ارشيف من :أخبار لبنانية

المـواطـن: «هـرمنـا»

المـواطـن: «هـرمنـا»

الفضل شلق - "السفير"
قال المواطن أحمد من تونس على تلفزيون الجزيرة «هرمنا، لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية». وذهبت مثلاً مأثوراً عن الثورة. هذا شعار كل عربي قضى عمره ينتظر هذه اللحظة التاريخية؛ لحظة الكرامة، واسترداد الوجود العربي للمغزى، والشعور بمعنى الحياة.
هذه أمة أفقدها النظام كل معنى للحياة، كل مغزى العيش. أحالها على البطالة والتسوّل؛ وضعها تحت أعين الرقيب، الذي يرفع عصا غليظة؛ كلما أتى العربي بحركة غير مرغوبة، أو غير موثوقة، ضربه الرقيب.

صار الرقيب جزءاً مهماً من الحياة اليومية المليئة بالسأم والملل والشعور بالدونية، الشعور أنك ملاحق في كل لحظة من حياتك، لدى كل خطوة من خطواتك. يشارك الرقيب في الأفراح والأتراح وفي لقمة العيش. لم يبق من مواطنيتك إلا هيكل فارغ، تملأه السلطة بشعاراتها التي تعرف هي، وتعرف أنت، أنها جوفاء لا تعبر عن شيء سوى قدرة السلطة على مراقبتك وسحقك في أي لحظة يقرر الرقيب أنك افتعلت خطأً ما. ليس الخطأ هو ما تقوم به أنت، الخطأ هو ما يقرر الرقيب أنك افتعلته، فما عليك إلا إرضاء الرقيب أو اجتنابه؛ ومتى اجتنبته زادت شكوكه. الأفضل لك أن تبقى تحت ناظريه. الأفضل لك أن يبقى الرقيب عالماً بكل ما تفعله. عند ذلك يكون قد دخل إلى عقلك ووعيك، ويكون قد زرع الطاعة في نفسك. عندها تصير مواطناً كما يريدون. المواطن الصالح بنظرهم هو الذي يعرف واجباته، يقوم بما يفترض أن ترضى عنه الأجهزة دون تدخل منها. صار المواطن آلة ميكانيكية، يستجيب لكل ما يطلبه الرقيب وأجهزة الأمن. المواطن أصله من لحم ودم، لكنه دمر، صار «روبوت» لدى السلطة. في بلادنا لا يستخدم الروبوت للقيام بعمل الإنسان، بل يستخدم الإنسان للقيام بعمل الروبوت.

سئم المواطن حياته في لحظة من الزمان. ثار، هبّ، انتفض. لم يعد يطيق حياته السابقة. ثار على نفسه أولاً؛ اكتسب الشجاعة، لم تعد حياته مهمة. سوف يواجه النظام بكل قواه، مهما كلفه الأمر. اندلعت الثورة في تونس، في سيدي بو زيد، على يد البوعزيزي؛ انتشرت في تونس، وامتدت إلى مصر، وهي تمتد الآن إلى العديد من الأقطار العربية، وهي ستشمل جميع الأقطار العربية. هي ثورة؛ سوف تستمر مهما كانت الكلفة. يعرف العرب أن ثمن الثورة عالٍ جداً، ويعرفون أيضاً أن الحالة لم تعد تطاق. ثار المواطن العربي، وهو لا يعي سبباً محدداً للثورة، إلا أنه يعي كل الأسباب بمجملها، ولا حاجة به للتفنيد، فهذا من شغل المثقفين والكتبة. هي ثورة الوجدان العربي وحسب، وعلى المثقفين والكتبة معرفة هذا الوجدان، واللحاق بالخطوات التي يمليها. ثورة الوجدان هذه تمتد على مدى الوطن العربي، لن تترك أحداً من الطغاة إلا وستنال منه. هرمنا بانتظار هذه اللحظة التاريخية، لحظة المواجهة بين الناس والأنظمة. موقف كل شريف في هذه الأمة هو أن يأخذ موقفاً على أسس أخلاقية. الموقف الأخلاقي هو الانحياز لصالح الشعب في مواجهة السلطة.
هرمنا وأصبحنا سعداء بشعوبنا، سعداء لأن جماهيرنا عادت شعوباً؛ أمسكت السياسة بيدها، وهي تزيح الأنظمة من طريقها، وهي لن تبقي على نظام مهما كانت ثرواته البترولية، وقدرته على رشوة شعبه، ومهما كانت قدرته على استجلاب الدعم الخارجي.

ستفشل الأنظمة العربية في قمع شعوبها، لن تفيدها أسلحتها، بحديدها ونارها، في مواجهة الصدور العارية. أهم ما في هذه الثورة أنها سلمية، وتنتهي سلمياً، برغم توفر السلاح في أيدي الناس. قرر الناس خوض المواجهة سلمياً وأصروا على ذلك مهما طال الزمن؛ قرروا إنهاء الثورة بالكلام والحوار. بذلك يواجهون سعي الأنظمة، ومن يدعمها من الخارج لتحويل الثورات العربية إلى حروب أهلية. متى تحولت الثورة إلى حرب أهلية، سقطت كثورة، وأصبحت قتالاً يضر بشعبها ويستنزف قواها وتستفيد منه السلطات.

تعتبر الأنظمة العربية أن شعوبها لا تستحق الحرية. بعد أن قضت هذه الأنظمة ما يقارب نصف القرن الأخير في السلطة، وأحياناً أكثر بكثير، وفشلت في الحفاظ على وحدة شعوبها بالسياسة والتنمية، وواجهت شعوبها بالأمن لا بالسياسة، تقول الآن أن الأمن غير متوفر. لا تستطيع هذه الأنظمة أن تشرح لشعوبها ما هذا الأمن الذي لم يستطع ضبط الأمور برغم ادعاء الشمولية الكلية والقدرة الفائقة على ضبط كل حركات الشعب.

يتآمر الوعي على نفسه بالحديث عن مؤامرات خارجية يتم اكتشافها ومواجهتها بالتضامن مع الشعب. هناك فرق بين مواجهة المؤامرات بالتحالف مع الشعب
أو ضده. وهناك فرق بين أن تحسب المؤامرة على الشعب أو ضده. يصير التحالف مع الشعب عندما تصير له إرادة؛ وتصير له إرادة عندما يعترف به وتفرج السلطة عن مطالبه. الإفراج عن مطالب الشعب ليس منّة؛ كان الإفراج عنها واجباً منذ زمن طويل. المطالب معروفة. جميعها مطالب على المدى القصير، وتحدث تلبيتها بإجراءات سريعة.

ما عاد ممكناً معالجة السياسة بالأمن، ولا تحل المشاكل السياسية بإجراءات أمنية. تغيرت الظروف. ما كان حقيقة في الماضي صار خرافة في الحاضر.
أظهرت الثورة زيف خرافات عديدة، منها:
1- الخرافة الأولى أن الانتماء العربي سقط منذ زمن طويل، فإذا الثورة تنتشر في جميع الأقطار في وقت واحد. وهي لا تستهدف نظاماً بعينه بقدر ما تستهدف حالة بمجملها.
2- الخرافة الثانية: أن شعوبنا العربية مستكينة تفتقد الوعي الذي يمكنها من أخذ المبادرة بيدها.
3 ـ الخرافة الثالثة: إن أنظمتنا العربية يمكن أن تبقى في السلطة بدعم امبريالي. تسقط هذه الأنظمة حالما تواجهها شعوبها، إذ يتخلى عنها الغرب حالاً، لا لأن الغرب يحب شعوبنا ويريد لها الخير والديموقراطية، بل لأن الغرب يخاف الشعوب أينما كانت.
4- إن الثورة فعل أقلية يمكن القضاء عليها بالأمن واستخدام البلطجية، وحتى الجيوش، فإذا بالثورة تستمر وتمتد وتسري كالنار في الهشيم.
5- إن الثورة مجزأة نتيجة الانقسامات الطائفية والمذهبية والقومية، فإذا هي موحدة. وهي موحدة بسبب بساطة شعاراتها: الشعب يريد إسقاط النظام، لا غير.
6- إن العامة إذا تركت لشأنها ستغرق في الفتنة والشغب، فإذا الثورة منيعة على الفتنة. والشغب لا يفتعله إلا اتباع السلطة من البلطجية وغيرهم من قوى وأدوات السلطة.
سقطت هذه الخرافات، وسقطت معها أقنعة كثيرة، ما على الأنظمة إلا أن تتكيف مع الأوضاع الجديدة، إذا كانت ترغب البقاء في السلطة.
«هرمنا»، وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

2011-04-15