ارشيف من :أخبار لبنانية

القيادة السورية لم تكسر الجرة مع تيار "المستقبل" بعد.. وتنتظر لكن ليس طويلا ؟

القيادة السورية لم تكسر الجرة مع تيار "المستقبل"  بعد.. وتنتظر لكن ليس طويلا ؟
فرصة أمام تيار "المستقبل" إذا ما أراد تعديل سياسته... وسورية قد تضطر للإعلان عن معطيات جديدة تمتلكها في حال تقاعس الجهات اللبنانية المختصة

موسى علي موسى
لم يُبدِ الكثير من المسؤولين السوريين مفاجأتهم حيال الحدود التي وصلت إليها مغامرة البعض غير المحسوبة من خلال السعي للعبث بأمن الداخل السوري، خصوصا في ظل ما شابَ العلاقات اللبنانية ـ السورية خلال السنوات الست الماضية، وفي ضوء إمعان فريق لبناني محدّد بضرب اتفاق الطائف في الصميم، والإساءة الى علاقات الأخوة والصداقة بين بلدين متجاورين، وهو ما يظهر بشكل واضح أن زيارات الحريري الى سوريا خلال المرحلة السابقة لم تكن أكثر من زيارات شكلية بروتوكولية، ولم تتم عن قناعة بأهمية هذه العلاقات، والدليل هو ما تجلى خلال المسار غير الطويل لهذه العلاقة، وصولا الى إسقاط التفاهمات اللبنانية ـ السورية أو السورية ـ السعودية.

ومما لا شك فيه بأن الاعترافات التلفزيونية الأخيرة التي بثها التلفزيون السوري والتي كشفت تورط جهات لبنانية محددة بدعم بعض الأطراف السورية بالمال والسلاح للعبث بأمن سوريا أثارت إشكالية معقّدة بدأت تطرح نفسها بقوة على خلفية أن الأمن هو أحد أبرز الأوجه التي حرص اتفاق الطائف على تثبيت مبادئها تحت عنوان "العلاقات اللبنانية ـ السورية"، فكانت العبارة الأشد وقعا في مضمونه والتي تقول بأنه "يقتضي عدم جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا، وسوريا لأمن لبنان بأي حال من الأحوال". وعليه فإن لبنان لا يسمح بأن يكون ممرا أو مستقرا لأي قوة أو دولة أو تنظيم يستهدف المساس بأمنه أو أمن سوريا".

وإذا كان اتفاق الطائف أصبح جزءا أساسيا من الدستور اللبناني ومن ضمنه الحرص الكبير على متانة العلاقات الأخوية اللبنانية ـ السورية لا سيما في مجال التعاون الأمني بين البلدين، فان الجميع بات يترقب بعد تلك الاعترافات الخطوات اللاحقة للقيادة السورية عقب الاعلان عن تورط أفراد لبنانيين بلعبة هز الأمن في الداخل السوري، وخصوصا أنه من المتعارف عليه أن القيادة السورية عادة ما تكون حازمة ولا تتساهل في المسائل التي تطال أمنها الداخلي.

ولأن اتفاق الطائف لم يتضمن آليات تشير الى كيفية المتابعة في حال تجاوز لبنان للموجبات الملقاة على عاتقه تجاه سوريا أو العكس على صعيد تهديد أمن أحدهما انطلاقا من الآخر، بدأ الحديث يدور عن آليات المتابعة الممكنة على هذا الصعيد.

إنطلاقا من ذلك، فإن ثمة رأياً يقول بأن القيادة السورية ستتابع الأمر عن كثب عبر سلوك أكثر من اتجاه وخط :

أولاً ـ عبر الآليات القضائية والاتفاقات القانونية التي تحكم العلاقة بين البلدين. وهو ما بدأ بالفعل بالاستناد الى الاتفاقيات القضائية بين البلدين. ويقارب أصحاب هذا الرأي المسألة مع الدعوى المقدّمة من قبل مدير عام الامن العام السابق اللواء جميل السيد في قضية ملف شهود الزور أمام القضاء السوري، والتي أخذت مجراها القضائي البحت بين البلدين رغم جميع الأصوات التي علّت واتهمت سوريا زورا باستغلالها سياسيا، وهو ما يتكرر اليوم لمجرد إخبار تقدّمت به السلطات السورية الى الدولة اللبنانية بالاستناد الى اتفاقات موقعة بين البلدين.

ثانياً ـ دبلوماسياً من خلال القنوات الديبلوماسية، وتضع الأوساط المراقبة خطوة رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان ولقاءه برئيس المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري في إطار نتائج التحرك السوري مع الجهات اللبنانية المختصة لمعالجة هذه القضية.

ثالثاً ـ إعلامياً، حيث تشير الأوساط المتابعة الى أن القيادة السورية قد تجد نفسها في حال عدم جدية الجهات اللبنانية المختصة بمتابعة الموضوع مضطرة الى الاعلان عن معطيات جديدة تمتلكها، وربما تكون أكثر وأشد وقعا مما كشف حتى الآن.

على أن سوريا التي باتت تمتلك الكثير من الأوراق السياسية التي لم تظهرها بعد لم تتخذ حتى الآن كما يبدو قرارا بكسر الجرة مع تيار "المستقبل"، وهي فضلت في هذه المرحلة رمي الكرة في ملعب المعنيين لعلّهم يتلقفونها ويستغلون الفرصة السانحة أمامهم، بدلا من التلهي بردود لا طائل منها ولا جدوى، قبل أن يفوتهم الأوان، لأن حدود الصبر قد تنفد، وهي ليست مفتوحة الى ما لا نهاية، وحينها قد تفتح الملفات وتكشف "الويكيليكس" السورية ما يثير العجب العجاب، وما يفضح حجم المؤامرات والمغالطات التي راهن عليها البعض بالتواطؤ مع أجهزة عربية وغربية مشبوهة.

في خضم ذلك، فإن ما كشف من اعترافات طالت أحد نواب تيار المستقبل ليس سوى القليل القليل مما في جعبة القيادة السورية، وغيض من فيض ما لديها كما يؤكد المسؤولون السوريون، وهم يشيرون في الوقت ذاته الى أن التعامل العقلاني مع هذه القضية دفع القيادة السورية الى دق جرس الانذار للمعنيين عبر توجيه رسالة واضحة ومباشرة إليهم بأنهم تحت المجهر، وأن ما يقدمون عليه ليس خفيا على القيادة السورية، وأنهم يلعبون لعبة خطرة سترتد آثارها عليهم بسرعة.
وفي هذا السياق، اتخذت القيادة السورية خطوات عدة فهمت بأنها بمثابة رسائل موجهة بشكل مباشر الى تيار المستقبل على خلفية ما أعلن عنه من تورط احد نوابه في دعم أعمال تخريب داخل سوريا.

أولاً ـ نشر الاعترافات التي اعتبرت بمثابة إخبار ينبغي على السلطات اللبنانية أن تتحرك من أجل معالجته، من دون حاجة لتواصل جديد من قبل السلطات السورية مع القضاء اللبناني، لأن ما جرى عرضه كافٍ لتحرك الجهات اللبنانية المسؤولة بشكل تلقائي استنادا الى الاتفاقيات والمعاهدات الموقعة بين البلدين.
ثانياً ـ تشديد إجراءات عبور الشاحنات اللبنانية الى الداخل السوري على الحدود الشمالية بين لبنان وسوريا عند معبر العبودية ـ الدبوسية.

الشعيبي: القيادة السورية تصرفت بعقلانية ولا أهداف سياسية خلف الاعترافات المعلن عنها

وفي هذا السياق، يلفت رئيس مركز "معطيات للدراسات الاستراتيجية" د. عماد فوزي الشعيبي الى أن القيادة السورية اعتبرت التسجيلات التلفزيونية التي تخللها اعترافات بتورط النائب الجراح بمثابة إخبار (إبلاغ) على الحكومة اللبنانية أن تتحرك بشأنه. ويشدد على أن هذا الأمر يفسح المجال أمام سياسة الباب الموارب فيبقي نصف الباب مفتوحا والنصف الآخر مغلقا، مؤكدا أنه هناك فرصة أمام تيار "المستقبل" إذا ما أراد أن يعدّل من سياسته من خلال إيقاف أولئك الذين يقومون بأعمال إجرامية، وخصوصا أن هذا التيار كشف عن سوءته على أكثر من صعيد.

ويشير الشعيبي الى أن تصرف القيادة السورية في هذه القضية اتسم بالحصافة والرزانة، فهي قامت بإبلاغ ولم تقم بإجراءات، وتركت المسألة لخطين، الخط الأول هو تحرك الدولة اللبنانية لكي تثبت أنها ملتزمة باتفاق الطائف وملتزمة بالاتفاقات الموقعة بين الدولتين ذاتَي السيادة. أما بالنسبة للخط الثاني فهي أعطت فرصة لتيار المستقبل لأن يتحرك بأسرع ما يمكن على خطين:

الأول: إيقاف العمل الإجرامي الذي يقوم به بعض عناصره في الداخل السوري.

الثاني: تغيير الاتجاه السياسي والعودة الى نموذج العقل في الواقع اللبناني، والالتزام بالتفاهمات التي تم التوافق عليها في أكثر من زيارة لسعد الحريري الى دمشق، بل والذهاب الى حد العودة الى التفاهمات التي أبرمت مع المملكة العربية السعودية.

وفيما ينفي الشعيبي أي أهداف سياسية تقف خلف الاعترافات المعلن عنها، يؤكد أن الدولة السورية تصرفت حيال هذه القضية بالكثير من العقلانية. ويلفت الى أنه هناك الكثير من الاعترافات والدلائل في حوزة القيادة السورية، والتي لو فتحت الملفات لانهار تيار "المستقبل" ليس بالنسبة لمحاسبة أعضائه من قبل الدولة اللبنانية فحسب، بل أبعد من ذلك بما يمكن اعتباره جرما دوليا.

وإذ يشير الشعيبي الى أن مَن بيته من زجاج رقيق لا يرشق بيوت الناس الفولاذية بالحجارة، يؤكد أن الخطوات اللاحقة للقيادة السورية ستتقرر بناءً على الموقف اللبناني من هذه القضية، فإذا كان الطرف اللبناني لا يريد أن يذهب بعيدا وأن يكون واقعيا في تعاطيه مع هذه القضية ويصحح الوضع، ستكون هناك بالتأكيد خطوات إضافية من قبل القيادة السورية.

وفي تعليقه على بيان كتلة "المستقبل" النيابية الذي قال انه اذا كان ثمة ما يقال عن تورط لبنانيين يقتضي على وزارة العدل السورية إحالة ملف بهذا الشأن الى نظيرتها اللبنانية، يرى الشعيبي أن أولئك الذين يصرحون باسم تيار "المستقبل" يستحقون جائزة نوبل، لأنهم يقطعون على أنفسهم طريق العودة بشكل تامّ ونهائي.
2011-04-19