ارشيف من :أخبار عالمية
مقتل بن لادن يزيل ذريعة الوجود الأميركي في منطقة "الشرق الأوسط" لمحاربة "الإرهاب"
للتذكير فقط ولأنه جلّ من لا ينسى، قد يكون من المفيد العودة بروزنامة الأحداث الى الخلف لبضع سنين، وأن نقلّب صفحات التاريخ الحديث وصولاً الى أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية (ضرب برج التجارة العالمي ومبنى البنتاغون) التي استغلت من قبل الإدارة الأميركية والمحافظين الجدد آنذاك لشن حرب عالمية على تنظيم "القاعدة" بذريعة "الحرب على الإرهاب"، أو ما أسماه الرئيس الأميركي أنذاك جورج بوش بـ"الحرب الصليبية على الإرهاب"، مانحا لنفسه حق تصنيف العالم بين محورين محور الخير ومحور الشر.
هذه الأحداث شكلت بوابة للدخول الأميركي الواسع الى منطقة الشرق الأوسط لنشر قواعدها العسكرية وقواتها البرية والبحرية والجوية فيه، وهي أفضت الى احتلال كل من أفغانستان والعراق بهدف محاربة تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان"، ومن ثم نزع أسلحة دمار شامل ادعت ان نظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين يمتلكها، لكن سرعان ما تبين زيف الادعاءات الأميركية التي جرى الترويج لها لتبرير احتلال هذين البلدين على أساسهما.
أما اليوم وبعد عشر سنوات على انطلاق "الحرب على الارهاب"، جرت أمس تصفية زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن، في توقيت ذي دلالات سياسية، وخصوصا أننا على أبواب الانتخابات الرئاسية الأميركية، وفي وقت يظهر فيه أوباما بأنه بأمسّ الحاجة لتحقيق انتصار ولو رمزياً لتسويقه أمام شعبه من أجل إعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية بعدما فشل في تحقيق كل الوعود التي التزم بها عقب انتخابه للمرة الاولى رئيسا للولايات المتحدة الاميركية.
غير أنه وان كان اوباما قد حقق نصرا معنويا محدودا بنظر شعبه قد يمكّنه من البقاء في البيت الابيض لولاية ثانية، الا ان ذلك اوقعه في مأزق استراتيجي سيكون من الصعب عليه تخطيه بسهولة، بعدما انقلب السحر على الساحر، وخرجت الأصوات المنادية بضرورة رحيله عن المنطقة باعتبار أن سبب وجوده فيها الذي كان يتذرع به دائما قد انتفى بمقتل بن لادن، ولم يعد هناك أي مبرر يتيح له البقاء فيها. وهو ما سارعت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون للرد عليه بالقول إن مقتل بن لادن لا يعني أن الحرب على تنظيم القاعدة قد انتهت، وهو ما أكده لاحقا البيت الابيض أيضا، كما تقاطع ذلك أيضا مع تصريح لزعيمة حزب "كاديما" تسيفي ليفني التي اعتبرت ان الحرب على الارهاب مستمرة بلا هوادة.
وهنا يطرح التساؤل مجددا حول الأسباب الحقيقية للوجود الأميركي في المنطقة، وهل هو فعلا ما تدعيه من حرب على الإرهاب، أو أن وراء الاكمة ما وراءها، وان نهب ثروات المنطقة هو السبب الرئيس الذي يقف خلف ذلك؟!، وكيف ستسوّق الإدارة الأميركية اليوم وجودها في المنطقة وتحت أي مبرر، بعدما زالت كل المبررات التي كانت تدعيها، وهل عنوان محاربة تنظيم "القاعدة" بعد مقتل زعيمه كافٍ لإقناع شعوب المنطقة بهذا الوجود؟.
أنيس النقاش: عدم خروج أميركا من الشرق الأوسط سيبرهن عن مدى كذبها
وفي هذا السياق، رأى الخبير في الشؤون الإستراتيجية أنيس النقاش في حديث لـ"الانتقاد" أن "الأميركيين حاولوا أن يلتفوا على تنظيم القاعدة لإلغائه وذلك من خلال إجراء صفقة مع باكستان وأفغانستان لتصفية أسامة بن لادن، وأشار الى أن هناك "نوعا من deal جرى بين السلطات في باكستان وواشنطن تمثل بتزويد الاخيرة بالمعلومات عن مكان وجود بن لادن على الأراضي الباكستانية، وذلك للتخلص ممّا يسمى "الجهاد العالمي" المتمثل بتنظيم " القاعدة"، بهدف إعادة طالبان الى كابل على أساس أنها شريك سياسي للرئيس الافغاني حميد كرزاي، لافتاً الى أن "ذلك يؤكد فبركة خبر عدم علم الحكومة الباكستانية بالعملية"، ومعتبرا ان ذلك ربما يكون لإبعاد المخاوف عن السلطات الأفغانية بالتورط بالعملية، ما يثير مشاكل لديها.
وعن خروج أميركا من الشرق الأوسط بعد مقتل بن لادن، أوضح النقاش "أن أميركا كانت تتذرع بوجود بن لادن وتستخدمه كحجة للدخول الى الشرق الأوسط وشن الحروب على الدول التي تريدها"، مشيراً الى أن "عدم خروجها اليوم من الشرق الأوسط سيبرهن عن مدى كذبها، ويظهر بأنها لم تكن ترغب بالتخلص من بن لادن، بل كانت تستخدمه كمظلة وحجة للوصول الى أهدافها، مؤكدا أنه لو كان هدف أميركا في الشرق الأوسط هو أسامة بن لادن، فإن مبرر وجودها في أفغانستان والعراق يكون قد انتهى إذاً، وعليها حينئذ الخروج من الدول التي احتلتها تحت عنوان "الحرب على الارهاب"، وإلا فإنها ستثبت مجدداً أن مشروعها في الشرق الأوسط أكبر من وجود بن لادن، ويمتد إلى محاربة المقاومات الموجودة.
وأكد النقاش أن "أميركا ستستخدم تنظيم القاعدة كحجة للإبقاء على وجودها في الشرق الأوسط بعد مقتل بن لادن، وأن مقتل بن لادن لا يعني انتهاء تنظيم القاعدة، وبالتالي ستجد مبررا لها لعدم الخروج من أفغانستان والعراق، وهذا ما أكدته وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في تعقيبها على مقتل أسامة بن لادن".
ورأى أنيس النقاش في حديثه لموقع "الانتقاد" أن "رد حركة طالبان على مقتل بن لادن بدأ مع الحملة التي أعلنتها هذا الأسبوع"، معتبرا ان "ردها سيكون عنيفاً جداً لأنها تريد أن تعود الى الساحة الأفغانية بقوة وبشروطها التي تريدها".
وخلص النقاش إلى أنه "بعد عشر سنوات سنقرأ في الكتب، أن واشنطن تذرعت بعد أحداث 11 أيلول 2001 بالحرب على الإرهاب على أفغانستان والعراق، وأن نتيجة هذه الحروب كانت الفشل الذريع، بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية التي عصفت بالولايات المتحدة الأميركية، لافتاً الى أنه "بمقتل بن لادن يظهر أن الضربة الإستراتيجية وقعت، وهي جر أميركا الى حروب مثل الحرب الفيتنامية، ومشيراً الى أنه "إذا أرادت اميركا الخروج من الشرق الأوسط ومن أفغانستان على وجه الخصوص فان ذلك سيكون بالاتفاق مع الجميع لاسيما مع حركة طالبان، وهذا لا يشكل عظمة وانتصاراً لأميركا".
غسان العزّي: توقيت مقتل بن لادن جاء لأهداف انتخابية بحتة
بدوره رأى الخبير في الشؤون الاستراتيجية والأميركية الدكتور غسان العزّي، أن "هناك تضخيما كبيرا لأهمية تنظيم القاعدة بوسائل الإعلام الغربية على وجه الخصوص"، لافتاً الى أن "هذا التضخيم الإعلامي للقاعدة لطالما استخدم للحرب الأميركية على الإرهاب التي شنها جورج بوش على أساس ما سماه الحرب الصليبية على الإرهاب"، ومشيراً الى أن "القاعدة كانت تُستخدم في كل مناسبة لتحقيق الأهداف التي يريدها المحافظون الجدد".
وأشار العزّي الى أن "إستراتجية أوباما مغايرة لجورج بوش، وهو أعلن انتهاء الحرب على الإرهاب التي بدأها المحافظون الجدد وجورج بوش، ولم يعد يجري استخدام بن لادن وتنظيم القاعدة في السياسة الخارجية لأميركا، بل أصبح هذا الموضوع خدمة لأوباما في سياسته الانتخابية، مؤكداً أن "توقيت مقتل بن لادن جاء لأهداف انتخابية بحتة، وخصوصا ان الانتخابات الرئاسية على الأبواب ومن اجل ان يقول اوباما إني قتلت بن لادن، ويسوّق ذلك في برنامجه الانتخابي".
وحول الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط بعد مقتل بن لادن، قال العزّي إن "وجود أميركا في أفغانستان والعراق (الشرق الاوسط) ليس له أي مبرر أصلاً، لا بوجود بن لادن ولا من دونه، ولو بقي بن لادن حيا أو حتى قُتل فإنه لن يؤثر على الوجود الأميركي"، مؤكداً أن "أميركا في عهد أوباما تبحث فعلا عن الخروج من مأزق أفغانستان والعراق، ولكن بخروج يحفظ بالحد الأدنى ماء الوجه".
وأوضح العزّي في معرض حديثه لـ"الانتقاد" أن "أميركا اعترفت بأن حرب أفغانستان خاسرة، معتبرا أن "هناك نية أميركة بالانسحاب من هذا البلد من دون أن يُتهم أوباما بالخسارة، أو أن تترك أميركا البلد في حالة حرب أهلية"، مشيراً الى أن "الأميركيين سينسحبون من خلال توقيع اتفاقيات مثل ما حصل في العراق"، لافتاً الى أن " انسحابهم سيوفر عليهم خسائر مالية وبشرية، كما ان انسحابهم سيكون مُجدياً لهم أكثر من وجودهم".
وأضاف العزّي ان "مقتل بن لادن قد يعتبر مجرد انتصار رمزي، لكنه لا يؤدّي إلى شيء في ميزان القوى، ولا يعتبر انتصارا من الناحية العملية، وذلك لأن تنظيم القاعدة لا يشكل قوة عظمى بوجه الولايات المتحدة كما يتم تصويره في وسائل الإعلام، مشيراً الى أن "تنظيم القاعدة لا يشكل أي خطر ولا يشكل أي مبرر لوجود أميركي أو ذريعة لأهداف أميركية".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018