ارشيف من :أخبار لبنانية
قلق أميركي يطل من نوافذ مهشمة
بسام رجا / دكتور في الإعلام - صحيفة الوطن السورية
سئل كولن باول ذات مرة عن سورية قال: إنها صعبة المراس، ويبدو أن باول قد قرأ حينها صعوبة إختراق جملة الثوابت التي ضربت عميقاً في الفهم المتجذر للرئيس الدكتور بشار الأسد لطبيعة الصراع في المنطقة.. والإرث الفكري المقرون بتجربة عقود مع كيان إحلالي.. حيث حاولت الإدارات الأميركية المتعاقبة لي ذراع سورية تارة عبر التهديدات وتارة عبر التحشيد الغربي لتحجيم دورها في المنطقة.. ومع تتالي الأحداث أكدت سورية في ردها على الضغوط الهائلة التي تعرضت لها أنها خارج دائرة التهديد بل كانت بوصلة في تحديد مسارات الإرادة السياسية والقوة التي دعمت المقاومات العربية وعلى رأسها حزب اللـه والمقاومة الفلسطينية.. وأشارت بعمق التحليل والتشخيص إلى المخاطر التي تتهدد المنطقة جراء التغول الأميركي في العراق.
دون أدنى شك أن الموقف السوري الذي أعلن عن نفسه دون لبس في مؤتمرات القمة وفي اجتماعات وزراء الخارجية العرب وآخرها كان في رفض التدخل الدولي العسكري في ليبيا يشير إلى الفاتورة التي أعدت منذ زمن من بعض النظام الرسمي العربي وداعميه لتدفع ثمناً لمواقفها العروبية الخالصة.. وهذا التصعيد المبستر بلغة ناعمة بالطبع لم يعلن جهاراً ولكن الحركة الدبلوماسية الأميركية تؤكده، وتؤكده ثنائية المواقف الغربية التي امتدحت سابقاً دور سورية - مرغمة- وكشرت عن أنيابها اليوم تباكياً على الديمقراطية والحرية. ومعلوم للجميع أن مجموعة (الصقور) المتقاعدين والحاليين وإن بأسماء أخرى لم يألوا وسيلة للضغط على سورية إلا واتبعوها وراجعوا أقوال وولفوفيتز التي نورد جزءاً منها حيث يشير إلى: «أن سلوك سورية هو الذي يقوض الديمقراطية في العراق المجاور ويلقي بظلال من الشك على ما إذا كان الرئيس بشار الأسد هو من يدير دفة الأمور في سورية». ودققوا هنا إن هذا التعبير بالذات تتداوله بعض وسائل الإعلام العربية والغربية وشهود العيان.. ليصوروا لنا أن الأمر خارج السيطرة علماً أن كلام وولفوفيتز ليس جديداً وجاء في شهادة له أمام الكونغرس الأميركي في 2005.
ونتابع هنا ولندقق جيداً أن بعض من يصدرون أنفسهم ويُصدرون من قبل بعض الإعلام العربي وعلى رأسهم محطة الجزيرة التي تقود الحملة ضد سورية ماذا يخبئون منذ زمن في جعبهم حيث نزار نيوف ونعمى الخطيب، ونيوف أحد أبطال شاشة الجزيرة والعربية كان من معدي تقرير بعنوان An USA-Syrian Barter: The Ancient Regime of Syria For the Blood of al-Hariri (مقايضة أميركية ـ سورية: النظام السوري القديم مقابل دم الحريري). ويتناول التقرير، الذي يوزع على المشتركين فقط، احتمال إبرام صفقة أميركية ـ سورية تقوم على مقايضة دم الرئيس الشهيد رفيق الحريري بما يسميه نيوف وزميلته «نظام سورية القديم». وقد أخفق هذا المخطط ليس من قبيل كرم أميركا وإنما لمعرفتها ويقينها أن من تعتمد عليهم لا يشكلون أكثر من فقاعات ماء وهم مكشوفون للسوريين وغيرهم ويُعرفون بعمالتهم لأميركا.
ظنت واشنطن يومها أن المسألة هي في إعادة تشكيل النظام كما ترغب وبالتالي تنخر القلعة من داخلها.. لتُثبت التهمة الملفقة بقتل الحريري التي ستجر وراءها مطالب أخرى تطلق يد الأمم المتحدة والتدخل في سورية تحت البند السابع.. وتطوق المقاومات العربية التي تساندها سورية.. وتبدد أي علاقات كانت تبنيها مع جيرانها(تركيا) وإستراتيجية مع إيران.
لكن مع تصاعد الدور السوري والحركة الدبلوماسية وتفتيت كل ما من شأنه نخر القلعة من الداخل.. تزايدت خيوط التآمر حبكة في بعض العواصم العربية التي تقيم سراً وعلانية علاقات مع دولة الاغتصاب.. وخاصة بعد أن تحللت تلك النظم من قضية فلسطين. وعلى القارئ هنا أن يميز أن الحديث عن الإصلاحات الداخلية هي مطالب محقة وأُخذت على سلم الأولويات السورية ومنها ما بدأ في المراسيم التشريعية.. وعلينا ألا نخلط وننظر بعين التشكيك أن الحديث عن أيد خارجية هو لتصدير الصورة.. ولاحظوا أيضاً أن من يتصدرون الشاشات من أميركا ولندن وغيرهما.. يرفضون قطعاً أن سورية مستهدفة وأن كل ما يقال للفت الأنظار وحرفها فقط.. وأميركا نفسها تقول: أنا استهدف سورية وهذا موثق لمن يريد ويقرأ الإستراتيجيات الأميركية في استهداف سورية لعمق خطابها وارتباطه بالقضايا العربية بغية فتح النوافذ أمام دولة الاحتلال في المنطقة - ولسنا في وارد البحث في المشاريع الأميركية- وندقق مؤخراً بما أتحفتنا به واشنطن عبر ناطقيها أنها قلقة على الديمقراطية وهي التي أبادت أكثر من مليون عراقي ودمرت أفغانستان.. ومدت كيان الاغتصاب بكل أدوات القتل. ويطل علينا ساركوزي قلقاً.. وهو الذي يدعم كيان الاغتصاب حتى العظم.
جميل أن نرى هذه «الحمية» الغربية للعرب ولكن أين كانت في 2006 و2008.. وأين تلاشت حين دمر مخيم جنين؟ وأين وأين في البحرين واليمن؟. أسئلة نطرحها على الحريصين على الحرية.
شعب سورية الأبي.. شعب الثورات وأحفاد هنانو وصالح العلي وسلطان باشا الأطرش وعز الدين القسام.. أبناء حوران الأشم والساحل وكل مدينة وقرية في سورية ضاربون في عمق انتمائهم للوطن.. عميقو التجذر.. وأوفياء لتاريخهم وحضارتهم.. وسيبقون في لحمة واحدة مهما تعاظمت الهجمة.. ورحم اللـه كل الشهداء.. فسورية محكومة بالوحدة والمقاومة والكرامة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018