ارشيف من :أخبار لبنانية
كرنفال «المحكمة الدولية» وأسئلة لا تجد من يطرحها
حكمت عبيد - "السفير"
لم يوفق المكتب الإعلامي لدى المحكمة الخاصة بلبنان في بيانه الإعلامي المقتضب، في تقديم خبر استضافة «المحكمة» ثلاثين محامياً من لبنان لإطلاعهم على عمل المحكمة.
فقد جاء البيان مستفيضاً في الشكل، لكنه لا يعكس أي مضمون شفاف لأعمال المنتدى، ولقاءات الوفد مع «مسؤولين في المحكمة» ومسؤولين آخرين في المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية، أو غيرها من اللقاءات التي أُعدّت للضيوف.
لا شك بأن المحكمة نجحت حتى الآن بفتح باب السياحة القانونية بين بيروت ولاهاي من خلال عدّة منتديات أقامتها منفردةً، أو بالتعاون مع جمعيات لبنانية غير حكومية؛ واستضافت خلالها العديد من الخبراء والقانونيين والمحامين والإعلاميين تمهيداً لإطلاق عمل الغرف، بعد أن يبت قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين بالقرار الاتهامي الذي قدمه المدعي العام لدى المحكمة القاضي دانيال بيلمار بتاريخ 17 كانون الثاني من العام الماضي، ثم عاد ليقدّم مسودة معدّلة بعد نحو شهرين على تقديمه النسخة الأولى. وقد تحدثت المعلومات آنذاك عن رفض فرانسين لمضمون المسودة الأولى، نظراً لما شابها من ضعف ووهن.
لقد ثبت لدى أغلبية اللبنانيين أن المحكمة الخاصة بهم، هي اسوة بسائر المحاكم الدولية تُنشأ وتسير بالسياسة ومصدرها واحد هو مجلس الأمن الدولي ومصالح «الدول»، وبالتالي لا وجود لمحاكم دولية تنشد العدالة المجردة كما يحلو للبعض أن يسوّقها، فهي عدالة محكومة بمصالح الدول الكبرى.
ووفق المنهجية ذاتها تعمل المحكمة الخاصة بلبنان؛ والمؤسف أنه كلما أعطيت هذه المحكمة فرصة لتقديم نفسها كمؤسسة ولدت بقرار سياسي، باعتراف رئيسها، لكنها قد تعمل وفق أعلى معايير العدالة والشفافية، نجد أنفسنا أمام خيبة أمل جديدة.
وحتى لا يمر البيان الصادر عن المكتب الإعلامي «للمحكمة»، وكأنه إنجاز بعينه، فإننا نرى في إفراغ البيان من أي مضمون، أو صدوره على النحو الذي صدر به كأنه أشبه ببيان صادر عن «مجلس عسكري» يحكم البلاد بموجب قانون للطوارئ...! فإننا سنحاول مقاربة مضمون بعض اللقاءات السابقة مع المنتدى الأخير.
لم يشر البيان إلى طبيعة اللقاءات التي جرت مع مسؤولين داخل المحكمة، وما إذا كان الرئيس انطونيو كاسيزي قد استشهد هذه المرّة بالاستقلالية المطلقة التي تميّز عمل القاضي الدولي، كالقاضي «ريتشارد غولدستون»، الذي عاد وتراجع عن تقرير تحقيقي كان قد أعدّه على خلفية الجرائم التي أقدم عليها العدو الإسرائيلي في غزّة العام 2008، لقد تراجع «الصديق» غولدستون وحبر تقريره الأول لم يجف بعد...! هل سأل أحد المحامين مثلاً كيف لقاضٍ دولي أن يعد تقريراً ويضمنه أحكاماً، ليعود فيتراجع عنه بحجة أن المعطيات «لم تكن كاملة أمامنا»؛ وعندما لا تكون كامل المعطيات بحوزة قاض، هل يحق له إصدار أحكام، وكيف لنا أن نفسر مفارقة جميلة تتمثل بحماسة الأميركيين لإلغاء التقرير كأنه لم يكن، بينما قامت قيامتهم ليس لإلغاء تقرير أو محكمة بل لمجرد أن انطلقت قبل شهور قليلة مبادرة سعودية سورية تسعى لنزع الاتهام عن فريق لبناني؟
هل سمع المحامون ما قاله ممثل مكتب المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الخاصة بيوغسلافيا السابقة للإعلاميين اللبنانيين عندما التقوه سابقاً، «بأن المحكمة ستغلق أبوابها بعد فترة وجيزة لأن القرار السياسي بالتمويل قد توقف، على الرغم من وجود أكثر من خمسين ملفاً وبعض هذه الملفات أساسي»، وما إذا كانت هذه التجربة ستتكرر مع محكمة لبنان بعد انتفاء أسباب قيامها أو تحققها، قبل أن تبدأ المحكمة أعمالها الفعلية؟
هل سأل المحامون عن أسباب رفض المحكمة الجنائية الدولية، قبول طلب السلطة الفلسطينية، المقدم إلى السكرتارية العامة للمحكمة، والتي وافقت بموجبها على ميثاق روما، كمقدّمة لا بد منها لمقاضاة إسرائيل على جرائمها في فلسطين! وما هي المعايير التي تعتمدها المحكمة الجنائية الدولية في انتقائها الملفات التي تستوفي شروط اختصاصها؟!
ثمة أسئلة أخرى لا مجال لذكرها، كنا نُفضل أن يعكس البيان الصادر عن المكتب الإعلامي شيئا من حيويتها، ولن يكون غريبا أن نسمع في يوم قريب أن المحكمة قررت تنظيم فعاليات ربيعية وصيفية وأن تنضم الى مهرجانات بيت الدين وبعلبك وأن نجد في أروقتها فنانين لبنانين يستهلكون موازنتها، وربما فرقا رياضية لبنانية تلعب ضد فريق القضاة أو المدعي العام أو مكتب الدفاع.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018