ارشيف من :أخبار عالمية

"ويكيليكس": أميركا تبحث عن حلفاء سوريين محتملين وعن بديل لنظام الأسد.."الإخوان" عاجزون عن الحكم والمجتمع المدني السوري بائس

"ويكيليكس": أميركا تبحث عن حلفاء سوريين محتملين وعن بديل لنظام الأسد.."الإخوان" عاجزون عن الحكم والمجتمع المدني السوري بائس

واصلت صحيفة "الأخبار" نشر وثائق "ويكيليكس" الصادرة عن السفارة الأميركية بخصوص سوريا، حيث تظهر برقيات سرية صادرة عن السفارة نفسها في دمشق حذر الولايات المتحدة الأميركية الشديد في التعاطي مع المعارضة السورية لناحية التعويل على حجم قواها، وفي هذا السياق تبيّن الوثائق أن "الإخوان المسلمون" هم من الفصائل التي اهتمت السفارة جداً برصد معلومات تتعلق بها، غير أنها خرجت بخلاصة سلبية مفادها عدم قدرة هذه الجماعة على تسلم الحكم قريباً في سوريا.

وفي رحلة البحث الأميركية عن حليف سوري محتمل، أكان في السياسة أم في المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، تشير وثائق "ويكيليكس" الى أن واشنطن وجدت صعوبات كبيرة في إيجاد أطراف جديرة بنيل تمويل أميركي، حيث ترسم السفارة الأميركية صورة سوداء للمجتمع المدني السوري.


أميركا والبحث عن بديل لنظام الأسد: الإخـوان انتهازيّون عاجزون عـن الحكم

أرنست خوري
معظم الدبلوماسيين الأميركيين الذين عملوا في السفارة الأميركية في دمشق، أكانوا سفراء أم قائمين بالأعمال أم مجرّد ملحقين دبلوماسيين واقتصاديين وعسكريين، قضوا أوقاتهم في البحث عن أيّ معلومة قد تفيدهم لتكوين فكرة كافية عن الوزن الشعبي الحقيقي والفعلي لجماعة «الإخوان المسلمين» على الأراضي السورية. كان لا بدّ لهم من جمع ما تيسّر من معلومات، بما أنّه، على الأقل وفق ما تظهره البرقيات، التي حصلت عليها «الأخبار» من «ويكيليكس» حتى الآن، لم يلتقِ مسؤولو السفارة الأميركية أيّ قيادي من «الإخوان»، على الأراضي السورية على الأقل.

ولم تفوّت السفارة الأميركية أي وسيلة لجمع المعلومات عن «الإخوان» من أي مصدر معلومات متاح، وإذ بالسفارة في دمشق تخصّص، بين عامي 1985 و2010، العشرات من الوثائق التي لم تخلص إلى نتيجة واحدة مؤكدة، بحيث راوحت آراء مصادر السفارة بين من رأى أنّ «الإخوان» يجسّدون طيفاً أقلوياً من الشارع السوري السنّي، ومَن، بخلاف ذلك، رأى أنّ وضعهم قوي شعبياً، وخصوصاً بعدما ألّفوا «جبهة الخلاص الوطني» مع النائب السابق للرئيس السوري، عبد الحليم خدّام، «القادر على استمالة ولاء جزء من علويّي سوريا»، على حد تعبير بعض مصادر السفارة.

وفي شهر شباط من عام 2006، خصّصت السفارة الأميركية برقيّتين تقويميّتين كبيرتين لقوة الإخوان، تحت عنوان «الإخوان المسلمون في سوريا: هل يمكنهم الفوز في انتخابات؟». وفي إحداهما [06DAMASCUS517]، يشير كاتب الوثيقة، القائم بأعمال السفارة في حينها، ستيفن سيش، إلى أنّ «تقدير السفارة يفيد بأن التأثير السياسي لإخوان سوريا مبالَغ به»، لأسباب عديدة، بينها وجود فئة سورية واسعة ترفض أي هيمنة إسلامية، وثانياً بسبب تدمير النظام السوري الحركة ومواصلة قمعها على نحو مطلق داخل سوريا، والتشدُّد في مسألة نفي قادة الجماعة في الخارج بطريقة يستحيل معها تماماً أيّ احتمال لإعادة بناء صفوفها في الداخل السوري. وبحسب محاوري السفارة، فإنّ السؤال عن قوة «الإخوان» في الشارع السوري يعتمد على معيار رئيسي: هل نتحدث عن القوة الانتخابية المقصودة في ظروف ديموقراطية حرة ونزيهة، أم في ظل النظام الحالي؟ من هنا، توضح خلاصة السفارة أنه في انتخابات عادلة وحرة، ستؤدي أطراف من الإسلام السياسي السوري دوراً أساسياً لا شك فيه في الحياة السياسية، «مع أن قدرة الإخوان المسلمين على إعادة تنظيم أنفسهم لتأدية هذا الدور أمر مشكوك فيه، نظراً إلى ظروفهم الحالية». أما إذا كان التقدير يدور حول قوة الإخوان في ظل النظام البعثي الحالي إذا رغب في الإيحاء بأنه يودّ تنظيم انتخابات حرة، فإنّ الخلاصة التي تخرج بها السفارة تقول إنّ الوضع قد يكون مشابهاً لأمر الإخوان المسلمين في مصر (قبل انهيار نظام حسني مبارك)، من ناحية إظهار قادة الإخوان كإسلاميين متطرّفين، إلا أنّ عدداًَ من مصادر السفارة لفت إلى أنه إذا سقط نظام بشار الأسد على نحو مفاجئ نتيجة تدخل خارجي، فإنّ هذا قد يزيل قيوداً طبيعية كانت تعيق انبعاث الإخوان، وهو ما قد ينتج منه صعود مفاجئ لهم كقوة إسلامية راديكالية من شأنها السيطرة على المساجد والمؤسسات الإسلامية الأخرى الموجودة في سوريا.

انتهازيّون غير جديرين بالثقة

ويجزم تقدير السفارة الأميركية لوضع الإخوان، بأن قوتهم الحالية (في 2006) هي لا شيء، نظراً إلى تدميرهم الكلي في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. وتكشف البرقية أنّ هناك شبكة من المؤسسات والشخصيات الإسلامية المنافسة للإخوان حالياً في سوريا، وهي ستعارض عودة نفوذ الإخوان، على شاكلة النائب الإسلامي المعتدل محمد حبش («رغم أنّ عدداً من هذه الشخصيات يؤيد السماح بعودة الإخوان إلى سوريا»). وترى البرقية نفسها، أنّ جهود قادة الإخوان المنفيّين لجعل مواقفهم السياسية أكثر اعتدالاً وأكثر مقبولية وأقل تهديداً بالنسبة إلى الأقليات داخل سوريا، «جعلت منهم بنظر الناس انتهازيّين وغير جديرين بالثقة، ومستعدّين لقول أيّ شيء لزيادة قوّتهم وتأثيرهم». وهنا، تشير الوثيقة إلى أن انخراطهم في «جبهة الخلاص الوطني» مع عبد الخليم خدام «عزّز هذا الانطباع الواسع النطاق إزاء انتهازيتهم».

على صعيد آخر، تشدد البرقية على جانب آخر من العقبات التي تحول دون تمكّن الإخوان من الهيمنة على الحياة السياسية السورية، وهو التقليد السوري القديم الذي يتجسد في قوة التيارات القومية، السورية أو العروبية منها، التي يعتنقها حتى شيوعيون سوريون سابقون ومسيحيون. وفي السياق، تشدّد برقية السفارة على أهمية وجود نسبة كبيرة من الأقليات الدينية والعرقية (بين مسيحيين وعلويين وأكراد ودروز) في سوريا، وهو ما يصعّب مهمة الإخوان المسلمين وآمالهم إذا قرروا الهيمنة على الحياة السياسية السورية يوماً ما.

الأصوليّون 1%

وتختلف تقديرات مصادر السفارة بشأن حجم القوة التمثيلية للإخوان؛ بعض هؤلاء يشيرون إلى أن القوة التي يتمتع بها الإسلاميون تبلغ 50 في المئة، بينما آخرون قلّلوا من النسبة. أما الثابت، فهو الانقسامات الموجودة داخل صفوف التيار الإسلامي (السني) السوري، بين معتدلين ومحافظين وأصوليين (نسبتهم 1 في المئة أو أقل من ذلك، وقلة منهم تؤيد اللجوء إلى العنف) وإسلاميين إصلاحيين وعلمانيين سنّة. غير أنّ مصادر أخرى حذّرت السفارة من أن نسبة الأصوليين أكبر من ذلك، إذ إنها في رأي البعض تبلغ نحو 10 في المئة من مجموع الإسلاميين. وفي رأي إحدى الشخصيات السورية ذات الاطّلاع الواسع على الشؤون الإسلامية السياسية في سوريا، فإنّ أي انتخابات ستسبّب انقسامات كبيرة في صفوف الإسلاميين. وتعود برقية السفارة إلى التاريخ السوري الحديث لتستبعد أيّ احتمال لنجاح إخواني كبير في أي انتخابات مستقبلية، بدليل أنه، منذ وجودهم في سوريا في عشرينيات القرن الماضي، لم يكن الإخوان يوماً ناجحين جداً في السياسة السورية، ولم يقدروا على الفوز بغالبية في أي انتخابات. ويخلص أحد محاوري المسؤولين الأميركيين إلى أن الظروف السورية لا تتشابه مع تلك الموجودة مثلاً في فلسطين، من حيث السماح بجعل المجتمع السوري أكثر راديكالية على صعيد الإسلام السياسي.

أما في البرقية الثانية المكمِّلة للأولى [06DAMASCUS531]، فينقل القائم بأعمال السفارة، ستيفن سيش، عن مصادر سفارته، بعض أسباب تضخيم قوة الإخوان في سوريا. وعلى حد تعبير البعض، فإنّ الأكيد هو أن قوة هؤلاء تراوح بين 10 في المئة و30 في المئة بأحسن الأحوال من القوة الناخبة السورية، وهو ما تعود البرقية لترى أنه رقم مضخَّم عملت الحكومة السورية على ترويجه لتخويف السوريين والعالم من خطر «الإخوان». ووفق معلومات السفارة، فإنّ «فريقاً سياسياً إسلامياً معتدلاً من خارج صفوف الإخوان المسلمين، متحالفاً مع رجال أعمال سوريين، على نحو يُجمَع فيه بين قوة المال والشارع الإسلامي، قد يتمكن من حصد نتيجة مهمة في أيّ انتخابات حرة» في سوريا. وعن «مبالغة الحكومة السورية في شأن قوة الإسلاميين المتطرفين»، ترى البرقية أنّ فرقاً إسلامية سورية تسلّحت بهدف الانضمام إلى الحركة المسلحة في العراق، مشيرةً إلى أن هؤلاء «تعرضوا العام الماضي لحملات عنفية حكومية استعراضية». ومن خلاصات تقدير الموقف الذي تقدمه السفارة، أنّ الموجة الإسلامية في سوريا لم تكن في معظمها عنفية ولا حتى أصولية، رغم أن عدد الأشخاص الذين باتوا يشاركون في صلاة الجمعة ارتفع ارتفاعاً لافتاً، وأن عدد النساء المحجبات يستمر في الارتفاع، ما يجعل الإسلام عموماً القوة الأكبر في الحياة السورية، مقارنةً بما كان عليه قبل 40 عاماً.

انتخابات حرة ستفضح ضعفهم

وفي السياق، يقول أحد النواب في مجلس الشعب السوري للسفارة الأميركية، إن القوى السياسية السورية لا تخاف الإخوان المسلمين «لأن أي انتخابات حرة ستفضح ضعفهم الحقيقي». رأي يتفق معه مصدر يساري يشير إلى أنّ الإخوان ضعفاء «وهم عاجزون عن العمل في السياسة، ويفتقدون برنامجاً سياسياً». أكثر من ذلك، فإنّ آخرين يلفتون إلى أنّ جزءاً من قوة الإخوان يعود إلى واقع أن النظام قمع ومنع جميع الأحزاب العلمانية، وكذلك جميع المنظمات الثقافية. بالتالي، فإنّ المكان الوحيد الذي يتاح للسوريين النقاش فيه هو المساجد، التي يبلغ عديدها (في 2006) عشرة آلاف، بحسب النائب السوري نفسه، «لأنني، إذا اجتمعت مع خمسة أشخاص علمانيين في منزلي الخاص، تقتحم الأجهزة الأمنية المنزل وتهدد باعتقال الموجودين». ويخلص إلى أن الإخوان المسلمين استفادوا من أن النظام السوري تساهل مع «كل ما هو إسلامي في المجتمع» (باستثناء ما يتعلق بالتنظيم السياسي للتيارات الإسلامية) واضطهد كل ما هو علماني. ويوضح النائب نفسه أنّ المبالغة في رقم الـ30 في المئة مصدرها الإعلام الحكومي والغياب القسري للقوى العلمانية. من جهة أخرى، يرى مصدر سوري آخر ذو ميول قومية عروبية، أنّه حتى لو كان لدى الإخوان قوة تقدَّر بما بين 20 و25 في المئة في سوريا، فإنّ هذه القوة ستنخفض بنسبة النصف حالما يصبح العلمانيون قادرين على المنافسة على نحو ديموقراطي.

وتعترف برقية السفارة بأنّ معظم مصادرها تتفق على أنّ نظام الأسد رعى التيارات الإسلامية داخل سوريا للإيحاء للغرب بأنهم أقوياء جداً، وبأنهم الطرف الفاعل الوحيد في البلاد، وأنه الطرف الوحيد الذي يحول دون تسلم الإسلاميين الأصوليين السلطة. حتى إنّ بعض مصادر السفارة يؤكدون أنّ الحكومة السورية ترعى بعض المنظمات الأصولية المسلحة من جهة، وتكافحها بعنف من جهة أخرى، وتشجع بعضها الآخر على جعل بعض الأئمة يبثون رسائل معيّنة في المساجد لتظهر الحكومة على أنها الجهة العلمانية المؤهلة لمواجهة الإسلاميين المحافظين.


انفتاح النظام على الإخوان

وتولي البرقية الرقم 06DAMASCUS1186 أهمية لما يكشفها لها أحد مصادرها المقربين من النظام، عن أنّ الحكومة السورية تنوي الانفتاح على الإخوان المسلمين لتحويل عنصر يمثّل تهديداً لها، إلى أداة قوة بيدها لتعزيز المشاعر المعادية للولايات المتحدة في سوريا، وذلك في عز العزلة الدولية التي فرضها الغرب، وبعض العرب على دمشق. ويؤكد المصدر أن موفدين من المراقب العام للإخوان المسلمين علي صدر الدين البيانوني، بينهم أحد أقربائه، زاروا دمشق في الفترة الماضية آتين من لندن (مقر البيانوني). واتهم المصدر نفسه، السياسة الأميركية بأنها هي من هيأ الظروف لمثل هذا الانفتاح. ورداً على أسئلة السفارة الأميركية عن الوزن الشعبي والسياسي لجماعة الإخوان، في زمن كانت فيه السفيرة الأميركية الحالية لدى لبنان مورا كونيلي، قائمة بأعمال السفارة في دمشق، يختصر أحد المعارضين عام 2008 [08DAMASCUS842] المسألة على النحو الآتي: إنهم خارج البلاد، ماذا بإمكانهم أن يفعلوا من دون مؤيدين لهم داخل البلاد؟

جبهة الخلاص» VS «إعلان دمشق»: مَن الأقوى؟

قد يكون مصطلحا «جبهة الخلاص الوطني» و«إعلان دمشق» الأكثر رواجاً في البرقيات الدبلوماسية الأميركية التي حصلت عليها «الأخبار»، إذ كان من الضروري بالنسبة إلى واشنطن معرفة كل التفاصيل المتعلقة بهما لمعرفة أفضل السبل للتعاطي معهما

تحاول عدّة برقيات صادرة عن السفارة الأميركية في دمشق معرفة أيّ من التنظيمين السوريين المعارِضين، «جبهة الخلاص الوطني» أو «إعلان دمشق»، هو الأقوى داخل سوريا؟. لكن تبدو هذه المهمة صعبة، بما أنّ الأجوبة جاءت متناقضة، لذلك ركزت السفارة على محاولة استقراء مدى إمكانية اتفاق هذين التكتلين لتأليف جبهة معارضة موحّدة.

لكن أيضاً هذا الاحتمال يبدو ضئيلاً بحسب جولة الأسئلة التي وجهتها السفارة إلى عدد كبير من المعارضين السوريين. وتنقل البرقية [06DAMASCUS1357] بعض الأجوبة المتناقضة لأركان «إعلان دمشق» حيال الموقف من «جبهة الخلاص» بين مرحّب بها ورافض لها.
وأمام عجز السفارة عن تحقيق إجماع المعارضين حيال تقويم عبد الحليم خدام، تمكّنَت من تلمُّس رغبة عامة لدى قيادات «إعلان دمشق» إزاء عدم مهاجمة «جبهة الخلاص» ما دامت لا تتعارض مع أهداف «الإعلان»، رغم تشديد معظم رموز المعارضة على فساد خدام، وانتهازية الإخوان المسلمين. وحين فكّر بعض المعارضين السوريين في مدّ خطوط تواصل بين «إعلان دمشق» و«جبهة الخلاص»، فكروا بالتواصل مع الإخوان المسلمين لا مع خدام [06DAMASCUS4877].

وفي السياق، يكشف أحد مصادر السفارة الأمير
كية أنّ مراقب الإخوان، علي صدر الدين البيانوني، أبلغه بأنّ أحد الدوافع التي أدّت بالإخوان المسلمين إلى تأليف «جبهة الخلاص الوطني» مع خدام هو أنّ «إعلان دمشق يسير ببطء شديد» [06DAMASCUS1698].

خدّام المنفتح على الإسلاميّين

في تعليقها على نوعية العلاقة التي تجمع بين عبد الحليم خدام والبيانوني، تعترف البرقية 06DAMASCUS1754 بأن معلوماتها محدودة على هذا الصعيد، مشيرة إلى أن تقديرها يفيد بأن العلاقة التي تجمع بينهما هي علاقة شراكة، وخصوصاً أن خدام، حتى عندما كان ركناً من أركان نظام البعث، عُرف عنه انفتاحه على التيارات الإسلامية السنية، من ضمنها مجموعات مؤيدة لجماعة «الإخوان المسلمين».

وتلفت البرقية إلى أن خدام كان يمثل جناحاً داخل حزب البعث ملتزم أيديولوجياً بمبدأ أن من الضروري للبعثيين والقوميين العلمانيين أن يكون لهم صدىً في الأوساط الإسلامية السنية.

ومن هنا، تخلص الوثيقة إلى أنه ليس غريباً على خدام أن ينفتح على البيانوني والإخوان عموماً. اعتراف آخر مفاده أن السفارة لا تعرف ما إذا كان خدام والبيانوني قد تبادلا التنازلات قبل أن يعلنا تأسيس جبهة الخلاص أم لا، لافتة إلى أن جلّ ما تعرفه هو أن للرجلين أولوية قصوى هي التخلص من نظام بشار الأسد.

جبهة الخلاص «خطأ»

وتصل اهتمامات السفارة لمحاولة معرفة ما إذا كان عمل الإخوان المسلمين مع خدام قد أضعف كلّاً من النائب السابق للرئيس السوري والبيانوني.
وفي السياق، ترصد البرقية نفسها مجموعة من آراء لمصادرها، بعضهم وصفوا التحالف بين الرجلين بأنه «خطأ»، حتى إن البعض أكّد أن الإخوان المسلمين السوريين خسروا نصف مؤيديهم نتيجة لتحالفهم المذكور مع خدام. أما عن مدى استعداد خدام والبيانوني للجوء إلى العنف لقلب نظام الأسد، فتلفت البرقية إلى أن لا أدلة لديها على وجود مثل هذا التوجه.
حتى إن بعض مصادر السفارة يعربون عن عجزهم عن تصوُّر كيف يمكن هاتين الشخصيتين تغيير النظام من دون تدخل أجنبي، في ظل امتناع السعودية عن تقديم الدعم الإعلامي خصوصاً لخدام.

ويكتب القائم بأعمال السفارة الأميركية في دمشق، ستيفن سيش «من الواضح أن خدام والبيانوني يأملان أن يتهم تقرير (الرئيس السابق للجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري) سيرج براميرتس، مسؤولين سوريين رفيعي المستوى بالجريمة، وهو ما من شأنه أن يهزّ أسس النظام».

كذلك تحاول البرقية [09DAMASCUS477] تقويم وضع «إعلان دمشق» وحركة «العدالة والتنمية» الإسلامية المعتدلة في عام 2009، فتصف «الإعلان» بأنه لم يوُلَد حزباً سياسياً، بل مظلةً تضم تنظيمات وفرقاً عديدة. وتشير البرقية إلى أن «الإعلان» يحمل عيباً تأسيسياً وهو الانقسامات الداخلية بين حلفاء متباعدين: كالأكراد والإخوان المسلمين، وبعض الليبراليين والقوميين الاجتماعيين والشيوعيين وآخرين. وتلفت البرقية إلى أن فشل جماعة «العدالة والتنمية» الإسلامية في إقناع الإخوان المسلمين بأن يكونوا فاعلين بالمشاركة تنظيمياً، ومن ناحية التخطيط داخل «إعلان دمشق» يجسّد آخر معارك «الإعلان» لمحاولة مدّ الجسور بين ما قد يكون من المستحيل وصله من نواحي الرؤية الفلسفية والسياسية بين التنظيمين الإسلاميين (الإخوان المسلمين والعدالة والتنمية). وتتفق السفارة مع ما يقوله لها أحد المعارضين عن أنّ «العدالة والتنمية» تملك وحدها الوضوح الكافي داخل سوريا لحشد التأييد لـ«إعلان دمشق» في الشارع، قبل أن يحذّر كاتب البرقية الدبلوماسية من أنّ النجاح التنظيمي لـ«العدالة والتنمية» لحدّ الآن يمكن تفسيره أفضل بأنه نتيجة لعلاقاتها مع «إعلان دمشق» ومع الحكومة الأميركية.

وهنا اعتراف بأنه يصعب التأكد أن لهذه الحركة الإسلامية تأثيراً حقيقياً وجدّياً داخل سوريا وخارجها، لدرجة أنّ نفوذ «الإخوان المسلمين» في «إعلان دمشق» قد يغطّي على «العدالة والتنمية»، «لذلك، ليس غريباً أن نجد شخصاً كأنَس العبدة، الذي يرأس لجنتي إعلان دمشق والعدالة والتنمية في لندن، يتردّد عندما طُلب منه الاتصال بالإخوان المسلمين»، على حدّ تعبير كاتب البرقية المذكورة أعلاه.


أميركا تبحث عن زبائن: المجتمع المدني السوري بائس

رقم البرقيّة: 05DAMASCUS6342
تاريخها: 6 كانون الأول 2005
الموضوع: مسح للمجتمع المدني السوري: عدد ضخم من المصالح المتضاربة وضغوط من الحكومة السورية

* سيطرة النظام السوري على المجتمع المدني: مثلما أشارت تقاريرنا خلال السنتين الماضيتين، فإنّ المجتمع المدني ضعيف جداً في سوريا، ويعاني قمعاً منهجياً مارسه بحقه النظام السوري وقواه الأمنية على مدى سنوات. الحكومة تراقب عن كثب الجمعيات الوليدة التي منحت تراخيص. المنظمات التي تتبع خط الحزب (البعث) فقط هي التي يُسمَح لها بأي نوع من الدور السياسي. الباقون الذين يطمحون إلى دور كهذا تُرفَض تراخيصهم.

تمنح الحكومة التراخيص على نحو روتيني للمنظمات التي تلتزم بنشاطات بعيدة كل البعد عن أي شيء يمتّ للسياسة بصلة (النظام السوري يستخدم تعريفاً مطاطاً جداً لما يمثّل نشاطاً سياسياً) (...). إن عدد منظمات المجتمع المدني واللاعبين في المجتمع المدني المستقلين الذين يملكون القدرة على تطوير مشاريع جديدة قد تموّلها الحكومة الأميركية، محدود جداً.

* هناك أيضاً قوانين تمنع منظمات المجتمع المدني من تلقي التمويل من مصادر حكومية أجنبية. بينما تستخدم المنظمات مجموعة متنوعة من الحيل المالية، ويغضّ النظام السوري الطرف عنها أحياناً، باستطاعة الحكومة في أي وقت تطبيق هذه القوانين، أو التهديد باستخدامها، لإقفال منظمة أو تخويف داعميها (...).

* استيطان القمع: بسبب مستوى قمع النظام السوري ورقابته، هناك ارتياب ورهاب هائل في أوساط الناشطين في المجتمع المدني(...). ويتخوف الناشطون من الوشاية بهم للأجهزة الأمنية من زملائهم، ما قد يؤدي إلى السجن أو إقفال منظماتهم (...).

* العلمانيون vs الفرق الإسلاميّة
بين ناشطي المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، هناك خلافات أيديولوجية عميقة، مثلما هو حاصل على سبيل المثال بين الإسلاميين والعلمانيين. (هناك عدم اتفاق أيديولوجي مخفيّ، جزء منه مردّه حزبي، كالخلافات بين مختلف التنظيمات الشيوعية في سوريا مثلاً). الكثير من القوة الدافعة نحو التطور الحديث للمجتمع المدني في سوريا أتى من اليسار، من خلال العديد من الشيوعيين السابقين ومجموعة من اليساريين الآخرين يستثمرون طاقاتهم بعيداً عن التركيز المباشر على السياسة باتجاه بناء مجتمع مدني. إنّ الضعف الأكبر في المجتمع المدني هو افتقاره إلى أي قاعدة شعبية. (هذا الاعتراف هو الذي قاد العديد من أبرز اليساريين إلى احتضان، بحذر، نسخة معتدلة متجددة من الإخوان المسلمين في السنوات القليلة الماضية). ولأنّ النظام السوري، لطالما، خشي أي بديل علماني للبعثية، فهو عبّر عن عدائية كبيرة إزاء مثل هذه التنظيمات.

* دعم الحكومة السورية للتنظيمات الإسلامية:
لإحداث توازن مع هذه التنظيمات العلمانية (ولإحداث قوة مضادة للإسلاميين الأصوليين، بجناحي الإخوان المسلمين التقليديين والسلفيين الوهابيين)، أمّن النظام، ذات الهيمنة العلوية، التمويل والتشجيع للمؤسسات الإسلامية المعتدلة، والكثير منها منظمات من المجتمع المدني. (...)

* (...) بين العلمانيين والناشطين الإسلاميين، هناك شكوك متبادلة قوية، ومشاعر استياء واختلافات في المقاربات والأولويات والأهداف السياسية والاجتماعية المستقبلية. وفي الموقع الوسط بين هذين الطرفين، هناك مجموعة من الشخصيات المعتدلة المفتاحية ـــــ هؤلاء هم الذين توسّطوا لإصدار «إعلان دمشق» في تشرين الأول الماضي ـــــ ممن يتوخّون الهدف نفسه بهدف تعزيز جهودهم وقدرتهم لمقاومة قمع الحكومة السورية. وبينما يُعتبَر «إعلان دمشق» بمثابة وسيلة قوية لتأدية دور الجسر (بين قوى المعارضة)، فإنّ الكثير من الاختلافات بين الإسلاميين والعلمانيين لا تزال موجودة، وهي ستعقّد أي جهد ممكن لتعزيز إجماع المجتمع المدني في المستقبل.

* انقسام حول الدعم الأميركي
هتاك انقسام مختلف تماماً بين هؤلاء الذين يؤيدون العمل مع الولايات المتحدة وآخرين متشككين إزاء نيات الإدارة الأميركية، وبالتالي لا يريدون أن يكونوا متعاونين مع السياسة الأميركية ومشاريعها (...)، فيما آخرون مؤيدون أكثر لأوروبا (...).

* غيرة عنيفة وإدارة ثقافية مختلّة وظيفياً (...) الغيرة هي أحد العناصر الحاسمة في انقسامات المجتمع المدني السوري. يسعى قادة منظمات المجتمع المدني إلى أن يكونوا فريقاً مؤلّفاً من شخص واحد، بحيث تحكم الأنا المغرورة والقوية لديهم، تنظيمات ضعيفة، حتى أنهم «لا يلعبون جيداً بعضهم مع بعض» (...). الانقسامات الإثنية والمذهبية والطبقية والعائلية عادة ما تعزز الغيرة الشخصية أو المؤسساتية بين هؤلاء الشخصيات، وتصعّب مهمة الوصول إلى هدف مشترك في سوريا. كما أنّ الثقافة المؤسساتية التي تشجع روح القيادة والمبادرة فقط على مستوى زعامة أي تنظيم، بدل ثقافة بناء الشبكات واللجان، تسهم في ضعف منظمات المجتمع المدني. إضافة إلى ذلك، هناك غالباً نقص في الترابط والتواصل والألفة بين زعماء المجتمع المدني. وفي خلال الجلسات الاجتماعية التي تنظمها السفارة، أحياناً يتلاقى أشخاص مؤثرون للمرة الأولى في حياتهم.

* أحزاب من شخص واحد:
العديد من الأشخاص الذين يُعرَّف عنهم على أنهم ناشطون في المجتمع المدني، يسعون الى أن يكونوا مفكرين مستقلين (...). ليس لدى هؤلاء أتباع، بالمعنى التنظيمي للكلمة، بل مجرد قراء أو مشاهدين. (وغالباً ما يتعاركون في السر وفي الإعلام حول وجهات نظرهم).
(...)

* إنّ الإصلاحيين الاقتصاديين فئة منفصلة ومختلفة عن المكونات الأخرى للمجتمع المدني. ورغم وجود فئات متفرعة من الإصلاحيين الاقتصاديين، فإنّ معظمهم يتشاركون في مميزات متشابهة، من ناحية أنهم حصّلوا تعليمهم في الغرب، ولديهم خبرات مهنية في أوروبا والولايات المتحدة. جميعهم يدافعون عن اقتصاد السوق ونقديون تجاه سرعة الإصلاح الاقتصادي في سوريا ومداه ومجاله. إنّ أهم المتفرعين من هذه الفئة يتعاونون بنشاط مع الحكومة السورية في تطوير سياسة اقتصادية. هؤلاء يؤمنون بأن التأثير على التغيير الاقتصادي حصل على نحو أفضل مما كان عليه في السابق، لكنهم يحافظون على مسافة حذرة من النظام الذي يرون أنه فاسد. وهؤلاء يخشون أن يؤدي خروج تعاونهم مع الحكومة السورية للعلن إلى تشويه سمعتهم داخلياً (...). إنّ هذا الفريق يرى أنّ مشاركته في أي نشاط برعاية أميركية، أو قبوله أي تمويل أميركي للمنظمات غير الحكومية المرتبطين بها، كتهديد جدي يهدد قدرتهم على دفع الإصلاحات قدماً. أما المدافعون عن الإصلاحات الاقتصادية ممن يعملون خارج دائرة النظام، فيتمتعون بسقف أدنى وقاعدة دعم أصغر (...).

* خلاصات
إن التفسُّخات الأيديولوجية، والغيرة الشخصية والقمع الذي تمارسه الحكومة السورية، جميع هذه العناصر ساهمت في الوضع الضعيف والمقسَّم الذي يجد المجتمع المدني نفسه فيه. إنّ برنامج دعم أميركي معزَّز لمساعدة المجتمع المدني السوري قد يسهم في فرز المجموعات أو الأفراد الذين قد يستفيدون من تمويل معزّز أو من برامج تمويل موجودة أصلاً، إضافة إلى ضرورة محاولة وضع برامج أميركية جديدة خلاقة وهجومية وتحديد منظمات غير حكومية واعدة واستراتيجيات خلاقة لتوزيع التمويل.

* (...) إن أي نوع من التدريب للفاعلين في المجتمع المدني، من بينها دورات تعليم لغة إنكليزية، من شأنها تقريب الناس بعضهم من بعض على أسس طبيعية وتطوير مواهب نقديّة. يعتمد النجاح على قدرتنا على التأثير على الأفراد أو المجموعات التي تملك أصلاً مصالح ملموسة في خلق مجتمع واقتصاد أكثر انفتاحاً.

* ترغب السفارة في أن ترى أيضاً استخداماً أكثر طموحاً لمشاريع تدريب إقليمية، حيث يمكن فاعلين من المجتمع المدني السوري أن يتفاعلوا مع زملاء لهم من دول عربية مجاورة. كما أنّ إرسال أفراد سوريين، أو مجموعات صغيرة منهم (...) إلى الولايات المتحدة لتدريبهم على برامج محددة، هو أيضاً خيار متاح (...).
ستيفن سيش


2011-04-29