ارشيف من :أخبار لبنانية
الإنفاق خلافاً للقوانين
محمد وهبة - "الاخبار"
جريصاتي: الوضع مخيف والقطاع العام بلا ضوابط
الحكومة توسّعت في تطبيق القانون. هذه هي الخلاصة التي خرج بها ديوان المحاسبة في دراسة عن الإنفاق عامي 2006 و2007، وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على الأعوام 2008 و2009 و2010... إنها الآلية التي أرساها فؤاد السنيورة، وهي تثير أسئلة عديدة: كيف تنفق الدولة حالياً؟ وفق التوسّع السابق أم يتقيّد الوزراء بالقوانين؟
رغم أن ديوان المحاسبة سَرَدَ الطرق القانونية للإنفاق في دراسة قانونية أعدّها في تقريره السنوي عن أعوام 2006 و2007 و2008، يقف متفرّجاً اليوم أمام الخروق المتواصلة لهذه القوانين. فبحسب مصادر في الديوان فإن الإنفاق الجاري حالياً يخرق القوانين ويكاد يكون الديوان موافقاً عليها، إذ يسهّل إنجاز بعض المعاملات التي تستند إلى مشروع موازنة عام 2010، الذي أقرّه مجلس الوزراء ولم يصدّق عليه مجلس النواب حتى الآن!
اعتماد المشروع بقرارات
توضح دراسة ديوان المحاسبة مسألة قانونية الإنفاق، إلا أنها تثير أسئلة ملحّة بعدما تأخّر إقرار الموازنات منذ 2005، «إذ أصبحت القواعد القانونية عاجزة أحياناً عن مواجهة التطور الحاصل، ما استلزم قرارات صادرة عن مجلس الوزراء لاعتماد الإنفاق على أساس مشروع الموازنة».
ويؤكد الخبير القانوني، عضو المجلس الدستوري سابقاً، سليم جريصاتي، لـ«الأخبار» أن الوضع مخيف جداً في هذا الإطار، فقد وقعنا في أكثر من محظور؛ الأول يتعلق بالإنفاق خارج القاعدة الاثني عشرية وخارج إجازات مجلس النواب، إذ إنّ الصرف يجري بصورة استثنائية أو مقابل هبات، أو يُلجأ إلى الهيئة العليا للإغاثة لتبرير هذا الإنفاق... وبعدما تبيّن أنه لا يمكن إجراء قطع حساب وقعوا في المحظور الثاني، وهو المتعلق بالتوسع في تفسير وتطبيق القاعدة الاثني عشرية، عندئذ وقعنا في المحظور الثالث غير المبرر: كيف وما المبرّر لهذا الإنفاق؟.
تأخّر مخالف للدستور
وبحسب دراسة ديوان المحاسبة، فإن الموازنة العامة لم تصدر يوماً في التاريخ المحدد لها، إلا أنه منذ 2005 لم تصدر أي موازنة «وهو تأخير مخالف للقانون وللدستور». أما الإنفاق خلال هذه الفترة، فكان يستند إلى «3 قواعد مقرّة قانوناً، لكن الحكومة توسعت في تطبيقها». أولى هذه القواعد هي الإنفاق وفق الموازنة الاثني عشرية. فالمادة الـ86 من الدستور، والمادة الـ60 من قانون المحاسبة العمومية، تعدان الموازنة الاثني عشرية «موازنة مؤقتة مدّتها شهر واحد، وهي تتألف من حاصل الاعتمادات المرصودة في الموازنة السابقة زائداً الاعتمادات التي أضيفت إليها، وناقصاً الاعتمادات المسقطة منها، وبعد قسمة الحاصل على 12».
ولذلك، فإن من شروطها «التقيد بأرقام الموازنة الأخيرة المصدّق عليها بعد قسمتها إلى 12 جزءاً، وضرورة صدور قانون يجيز اعتمادها في الفترة اللاحقة لكانون الثاني... شرط التقيد بأرقام مشروع الموازنة المقبلة وإقراره في مجلس الوزراء».
ثم تأتي النفقات الدائمة المستمرّة في إطار ثانية الطرق القانونية. فبحسب المادة الـ59 من قانون المحاسبة العمومية يمكن عقد نفقة على حساب السنة المقبلة، اعتباراً من أول تشرين الأول من كل سنة، ضمن شروط مجتمعة معاً: حلول أول تشرين الأول من السنة، اتصاف النفقة المعقودة بالديمومة، أن تقضي المصلحة العامة باستمرار هذه النفقة، التقيد بحدود اعتمادات موازنة السنة الجارية، لكن هذا الاستثناء مرتبط بوجود ضرر بالمصلحة العامة، فضلاً عن أن النفقة أصبحت معروضة ومتكررة، وتعدّ من المسلمات التي ناقشها مجلس النواب سابقاً، ووافق على مبدئها.
أما الطريقة القانونية الثالثة، فهي تستند إلى المادة الـ114 من قانون المحاسبة العمومية التي تجيز تدوير الاعتمادات... علماً بأن تدوير الاعتماد ينطوي على تمديد الإذن بالإنفاق من سنة إلى أخرى بغية استعماله في الغاية المعدّ لها أصلاً، ومن الضروري استكمالها لتلبية الهدف منها. علماً بأنه يمكن استعمال الاعتمادات الباقية من الجزء الثاني من الموازنة في آخر السنة، لعقد نفقة عليها خلال السنة اللاحقة من دون صدور موازنة جديدة، علماً بأنه من شروط التدوير «عدم تجاوز رصيد الاعتمادات الباقية من دون استعمال في آخر السنة السابقة، والالتزام بالبنود المحددة».
القاعدة تحوّلت استثناءً
هذه الطرق، بحسب دراسة الديوان تمثّل «تسليماً بما سبق أن وافق على مثله مجلس النواب، لكنها تعدّ شذوذاً عن مبدأ سنوية الموازنة، وعن أصول إقرار الجباية والإنفاق، وتُحدث ارتباكاً في حسابات الإدارة».
فمن الوجهة العملية، أنفقت الحكومة بهذه الطريقة استناداً الى القانون الرقم 717/2006 الذي أجاز اعتماد القاعدة الاثني عشرية حتى صدور قانون موازنة 2006، وهو ما لم يحدث فعلياً. لذلك ترى الدراسة أن هذا الاعتبار «لا يستقيم قانوناً لأن الموازنة الاثني عشرية تعدّ استثناءً على القاعدة، فمن المعروف أن تطبيق الاستثناء يستلزم توافر شروطه على نحو دقيق، ولا يجوز توسيع مداه عبر استنتاج توافر شروطه، فالدستور والقانون يتطلبان قانوناً خاصاً لاعتماد القاعدة الاثني عشرية، أما القانون الرقم 717/2006، فهو يتعلق حصراً بعام 2006، ويتطلب الأمر قانوناً جديداً لتطبيقه على عام 2007».
ظروف استثنائية حصرية!
انطلاقاً من عدم قدرة أرقام موازنة عام 2005 على مواكبة تطور عمل الدولة، والحاجة الى اعتمادات تفوق ما كان مرصوداً في هذه الموازنة، «عمدت الحكومة الى إصدار قرارات بعقد وصرف نفقات معينة على أساس الاعتمادات الملحوظة في مشروع موازنة عام 2007». وتلفت الدراسة إلى أنه «في كل ذلك جرت الإشارة إلى أن مشروعي موازنتي عامي 2006 و2007 يتضمنان نصّاً يجيز بصورة استثنائية عقد وتصفية وصرف ودفع النفقات الدائمة التي تقضي المصلحة العامة باستمرارها، والحاصلة قبل تصديق موازنتي هاتين السنتين على غرار ما جرى في قانون موازنة عام 2005».
في رأي الديوان، تضمّن هذا الكلام «اعترافاً ضمنياً بالمخالفة التي تستوجب صدور قانون لتغطيتها، إذ إن اعتماد أرقام موازنة لم تُقرّ بعد، يعدّ تجاوزاً للقانون، وخصوصاً إذا جرى على نحو عام ومطلق ودون الحصر والتحديد بحالة حصرية».
«لكن استمرار عدم إقرار الموازنة أوجب في حالات محدّدة حصراً اعتماد نظرية الظروف الاستثنائية التي تحرّر الإدارة، فجرت الموافقة على نفقات محددة حصراً». وقد أدّى هذا الأمر إلى إرباك في الإنفاق، فأصبحت المعاملات معقّدة وعلى أسس غير واضحة، كما لوحظ ورود المعاملات على أساس اعتمادات مشروع موازنة معينة من دون بيان السند القانوني لهذا التصرف.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018