ارشيف من :أخبار لبنانية

زيارات سياحية ترويجية للمحكمة الخاصة بلبنان

زيارات سياحية ترويجية للمحكمة الخاصة بلبنان

علي الموسوي -السفير

لا تتوقّف المحكمة الخاصة بلبنان عن ممارسة كلّ أشكال الدعاية لنفسها على حساب المواطن اللبناني الذي لا يجد لقمة خبز يسدّ بها جوعه في وطنه الممزّق بنصال الطوائف المتقاتلة على الغثّ والسمين، فتستقبل الوفود تلو الوفود ومن مختلف أرجاء المعمورة، للتعريف بها وبهدفها المنشود والفضفاض "وضع حدّ للإفلات من العقاب".

وتصرف المحكمة على هذه الزيارات، الأموال من موازنتها، لتتقلّص حساباتها المادية، وقبل الشروع في المحاكمات التي تحتاج إلى سنوات وسنوات كما يستدلّ من آلية عملها، وتعوز تكاليف باهظة لا قدرة للبنان على سداد حصّته منها، حتّى ولو زادت الحكومات المتعاقبة، الضرائب والرسوم على مواطنيها وأبقتهم تحت خطّ الفقر المعتمد عالمياً.

وتارة تتولّى المحكمة بنفسها تنظيم اللقاءات والمنتديات وورش العمل، وطوراً تتعاون "على نحو وثيق" مع منظّمات تكون بأغلبيتها غير حكومية، على غرار الزيارة التي قام بها 30 محامياً لبنانياً تقريباً إلى مقرّ المحكمة في ضاحية لايسندام في مدينة لاهاي الهولندية بدعوة من منظّمة "عدل بلا حدود"، والتي اعترف قسم التواصل الخارجي في المحكمة بتنظيم "هذا المنتدى بالتعاون على نحو وثيق".

ولا تعرف الغاية القصوى من إدمان المحكمة على التعريف بنفسها وهي على بُعْد شهور قليلة من بدء النظر في ملفّها الأساسي، وبعد مرور سنتين ونيّف على قصّ شريط افتتاحها في الأوّل من شهر آذار 2009، إلاّ إذا كانت المحكمة تعاني من قلّة ثقة بها، وهي الصفة الأعمّ لمشوارها مع الشعب اللبناني على الأقلّ، وذلك لأسباب متعدّدة منها:

أوّلاً: غلبة صفة تسييس العدالة الدولية على المحاكم الدولية الخارجة من رحم الأمم المتحدة، و"لعبة الأمم" ليست بعيدة عنها.

ثانياً: عدم قدرة المحكمة الخاصة بلبنان على تقديم صورة مغايرة عن هذا الواقع المرير، على الرغم من أنّها تبذل جهوداً مضنية ومعها أموالاً طائلة، والسبب تعاطيها بطريقة مريبة مع التعديلات التي أدخلتها على قواعد الإجراءات والإثبات المعمول بها لديها، وعدم تقديم المسؤولين فيها بمختلف وحداتهم ومكاتبهم وصفاتهم وأعمالهم، أجوبة مقنعة عن أسئلة حرجة صادفتهم خلال أدائهم وظيفتهم، فضلاً عن الأسلوب الذي اتبع في إنشائها خلافاً للأصول ولدستور الدولة اللبنانية.

ثالثاً: عدم وضع حدّ للجدل القائم حول الشهود وافتراءاتهم الجنائية وتزويرهم الحقائق لإبعاد التهمة عن القتلة الحقيقيين.

رابعاً: كثرة استقالات الموظّفين منها وبعضهم اعتلى مناصب جدّ كبيرة وحسّاسة ولها علاقة متينة بصلب التحقيق والدائرة الضيّقة التي تمسك بزمامه وتفاصيله.
خامساً: كثرة تهديدات السياسيين ومن دول شتّى، بهذه المحكمة، وبما يوحي بأنّها أداة بأيديهم وتعمل بإرشاداتهم و"أجندتهم" ومخطّطاتهم التي يغلب عليها طابع التسلّط والقهر حتّى ولو لوّنت نفسها بالديموقراطية وتحسين الإنسانية والتقدّم بها نحو الأفضل.

يعرف الجميع أنّ الصنف غير الرائج يحتاج إلى إعلانات ودعايات تدعم موقفه وتطوّر صورته وهندامه وتقرّبه أكثر من الرأي العام، وهذا ما تقوم به المحكمة الخاصة بلبنان، وإذا كانت لديها نظرة مغايرة لهذا الانطباع، فكيف تفسّر خطوتها الترويجية والتسويقية المستمرّة على مدار العام لدورها ومكانتها وخطواتها القانونية؟

لقد مضى أكثر من عامين على ولادة هذه المحكمة، ولا يزال مسلسل التعريف "والإحاطة علماً بعملها" كما يأتي في سياق بياناتها الصحافية، قائماً على قدم وساق، فالبضاعة الرائجة والمنتشرة والتي تشهد إقبالاً، لا تحتاج، على الإطلاق، إلى جهد في التسويق، وهذا ما تشي به كلّ الخطط التنموية التي تعتمدها أشهر الشركات العالمية المتخصّصة في عالم التسويق، ومن يحتاج إلى ترويج يكون عادة، إمّا بضاعة جديدة أنزلت حديثاً إلى السوق، وهذا لا ينطبق على المحكمة التي بلغت عامها الثاني من دون احتساب ما سبقها من سنوات التمهيد لقيامها ولأهدافها وغاياتها سواء في لبنان، أم في غيره من البلدان، وعلى ألسنة قانونيين وسياسيين ومتفلسفين ومنظّرين، وإمّا أنّ هذه البضاعة كاسدة وغير موثوق بها وغير مقبولة، وهذا هو على الأرجح، حال المحكمة الخاصة بلبنان.

والغريب أنّ المحكمة تستقبل ضيوفاً من صنف القضاة والمحامين المهتمين بالشأن القانوني ومسار العدالة، يكونون في غالب الأحيان من فريق سياسي لبناني واحد هو فريق 14 آذار، وهذا الفريق يفترض أنّه يؤمن بالمحكمة وجدواها، فهل يكون التسويق أمام هؤلاء، أم أمام من لا يعتقد بضرورتها ويعارضها، ويجب استقطابه وجذبه لكي يغيّر رأيه ما دامت الغاية الرئيسية إحقاق الحقّ وتطوير العدالة الدولية؟

لقد ضمّ وفد المحامين اللبنانيين أعضاء في مجلس نقابة المحامين في بيروت وناشطين في المجال الحقوقي، ووكيل الرئيس سعد الحريري المحامي محمّد فريد مطر الذي رفض أن تلتقط له أيّة صورة خلال وجود الوفد في المحكمة الخاصة بلبنان، بعكس ما جرى في المحكمة الجنائية الدولية "ICC" والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة "ICTY"، فهل الترويج للمحكمة يكون لدى من يعرف تفاصيلها وأخبارها، أم من يجهل نظامها وقواعدها؟

واستفادت المحكمة من وجود المحامين في أحضانها، وطلبت منهم الانضمام، أو بالأحرى روّجت لفكرة الانضمام، إمّا إلى مكتب الدفاع الذي يرأسه المحامي الفرنسي فرانسوا رو، وإمّا إلى وحدة المتضرّرين التي يرأسها الفرنسي الآخر آلان غروليه، ولكن كيف يطلب من محامين من لون سياسي واحد أن يتولّوا الدفاع؟ وكيف يطلب على سبيل المثال لا الحصر، من الوكيل القانوني لرئيس الهيئة التنفيذية في "القوّات اللبنانية" المحامي سليمان لبوس الذي كان في عداد الوفد، أن يدافع عن أشخاص يقفون على الضفّة المناقضة لتوجّهاته السياسية، طالما أن الاتهام السياسي محدد حصراً بـ"حزب الله"؟

وكما في كلّ مرّة، يستبق المسؤولون في المحكمة الأسئلة السياسية أو تلك التي تحمل نكهة سياسية، ويقولون بأنّهم لا يستطيعون الإجابة عن أيّ سؤال سياسي، ولكنّهم يستلذّون سماع السؤال السياسي أو التعليق السياسي، كأن يتحدّث أحد المحامين المشاركين عن سوريا "كدولة مارقة"، في توصيفه للوجود السوري في لبنان، أو تعطى الأمثلة عن المخاطر التي تحدق بالمحكمة كتعبير الوزير السابق وئام وهّاب "بأنّ أيّ واحد يتعاطى مع المحكمة بدنا نحطو في صندوق سيّارة"!

وكان يفترض أن يشارك قضاة لبنانيون في عداد الوفد الزائر، حتّى أنّ المسؤولين في المحاكم الثلاث المذكورة، كانوا يرحّبون دائماً بالزوّار "القضاة والمحامين"، ولكنّ مسؤولاً قضائياً رفض السماح لهؤلاء القضاة بالسفر، وزيارة المحكمة التي يسمعون بها وعنها وبأخبارها، من دون أن يتسنّى لهم رؤيتها، فهل الخوف من أن يجري هؤلاء مقارنة بسيطة بين الوضع المزري لقصور العدل والوضع القضائي برمّته، وبين المحكمة التي تنعم بأموال كثيرة تؤخذ من درب تنمية قصور العدل والقضاء اللبناني، وتصرف في برنامج سياحي يختبئ تحت عنوان التعرّف إلى المحكمة الخاصة بلبنان؟
 
 
 

2011-04-30