ارشيف من :أخبار لبنانية
حروب لبنانية متفرقة.. على ضفاف الفراغ الحكومي
"السفير" - عماد مرمل
لا يبدو أن الفراغ الحكومي يحول دون أن تأخذ المواجهة بين الأكثرية الجديدة وقوى 14آذار مداها، بعدما تحولت ملفات الناس الى ساحة للصراع، في انتظار ان تصبح خشبة المسرح الحكومية جاهزة لاستقبال العروض.
ومن الواضح في هذا المجال، أن كلا الفريقين لا يفوت فرصة متاحة او مفتعلة من أجل تسجيل النقاط على الآخر ومحاولة إرباكه سياسيا وشعبيا، حتى باتت هذه القاعدة تسري على كل شيء، من ملفات ساحل العاج وسجن رومية ومخالفات البناء التي تُتهم الأكثرية الجديدة بسوء مقاربتها والتعامل معها، وصولا الى أحداث سوريا التي يُتهم «تيار المستقبل» بالتورط فيها وهو الذي لم يخرج بعد من خلف قضبان فضائح «ويكيليكس» التي يبدو أن فصولها لن تنطوي في المدى القريب.
هي حروب متفرقة تجري على ضفاف فراغ حكومي، وتستخدم فيها كل أسلحة التعبئة، في ظل غياب الضوابط الدستورية التي تمتص عادة انفعال الشارع، وفي طليعتها مجلس الوزراء المتعثرة ولادته، ومجلس النواب الذي لا يستطيع ان يمارس عمله التشريعي والرقابي من دون وجود حكومة أصيلة، فيما صلاحيات رئيس الجمهورية لا تسمح بتحميله أكثر مما يحتمل..
وأمام هذا الانعدام للوزن المؤسساتي، باتت القضايا السياسية والاجتماعية والمعيشية والأمنية تسبح في فضاء مفتوح على حسابات متضاربة، ومتفلت من قانون الجاذبية وكل أنواع القوانين الاخرى، ما حوّل تلك القضايا الى مناسبات للاستثمار الفئوي والتوظيف الكيدي، الامر الذي أعطاها، تحت وطأة «الكورتيزون» السياسي، أحجاما مضاعفة في السياسة والاعلام.. والشارع.
وهكذا، أصبح كل طرف ينتظر خصمه عند أول كوع، ينصب له الكمائن والافخاخ، يحصي أنفاسه، ويراقب خطواته، لعله يقع على صيد سياسي او مذهبي يفيده في معركة تهميش الآخر وتهشيمه، في هذا «الوقت الضائع» من عمر البلد، حيث تصبح اللعبة متحررة من الكثير من القواعد والضوابط.
وفي ظل هذا المناخ، كان واضحا ان قوى 14 آذار لم تترك مناسبة منذ مغادرة الرئيس سعد الحريري السلطة إلا واستغلتها للتصويب على الاكثرية الجديدة والانتقام منها، وخصوصا «حزب الله» وحركة «أمل»، كونهما يتحملان من وجهة نظر تلك القوى، المسؤولية الاساسية عن الانقلاب على الحريري، وبالتالي يجب فعل كل شيء حتى لا يهنأ لهما بال.
كانت البداية مع مسألة السلاح التي شكلت عصب الحملة الهجومية لـ14آذار في المرحلة الاولى. لكن، وبما ان هذه الحملة بدت بلا أفق في ظل موازين القوى الداخلية غير الملائمة والمعطيات الخارجية السائدة، فهي استنفدت الكثير من زخمها سريعا، ما دفع أصحابها الى البحث عن أوتار أخرى، يمكن العزف عليها، علما أن هناك من بدأ يهمس في ضوء التطورات السورية أنه صار اليوم يملك تصورا واضحا عن سر توقيت فتح النار على سلاح المقاومة.
من هنا، سارعت قوى المعارضة الجديدة الى التقاط أحداث ساحل العاج وسجن رومية ومخالفات البناء وموقف السيد حسن نصرالله حيال تطورات البحرين، لتعيد تصنيعها ومن ثم تسويقها، بما يؤذي صورة الاكثرية الجديدة ويقدمها بصفتها مسؤولة عما يتخبط به البلد، سعيا الى إسقاطها قبل ان تحكم، تماما كما ان قوى 8آذار استفادت من الاتهام السوري الموجه الى النائب «المستقبلي» جمال الجراح، لشن هجوم عنيف على «تيار المستقبل» وحشره في زاوية العبث بالامن القومي لسوريا ولبنان، بمعزل عن وجود أدلة دامغة أم لا.
وبرأي تلك الشخصية في 8 آذار، يمكن رصد محطات عدة تثبت وجود مخطط لضرب تجربة الاكثرية الجديدة في مهدها، ومن بينها:
ـ أزمة ساحل العاج: سارعت قوى 14 آذار الى إلقاء عبء هذه الازمة على عاتق «حزب الله» وحركة «أمل»، لتأليب الرأي العام الشيعي واللبناني عليهما، في حين ثبت ان الواقعية التي اتسمت بها طريقة تعاطيهما مع خصوصية ذلك البلد هي التي أدت الى الحد من خسائر المغتربين، وحصرها في الجانب المادي من دون تسجيل أي قتل متعمد لأي لبناني. وفي المقابل، تأخر الحريري كثيرا في التحرك بصفته رئيسا لحكومة تصريف الاعمال، بينما كان سريعا على سبيل المثال في إقامة جسر جوي لنقل الناخبين من دول الخليج الى بيروت للمشاركة في انتخابات نقابة المهندسين في بيروت.
ـ قضية سجن رومية: حاول فريق 14آذار الايحاء بان تحرك السجناء هو بتحريض من «حزب الله» وحركة «أمل»، متجاهلا ان سوء إدارة السجن وتباطؤ القضاء في المحاكمات، هما اللذان فجرا قنبلة الاحتجاجات. وبالتالي فان الحزب و«أمل» ليسا فقط بريئين من تهمة التحريض بل هما المتضرران الاساسيان مما جرى لان تداعيات الاحتجاج انعكست مباشرة على ساحتهما المشتركة وتسببت لهما بالاحراج، بعدما راح أهالي المسجونين يضغطون عليهما ويقطعون الطرقات، ولو ان عملية القمع الامنية التي حصلت لاحقا أدت الى خسائر بشرية كبرى لكان من الصعب تقدير حجم ردود فعل الاهالي وحصرها.. وهذا كله عبء على «أمل» والحزب، وليس فيه أي مكسب.
ـ مخالفات البناء: لم تتردد قوى 14 آذار في اتهام الحزب والحركة بتغطية المخالفين استنادا الى «وهج» السلاح، في حين ان كلا التنظيمين يعتبران ان البناء العشوائي ليس سوى عبوة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة بين يدي الحركة والحزب تحديدا، كونه ينتج أحياء عشوائية ومكتظة هي البيئة الانسب لنمو المشكلات الاجتماعية والشوائب الاخلاقية، علما ان حماية بعض المراجع لمخالفات قام بها مواطنون من لون مذهبي معين، كانت بمثابة الثقاب الذي اشعل الحريق الكبير، وإذا كان من دور للحركة والحزب في هذا الملف فهو يتمثل في مسارعتهما الى بذل جهد استثنائي لتطويق فتنة مذهبية أريد لها ان تطل برأسها من بين الابنية المخالفة للقانون.
ـ موقف السيد حسن نصرالله من تظاهرات البحرين: بادرت المعارضة الجديدة الى استغلال موقف نصرالله الرافض لقمع المواطنين في البحرين، كي تحمله تبعات قرار النظام البحريني بترحيل بعض اللبنانيين، مع العلم بان الامر يتعدى حدود ما يمكن ان يقوله نصرالله، إذ سبق لسفيري دولتين عربيتين في لبنان ان هددا النائب وليد جنبلاط بترحيل الدروز الموجودين في بعض دول الخليج، عندما كان يستعد لحسم خياراته وتأكيد تحالفه مع سوريا والمقاومة.
وبناء على ما تقدم، ترى الشخصية المذكورة ان قوى 14 آذار تعتمد منذ مغادرة الحريري للسلطة سياسة منهجية هدفها إغراق الاكثرية الجديدة في مستنقع الفوضى المنظمة، لاستنزاف قدراتها وشعبيتها، مشددا على ان الغاية الرئيسية من هذه المعركة تتجاوز «أمل» و«حزب الله» الى محاولة القضاء سياسيا على الرئيس المكلف نجيب ميقاتي وحليفه الوزير محمد الصفدي بعدما ثبت انهما يملكان من الحيثية الشعبية السنية ما يكفي لإقلاق سعد الحريري الذي بات مصمما بعد إخراجه من رئاسة الحكومة على اقتلاع ميقاتي والصفدي ليس فقط من الحكم وإنما من الحياة السياسية ايضا لانه لا يحتمل وجود بديل عنه او شريك له في معادلة الطائفة والسلطة على حد سواء.
وتلفت هذه الشخصية الانتباه الى ان تمكن ميقاتي من احتواء الموجة الاولى من هجوم الحريري بعد تكليفه، ونجاحه في استمالة المجلس الاسلامي الشرعي الاعلى الى جانبه، وصلابته في مفاوضات تشكيل الحكومة.. كلها عوامل جعلت الحريري يتجنب في الوقت الحاضر المواجهة المباشرة معه، مفترضا ان التصويب المستمر على حليفيه «حزب الله» وحركة «أمل»، سيقود حتما الى اضعافه، بما يسهل لاحقا إخراجه من رئاسة الحكومة واستعادة «المجد الضائع» الذي لا يبدو أنه سيعود أقله بالمعطيات اللبنانية، الا اذا كان هناك من يراهن على معطيات خارجية...
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018