ارشيف من :أخبار لبنانية
الجــراح: شــفت الفيلــم؟
حسن عليق - "الاخبار"
لا يبدو تيّار المستقبل قلقاً من الاتهامات التي وجهتها السلطات السورية، أمس، إلى النائب جمال الجراح، بالتورط في الأحداث التي تجري داخل الأراضي السورية. مسالمة المستقبل لسوريا وصلت إلى حدّ الاكتفاء بنفي الاتهامات السورية، والتهديد برفع دعوى قضائية ضد من اتّهم النائب البقاعيّ
«شفت الفيلم»؟ يسأل النائب جمال الجراح سائليه عن رأيه في ما بثّه التلفزيون السوري أمس، من «اعترافات أفراد الخلية الإرهابية». «هي مسرحية بإخراج سخيف»، يضيف الجراح، واصفاً مضمون الاعترافات التي كشفت عنها سلطات دمشق أمس. يجزم بأنه لا يعرف أي اسم من الأسماء التي وردت على شاشة التلفزيون في سوريا أمس، والتي اتهمته بتمويل أعمال إرهابية. نائب البقاع الغربي ينقل الاتهامات السورية التي طاولته إلى الداخل اللبناني. يبدو جلياً أن تيار المستقبل يتحاشى استفزاز النظام السوري علناً، ولو من باب دفع التهمة لا غير. يقول الجراح إن «الحملة بدأت من لبنان، عبر وسائل إعلام وشخصيات» من قوى 8 آذار.
إنها السياسة المستقبلية المعتمدة منذ زيارة الرئيس سعد الحريري الأولى لدمشق: نقل العداء من سوريا إلى حزب الله. فالاتهامات السورية ذاتها كانت ستواجه بشراسة إعلامية لا نظير لها، ووصفها بأنها محاولات للاغتيال السياسي، تمهيداً للاغتيال الجسدي، لو أنها صدرت قبل بداية عام 2009.
أما اليوم، فـ«نحن لم نتطرق إلى الأحداث في سوريا، منذ بدايتها، سوى إيجاباً»، يقول عضو كتلة المستقبل النيابية، مضيفاً أن النظام السوري «استفاد من الجو الذي أثير في لبنان ليوجه رسالة إلى الداخل السوري عن وجود مؤامرة خارجية يجري تنفيذها». وهل يرى النائب المستقبلي أن ثمة صلة بين الاتهامات السورية الموجهة إليه وعلاقته المتينة بكل من النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام، ورئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع؟ يجيب الجراح سائلاً: «على فرض كان خدام يملك قوة تأثير في الأحداث الدائرة داخل سوريا اليوم، فهل هو بحاجة إليّ لتنفيذ سياسته؟». يُتبِع سؤاله بالقول إن النظام السوري «يعرف جيداً شكل علاقتي بخدام، والعلاقة بين عائلتينا. وتواصلي معه لا يحيد عن هذا الإطار، ولا يتعداه إلى الشؤون السياسية. فأنا لم أفتح دكاناً على حسابي في تيار المستقبل.
آرائي أقولها بكل صراحة في البيت الداخلي، لكني أحترم كل قرارات التيار وألتزم بها. وقرارنا هو عدم التدخل في الشأن السوري».
أما علاقته بسمير جعجع، فلا يرى الجراح لها انعكاساً في الاتهامات السورية. «فجعجع يلتزم السلم الأهلي داخل لبنان، فكيف الحال داخل سوريا؟».
لم يجد الجراح أي مفارقة يجب التوقف عندها في عدم صدور بيان تضامني معه عن الرئيس سعد الحريري. ويؤكد النائب البقاعي أن بيان كتلة المستقبل صدر بعد تشاور بين الرئيسين الحريري وفؤاد السنيورة.
والكتلة وصفت ما ظهر على التلفزيون السوري بـ«الادعاءات الباطلة»، مشددة على غياب أي «علاقة لها أو لأي نائب من نوابها من قريب أو بعيد بأيّ تدخل في الأحداث التي تشهدها المدن السورية، لا بنحو مباشر أو غير مباشر. والكتلة كانت قد أعلنت مراراً أنها لا ترغب ولا تؤيّد التدخل في الشؤون الداخلية السورية، وهذا الأمر ينطبق على نوابها وأعضاء تيار المستقبل كافة». ونفى البيان «نفياً باتاً ما ذكر من اتهامات باطلة بحق النائب الجراح، محتفظة بحقها القانوني كاملاً، بما في ذلك الادّعاء على الأشخاص الذين اختلقوا ودبّروا وأطلقوا هذه الاتهامات الباطلة والمرفوضة. والكتلة ترى أن هذا الاتهام الكاذب يهدف إلى تعكير العلاقات اللبنانية السورية الأخوية والزجّ بتيار المستقبل في اتهامات مختلقة ضده، وهو بعيد عنها كل البعد».
وفي اجتماع الأمانة العامة لقوى 14 آذار الذي عقد في طرابلس أمس، جرى التطرق إلى الاتهامات السورية للجراح، من باب التندّر عليها، قبل تأكيد منسّق الأمانة العامة، فارس سعيد، أن قوى الرابع عشر من آذار لا تتدخل في الشؤون الداخلية السورية. «فالسوريون يعرفون كيف يتدبّرون أوضاعهم، ونحن نعرف كيف نتدبّر شؤوننا».
وفي تيار المستقبل، ثمة من المسؤولين مَن يؤكد أن ما ظهر أمس على التلفزيون السوري «يأتي في إطار الحملة التي بدأت همساً في سوريا ولبنان، متهمة المملكة العربية السعودية حيناً، وتيار المستقبل حيناً آخر، بتحريك الشارع في درعا وبانياس واللاذقية». تضيف المصادر ذاتها أن اختيار الجراح لبعث هذه الرسائل مبنيّ حصراً على كون الجراح يمثّل نقطة تقاطع بين الحريري وجعجع وخدام، وبالتالي «يسهل القول إنه ينفّذ بنود مؤامرة خارجية تهدف إلى زعزعة استقرار سوريا».
وتعلق أوساط مستقبلية بالضحك على الاتهامات السورية، مشيرة إلى ظروف عيش الجراح، سياسياً ومالياً. ويعلّق أحد أصدقاء نائب البقاع الغربي ساخراً بالقول: «كنا نريد القيام بحملة إعلامية ـــــ سياسية لجمال، اليوم قدّمها لنا التلفزيون السوري مجاناً».
المزاح في بيروت تقابله في دمشق شائعات طاولت الجراح نفسه منذ بداية الأحداث في درعا منتصف الشهر الماضي. يجري الحديث في أوساط إعلامية قريبة من النظام عن دور يؤديه الجراح وغيره من المسؤولين المدنيين والأمنيين في تيار المستقبل، في تأجيج الأحداث في سوريا وتمويلها، عبر تجنيد شبكة من المواطنين السوريين العاملين في لبنان، ودفع مبالغ مالية لهم. وتؤكد الأوساط ذاتها أن ما ظهر على التلفزيون السوري ليس سوى بداية لسلسلة من «كشف معلومات ووثائق وأدلة وتسجيلات صوتية تؤكد تورّط عدد من المسؤولين اللبنانيين في ما يجري داخل سوريا». وعندما يشكّك السائل في ما يُقال، تجيب الأوساط ذاتها بالقول: الأجهزة السورية تُعدّ ملفات لتقديمها إلى الأنتربول، وبالتالي لن تكون هذه الملفات مبنية لا على أدلة ثابتة».
هذه الاتهامات تماثلها على الجانب اللبناني أحاديث تدور في أوساط قوى الثامن من آذار، عن تفاصيل قيام قوى 14 آذار عموماً، وشخصيات من تيار المستقبل خصوصاً، بتوزيع سلاح وشراء خطوط هاتف خلوي لتوزيعها مع مبالغ مالية كبيرة على شبان سوريين، وإقناعهم بالتوجه إلى بلادهم والمشاركة في الاحتجاجات وتنظيمها. ويتحدث أحد السياسيين المنتمين إلى قوى الثامن من آذار عن وجود مخازن سلاح في بلدات بقاعية «تُستخدم لإمداد الخلايا الناشطة في سوريا بما تحتاج إليه من أسلحة وذخائر». وعندما يُسأل مسؤولون أمنيون رفيعون (متعدّّدو الانتماءات السياسية) عن هذه المعلومات، يجيبون بأن ثمة الكثير من المعلومات التي ترد عن هذه القضايا، من دون التمكّن من الحصول على أي دليل يثبت ذلك. لكن ما هو ثابت لدى الأجهزة الأمنية المختلفة هو وجود أشخاص ومجموعات سورية باتت فاعلة في لبنان، وتعمل على محاولة تحريك المواطنين السوريين الذين يعيشون في لبنان أو يعملون فيه. وقد أوقفت الأجهزة الأمنية اللبنانية (استخبارات الجيش وفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي) أكثر من شخص سوري، بينهم ضباط متقاعدون مرتبطون برفعت الأسد تحديداً، بعد قيامهم بعدد من النشاطات داخل لبنان لمحاولة تحريك أبناء بلدهم ضد النظام.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018