني، إلى لقاء وطني جامع للمصارحة فالمصالحة، آخذاً في الاعتبار الإرشاد الرسولي الذي سبق للبطريرك الجديد أن أعلن عزمه على تطبيقه، ولا سيما في البندين المتعلقين منه بالعيش المشترك، المسيحي ـ الإسلامي، وضرورة تعزيزه، و«التضامن مع العالم العربي»، وخصوصاً في موضوع فلسطين والعلاقة مع إسرائيل.

وحبذا لو يدعو البطريرك الراعي الزعماء الأربعة إلى كرسي الاعتراف من أجل فحص الضمير وتنقيته، من أجل الحصول على الغفران بعد الاعتراف بالأخطاء وطلب المسامحة، وتعهد عدم تكرارها، على ان تليها فترة سجود وتأمل في أخطر ما يواجهه الكيان عموماً، والمسيحيون خصوصاً، ونعني به الهجرة وبيع الأراضي، ومسؤولية الرعاة الدينيين والزعماء السياسيين عن هذا الخطر الذي يتهدد الوطن والمصير. وكان رئيس أساقفة استرجوم الكاردينال بيتراردو، الذي مثّل أساقفة أوروبا في السينودس من أجل الشرق الذي عقد في الفاتيكان في شهر تشرين الأول الماضي، قال: «نحن الأوروبيين، عندما نفكّر بمنطقة الشرق الأوسط، علينا ان نقوم بفصح ضمير. ونسأل: هل نهتم كفاية باللاجئين والمهاجرين المسيحيين من الشرق الأوسط إلى أوروبا؟ وهل نهتم بالأسباب التي تلزمهم بمغادرة أرضهم حيث كان يسكن أجدادهم قبل نحو ألفي سنة؟ وهل صحيح ان تصرفنا هو أيضاً مسؤول عما يحصل؟».

ولا شك في ان الراعي يدرك ان لا قيمة لأرض من دون شعب، وفلسطين أقرب مثال.

ان أبلغ ما قيل في قضية الأرض، ورد على لسان البطريرك صفير في رسالة الصوم الفصحي العام الماضي: «ان الموارنة مهما فعلوا في العالم، فهم يبقون في حاجة إلى الأرض التي تجسّد هويتهم الخاصة والتي تربطهم بتاريخهم العريق (...) فالأرض هي الوطن والكيان (...). والذين يتخلون عن أرضهم عن طريق بيعها، إنما ينتهكون حرمة وطنهم، وخاصة الذين يرقدون في طبقاتها على رجاء القيامة السعيدة».

فماذا يفيد اللبناني عموماً، والمسيحي خصوصاً، إذا ربح العالم وخسر أرضه ووطنه؟


2011-04-14