ارشيف من :أخبار عالمية
آية الله الشيخ عيسى قاسم في خطبة الجمعة: وسيلة الإصلاح لا يصح لها التوقف.. والحاجة إليه كالحاجة إلى الماء والهواء لا غنى عنه ولا تأجيل فيه
ألقى سماحة آية الله الشيخ عيسى قاسم خطبة الجمعة من على منبر الإمام الصادق (ع)، وتحدث سماحته في الخطبة الثانية عن الابتلاء موضحاً أسبابه والحكمة منه والإصلاح والحاجة إليه متطرقاً إلى الوضع في البحرين ومما قاله سماحته:
لماذا الإبتلاء؟
كل افعال الله عز وجل فيها حكمة، والإبتلاء للعباد بما هو سنة من سنن الله لابد له من حكمة، والحكمة المذكورة في القرآن للفتنة والإبتلاء تتمثل في قوله تعالى : { فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين }[1].
ولا شك في أن الله عالمٌ بشيء قبل أن يكون، ولا يحجب علمه مكان ولا زمان ولا أي تسترٍ يكون، ولكن حتى يصدق العلم بتحقق الشيء خارجاً فعلاً لابد من تحقق ذلك الشيء. وقد أراد الله سبحانه أن يكون موضوع الجزاء ظاهراً مكشوفاً لصاحبه وللأخرين قطعاً للحجة، واظهاراً للعدل للمخلوقين.
وللإبتلاء بالشدائد حِكمٌ آخرى في حياة الناس، منها:
أولاً: يذكر النفس بأنها لا تملك من أمر خيرها وشرها شيء، ويثير الإحساس الصادق الحي القوي بالحاجة إلى الله سبحانه مع تضيق الأمور.
ثانياً: مع ما يعرفه الإبتلاء للنفس من مخفيها ومكنونها[2]، وحقيقة وزنها، يكشف للناس من بعضهم ببعضٍ الكثير مما يتسترون به ـ من خيرٍ أو شر ـ في الظروف غير العاصفة، وهم محتاجون لهذه المعرفة ليبنوا عليها التعامل الإجتماعي الصحيح[3].
ثالثاً: يكسب المجتمعات خبرةً بالحياة وتقلباتها، ونضجاً في النظرة للأمور لتنبني المواقف الصحيحة في مختلف المجالات في ضوئها.
رابعاً: يهدء من غرور النفس[4]،ويكسر من كبريائها في ظروف السعة والرخاء التي تعقبُ المحن، إذا اعقب ظرف ساعةٍ محنة فهنا تحمل النفس من دروس المحنة ما يهدء من غرورها في ظرف الساعة.
رابعاً: يصنع النفوس القابلة[5]، ويشتد بمحنته العظمى، ويرتفع بمستوى تحملها، أما غير القابلة والتي لم تتربى على منهج ربها فإنها تنتهي إلى الذوبان.
من لم يعرف ألم الفقر لا يعرف لذة الغنى، ومن لم يعش الخوف لا يقدر نعمة الأمن، ومن لم يعرض له المرض لا يدرك قيمة الصحة، وأيام التعب تظفي لأيام الراحة طعمها.
الإصلاح:
بين الإنسان الفرد والإنسان المجتمع، وكل وضعٍ من اوضاعهما، وبين ما يمكن أن يصل إليه من قمة كماله مسافةٌ بعيدة، وجهودٌ مضنية.
والسياسة وهي وضعٌ من اوضاع المجتمعات شأنها شأن غيرها من الأوضاع، وأن تدعي حكومةٌ بأن الوضعية السياسية التي حققتها لمجتمعها قد بلغت القمة من الكمال دعوى واضحة البطلان، فلابد من الإصلاح.
وسيلة الإصلاح لا يصح فيها التوقف، ولا يمكن لأي ظرفٍ من الظروف أن يعطل إرادة الإصلاح ما دامت الإختيار عند الإنسان قائمة أو يبرر لها التأجيل، ولا يمكن لأي شيءٍ مما حرم الله أن يكون اصلاحاً لأمر الناس والحياة والكون[6].
والحاجة إلى الإصلاح كالحاجة إلى الماء والهواء والطعام والدواء لا غنى عنها ولا تأجيل فيها، وتفترق عن كثيرٍ من حاجات الإنسان لأنه لا توقف فيها ولا انقطاع، ولا يكاد يتوقف الإصلاح إلا وقام مكانه الإفساد الذي يهلك الحرث والنسل ويشل الحياة، وكل من تحمل مسئوليةً لزمه الإصلاح والعدل والإنصاف، وحق للناس مطالبته بذلك، وليس له أن ينكر ذلك من أحدٍ أو يستكثره، والحكومات تتحمل أكبر المسؤوليات واثقلها، وهي أول من يطالب بالإصلاح ولا إنكار في ذلك ولا استكبار عليه.
ولا أحد ينكر حاجة الإصلاح والتصحيح والتطوير وجديتها في البعد السياسي والأبعاد الآخرى في حياة البلدان، والبحرين واحدة منها ـ لا أحد ينكر ذلك من شعبٍ أو حكومة ـ، وقد اقرت الحكومة حسب الميثاق بأن طريق الإصلاح هو طريق الديمقراطية، وأن التقدم على طريق الإصلاح يعني التقدم على طريق الديمقراطية، والطلب اليوم ما هو إلا خطواتٌ متقدمةٌ ملموسةٌ على هذا الطريق كما تكرر النداء بذلك.
الفخر لمن؟
حكومتان ليس لهما أن تفخرا، حكومةٌ شعبها قطاعٌ من الأغنام بلا وعي ولا إرادة، ولا شعور بالكرامة، ولا صوت يعبر عن رآيٍ أو خيار. وحكومةٌ تحكم شعبا واعياً أبيا كريماً مريدا ولكن تقهره بالحديد والنار وكل آداةٍ للقمع واخماد الإرادة.
والحكومة التي لها أن تعتز ويعتز بها، وتفخر ويفخر بها، هي حكومةٌ يرضى حكمها شعبٌ عزيزٌ، أبيٌ، واعٍ، كريمٌ، قوي، ويراها اهلا لحكمه، ويخلص لذلك وتخلص له.
[1] سورة العنكبوت - سورة 29 - آية 3.
{2] نحن لا نعرف أنفسنا، الشدائد تعرفني نفسي، قد أحسن كثيراً الظن في النفس إلا أن الشدة تبرهن لي عكس ذلك، وقد اسيء الظن في آخر فتجلي منه الفتنة رجلاً صالحاً فوق الكثيرين.
[3] الناس محتاجون لأن يعرفوا بعضهم البعض، هناك تقديم ـ في المجتمع ـ هناك تأخير، هذا التقديم والتأخير قد يقوم على خطأ في التشخيص وقد يقوم على تشخيصٍ دقيق. من أجل أن يقوم التقديم والتأخير في المجتمعات على تشخيصٍ دقيق تأتي الفتنة لتجلي منا الصالحين وغير الصالح.
[4] الإبتلاء يهدء من غرورالنفس، لو كانت الحياة كلها فصحةً وكلها رخاءً وكلها أمناً لملك الغرور الإنسان، وتراء له أنه غير مملوكٍ لله.
[5] هناك نفوسٌ قابلة للصنع بأن تكون كبيرة وبأن تكون قوية، وهناك نفوسٌ غير قابلة لأن تصنع كبيرةً ولا قوية.
[6] كل ما حرم الله من سفك الدم الحرام من إتلاف المال المعصوم، من نيل عرضٍ معصوم، كل ما حرم الله سبحانه وتعالى من كبيرٍ أو صغير لا يمكن أن يقع وسيلة اصلاحٍ على الإطلاق، وإلا كان الله عز وجل مخطئ وحاشا الله.
لماذا الإبتلاء؟
كل افعال الله عز وجل فيها حكمة، والإبتلاء للعباد بما هو سنة من سنن الله لابد له من حكمة، والحكمة المذكورة في القرآن للفتنة والإبتلاء تتمثل في قوله تعالى : { فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين }[1].
ولا شك في أن الله عالمٌ بشيء قبل أن يكون، ولا يحجب علمه مكان ولا زمان ولا أي تسترٍ يكون، ولكن حتى يصدق العلم بتحقق الشيء خارجاً فعلاً لابد من تحقق ذلك الشيء. وقد أراد الله سبحانه أن يكون موضوع الجزاء ظاهراً مكشوفاً لصاحبه وللأخرين قطعاً للحجة، واظهاراً للعدل للمخلوقين.
وللإبتلاء بالشدائد حِكمٌ آخرى في حياة الناس، منها:
أولاً: يذكر النفس بأنها لا تملك من أمر خيرها وشرها شيء، ويثير الإحساس الصادق الحي القوي بالحاجة إلى الله سبحانه مع تضيق الأمور.
ثانياً: مع ما يعرفه الإبتلاء للنفس من مخفيها ومكنونها[2]، وحقيقة وزنها، يكشف للناس من بعضهم ببعضٍ الكثير مما يتسترون به ـ من خيرٍ أو شر ـ في الظروف غير العاصفة، وهم محتاجون لهذه المعرفة ليبنوا عليها التعامل الإجتماعي الصحيح[3].
ثالثاً: يكسب المجتمعات خبرةً بالحياة وتقلباتها، ونضجاً في النظرة للأمور لتنبني المواقف الصحيحة في مختلف المجالات في ضوئها.
رابعاً: يهدء من غرور النفس[4]،ويكسر من كبريائها في ظروف السعة والرخاء التي تعقبُ المحن، إذا اعقب ظرف ساعةٍ محنة فهنا تحمل النفس من دروس المحنة ما يهدء من غرورها في ظرف الساعة.
رابعاً: يصنع النفوس القابلة[5]، ويشتد بمحنته العظمى، ويرتفع بمستوى تحملها، أما غير القابلة والتي لم تتربى على منهج ربها فإنها تنتهي إلى الذوبان.
من لم يعرف ألم الفقر لا يعرف لذة الغنى، ومن لم يعش الخوف لا يقدر نعمة الأمن، ومن لم يعرض له المرض لا يدرك قيمة الصحة، وأيام التعب تظفي لأيام الراحة طعمها.
الإصلاح:
بين الإنسان الفرد والإنسان المجتمع، وكل وضعٍ من اوضاعهما، وبين ما يمكن أن يصل إليه من قمة كماله مسافةٌ بعيدة، وجهودٌ مضنية.
والسياسة وهي وضعٌ من اوضاع المجتمعات شأنها شأن غيرها من الأوضاع، وأن تدعي حكومةٌ بأن الوضعية السياسية التي حققتها لمجتمعها قد بلغت القمة من الكمال دعوى واضحة البطلان، فلابد من الإصلاح.
وسيلة الإصلاح لا يصح فيها التوقف، ولا يمكن لأي ظرفٍ من الظروف أن يعطل إرادة الإصلاح ما دامت الإختيار عند الإنسان قائمة أو يبرر لها التأجيل، ولا يمكن لأي شيءٍ مما حرم الله أن يكون اصلاحاً لأمر الناس والحياة والكون[6].
والحاجة إلى الإصلاح كالحاجة إلى الماء والهواء والطعام والدواء لا غنى عنها ولا تأجيل فيها، وتفترق عن كثيرٍ من حاجات الإنسان لأنه لا توقف فيها ولا انقطاع، ولا يكاد يتوقف الإصلاح إلا وقام مكانه الإفساد الذي يهلك الحرث والنسل ويشل الحياة، وكل من تحمل مسئوليةً لزمه الإصلاح والعدل والإنصاف، وحق للناس مطالبته بذلك، وليس له أن ينكر ذلك من أحدٍ أو يستكثره، والحكومات تتحمل أكبر المسؤوليات واثقلها، وهي أول من يطالب بالإصلاح ولا إنكار في ذلك ولا استكبار عليه.
ولا أحد ينكر حاجة الإصلاح والتصحيح والتطوير وجديتها في البعد السياسي والأبعاد الآخرى في حياة البلدان، والبحرين واحدة منها ـ لا أحد ينكر ذلك من شعبٍ أو حكومة ـ، وقد اقرت الحكومة حسب الميثاق بأن طريق الإصلاح هو طريق الديمقراطية، وأن التقدم على طريق الإصلاح يعني التقدم على طريق الديمقراطية، والطلب اليوم ما هو إلا خطواتٌ متقدمةٌ ملموسةٌ على هذا الطريق كما تكرر النداء بذلك.
الفخر لمن؟
حكومتان ليس لهما أن تفخرا، حكومةٌ شعبها قطاعٌ من الأغنام بلا وعي ولا إرادة، ولا شعور بالكرامة، ولا صوت يعبر عن رآيٍ أو خيار. وحكومةٌ تحكم شعبا واعياً أبيا كريماً مريدا ولكن تقهره بالحديد والنار وكل آداةٍ للقمع واخماد الإرادة.
والحكومة التي لها أن تعتز ويعتز بها، وتفخر ويفخر بها، هي حكومةٌ يرضى حكمها شعبٌ عزيزٌ، أبيٌ، واعٍ، كريمٌ، قوي، ويراها اهلا لحكمه، ويخلص لذلك وتخلص له.
[1] سورة العنكبوت - سورة 29 - آية 3.
{2] نحن لا نعرف أنفسنا، الشدائد تعرفني نفسي، قد أحسن كثيراً الظن في النفس إلا أن الشدة تبرهن لي عكس ذلك، وقد اسيء الظن في آخر فتجلي منه الفتنة رجلاً صالحاً فوق الكثيرين.
[3] الناس محتاجون لأن يعرفوا بعضهم البعض، هناك تقديم ـ في المجتمع ـ هناك تأخير، هذا التقديم والتأخير قد يقوم على خطأ في التشخيص وقد يقوم على تشخيصٍ دقيق. من أجل أن يقوم التقديم والتأخير في المجتمعات على تشخيصٍ دقيق تأتي الفتنة لتجلي منا الصالحين وغير الصالح.
[4] الإبتلاء يهدء من غرورالنفس، لو كانت الحياة كلها فصحةً وكلها رخاءً وكلها أمناً لملك الغرور الإنسان، وتراء له أنه غير مملوكٍ لله.
[5] هناك نفوسٌ قابلة للصنع بأن تكون كبيرة وبأن تكون قوية، وهناك نفوسٌ غير قابلة لأن تصنع كبيرةً ولا قوية.
[6] كل ما حرم الله من سفك الدم الحرام من إتلاف المال المعصوم، من نيل عرضٍ معصوم، كل ما حرم الله سبحانه وتعالى من كبيرٍ أو صغير لا يمكن أن يقع وسيلة اصلاحٍ على الإطلاق، وإلا كان الله عز وجل مخطئ وحاشا الله.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018