ارشيف من :أخبار عالمية

هكذا تزرع حكومة البحرين الكراهية: فرق مذهبياً... تَسُد

هكذا تزرع حكومة البحرين الكراهية: فرق مذهبياً... تَسُد

جنان جمعاوي

«على أساس عنصري صافٍ يميّزون بيننا». لا يوجد شك لدى لزينب، الفتاة العشرينية... الشيعية. في آخر مرة غادرت الشابة البحرينية منزلها في بلدة عالي ، شمال العاصمة المنامة، أوقفها «بلطجية» استأجرتهم الحكومة، عند إحدى نقاط التفتيش الكثيرة في هذه المملكة الصغيرة. سحبوها من سيارتها، وطلبوا هويتها في مسعى للتأكد من أمر واحد، ما إذا كانت سنية أم شيعية.

مذاك، هي تخشى مغادرة منزلها. فـ«اسمك قد يؤدي إلى توقيفك، إذا ما كان اسماً شيعياً». أخوها، وهو مهندس إلكتروني، واجه المصير ذاته. سحبه «البلطجية» من سيارته، تاركين زوجته وابنه فيها. «ساقوني وسألوني، بلا مواربة، هل أنت شيعي أم سني؟». هي حادثة قد لا تحزّ في نفسه، وإنما أن «يمتنع صديق طفولة سني عن مكالمتي. تشاطرنا السكن أيام الدراسة، وهو يعاملني اليوم كغريب». الآن، وفي كل مرة يتحدث فيها إلى أشخاص من السنّة، يشعر وكأن «هناك حاجزا غير مرئي بيننا».

هو انقسام مذهبي يزداد عمقاً داخل النسيج الاجتماعي في البحرين، وذلك نتيجة حملة القمع التي شنتها الحكومة السنية على المتظاهرين الشيعة المناهضين لها، بحسب مجلة «التايم» الأميركية.

ووصفت «التايم» الإستراتيجية الجديدة التي تنتهجها الحكومة البحرينية، والقائمة على أساس «فرّق تسد»، من أجل «تقسيم البلاد إلى معسكرات مذهبية»، بأنها كانت «فاعلة جداً»، جاعلةً من «الصعب على المحتجين تشكيل حركة احتجاجية وطنية ذات مصداقية»، باعتبار أن «التفريق، في زمن النزاعات، يعد أداة نافذة وفاعلة»، حسبما قالت الباحثة في «معهد شاتهام هاوس» البريطاني جاين كينينمونت، موضحةً أن «أكثر الثورات نجاحاً في المنطقة كانت في تونس ومصر لأن المتظاهرين كانوا قادرين على حشد أناس من خلفيات اجتماعية مختلفة».

الأزمة في البحرين عبأت الأفراد المنتمين إلى كلا المذهبَين. السنة، وهم النخبة الحاكمة والأغنى ضد الشيعة الذين يشكلون الغالبية بنسبة 70 في المئة من الشعب، بعدما كانت في شباط الماضي توحد البحرينيين. آنذاك، كان المتظاهرون يهتفون «لا سني... لا شيعي... نحن كتلة واحدة». هذه الوحدة تبخرت الآن.
ونقلت «التايم» عن الباحث في «مؤسسة بروكينغز» للبحوث الأميركية شادي حميد أن «النظام البحريني تبنى تكتيكا مفاده: نحن ضد الآخرين، ناظراً إلى الشيعة على أنهم ينوون تدمير البلاد». وهكذا، عبر «تكرار الخطاب ذاته، مرة تلو الأخرى، بدأ السنة يصدّقونه، وبدأ المزيد من الشيعة يشعرون أنهم صنّفوا على أنهم الأعداء».

العامل الأبرز في إنجاح هذه الحملة التقسيمية كانت الدعاية السياسية التي بثتها وسائل الإعلام المملوكة حكومياً، فيما واصلت الحكومة حبس الصحافيين والمدونين المعارضين، فارضةً قيوداً صارمة على طالبي تأشيرات الدخول على المملكة من الصحافيين الأجانب.

بحسب المعارضة، شملت التكتيكات التي انتهجها تلفزيون البحرين تصوير المتظاهرين وهم يخبئون في أحذيتهم سكاكين وأسلحة مزيفة، فيما روى عمال في مستشفى السلمانية كيف سمح الفريق التابع للتلفزيون لطبيب بمغادرة المستشفى، صوّروه سعيداً وهو يخرج، قبل أن يُضرب ويعاد إلى المستشفى.

هكذا، «يلعب تلفزيون البحرين بالنار عندما أخذ زمام المبادرة في خلق نزاع مذهبي في البلاد»، كما قال قيادي معارض لـ«التايم». ولهذا، هتف المحتجون في إحدى التظاهرات «فليسقط تلفزيون البحرين».

تحجم البحرينية ذات الأعوام الـ27 زينب الخواجة عن الإشارة إلى الانقسام المذهبي. لكنها روت في رسالة وجّهتها إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما في 11 نيسان، نشرتها على مدونة «العربي الغاضب»، تفاصيل اعتقال والدها وآخرين.

بحسب صحيفة «لوموند» الفرنسية، كتبت زينب في رسالتها «سيدي الرئيس، أكتب إليك من البحرين، بعدما كنت ضحية ظلم شديد لا أتمناه لأي أحد في العالم. هاجمت قوى الأمن منزلي. غرسوا هراواتهم في أبواب بيتي، وروّعوا عائلتي. بلا أي إنذار ولا أي قرار بالاعتقال ومن دون تقديم أي مبرر، اعتدى رجال مدججون بالسلاح على والدي. لم يقولوا شيئاً ولكننا نعرف أن الجريمة التي اقترفها أبي هي أنه ناشط مدافع عن حقوق الإنسان».

والدها، عبد الهادي الخواجة يرأس «المركز البحريني لحقوق الإنسان». وقد أوقفته القوى الأمنية في 9 نيسان، في الساعة الثانية بعد منتصف الليل في منزل ابنته، مع زوجها وافي الماجد ونسيبها حسين أهمن، بعد ثلاثة أسابيع من توقيف عمها صلاح الخواجة.

في رسالتها إلى أوباما، تشتكي زينب أنه «منذ توقيفهم، لم نحصل على أية معلومات عنهم. لا نعرف أين هم ولا إذا كانوا في أمان أم لا. في الواقع، لا نعرف شيئاً عن عمي أيضاً، الذي أوقف قبل ثلاثة أسابيع عندما صوّب رجال الأمن أسلحتهم إلى رؤوس أطفاله وضربوا زوجته». ردّا على ذلك، اعلنت زينب الإضراب عن الطعام إلى أن يتم تحرير أفراد أسرتها.

ويعد عبد الهادي خواجة (50 عاماً) مدافعاً ناشطاً عن حقوق الإنسان في المملكة الصغيرة، وكان في الصفوف الأولى للتظاهرة التي خرجت فيها الغالبية الشيعية، للمطالبة بمزيد من الحقوق والحريات السياسية.

نشاطه هذا لم يكن محط إعجاب جميع البحرينيين، كما ذكرت «لوموند» ناقلةً عن المدونة دانا اتهامها لعبد الهادي بـ«النجاح في غش العديد من الصحافيين الأجانب، ممرراً أجندته السياسية مدعياً أنه مدافع عن حقوق الإنسان»، بينما اتهمه مدون آخر سمى نفسه «بحريني فخور» بأنه، أي عبد الهادي، «إرهابي مقرب من إيران».
لم تتطرق زينب، في رسالتها إلى أوباما، إلى التمييز على أساس مذهبي، موضحةً له «أنني قررت أن أكتب إليك لا إلى حكومتي، لأن نظام آل خليفة أثبت بالفعل أنه لا يأخذ حيواتنا وحقوقنا في الاعتبار»، محمّلة إدارة الرئيس الأميركي «مسؤولية تساوي المسؤولية» التي تحمّلها إلى النظام البحريني، لأن «دعمك لهذه الملكية يجعل إدارتك متورطة في الجريمة»، وحثته على «وضع الحرية وحقوق الإنسان فوق المصالح السياسية والإقليمية».

بإمكان من يجول في البحرين هذه الأيام ان يميّز، بسهولة، بين البلدات السنية، مثل الجلالي، حيث الشوارع آمنة وخالية من عناصر الشرطة، وبين البلدات الشيعية المشكوكة بنقاط التفتيش ورجال الأمن المسلحين... مصير محزِن، «بعدما كنا نعيش ونأكل ونعمل سوياً»، كما قالت نجاح السنية لـ«التايم»، مشيرةً إلى أن تلفزيون البحرين يروي كيف يقوم الشيعة بالاعتداء على رجال الأمن... وفي تصديق الرواية، تكمن بذور الانقسام.

2011-04-16