ارشيف من :أخبار لبنانية
زمان انسحاب الرئيس المكلّف؟
فداء عيتاني - صحيفة "الاخبار"
حين طرح رئيس تكتّل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون اسم بول مطر وزيراً للداخلية، كان الرجل يعيد المفاوضات في متاهة التشكيلة الحكومية إلى بداياتها. وبحسب من سرّبوا النبأ، فإن رئيس الجمهورية لم يرفض الاسم، ولكن مبدأ من يسمّي وزير داخلية بديلاً ومن يوافق عليه.
كان المطلوب الوصول إلى تسوية تحفظ ماء وجهي الرجلين، الميشالين، عون وسليمان، ولكن واضح أن الجنرال لا يرغب في التراجع قيد أنملة أمام رئيس الجمهورية، وله في ذلك منطق متماسك.
ومن ناحيته، يمكن رئيس الحكومة المكلّف أن يبدأ التفكير في التنحّي، أو في سحب الثقة به ممّن صوّتوا له من النواب والكتل، وقد حقق حتى اليوم حضوراً وفق ما يرغب ويشتهي، وإن كانت نعمة السلطة لم تكتمل بين يديه، إلا أن ما حصل عليه يمكّنه من مضاعفة رصيده السياسي بعد طول عناد وإصرار على مواقفه.
ويمكنه أن يعيد التخطيط لإطلاق حكومة أمر واقع، أو حكومة تكنوقراط، فخياراته لا تزال، كما يبدو، نفسها.
إلا أن ما يمنعه من ذلك أكثر ممّا يشجعه عليه هو أنّه يعرف أنه لن يترك ظهر دمشق مفتوحاً في لحظة مشابهة، وهو لن يقدم على ما يحرج حزب الله، أو حتى يفاجئ ميشال عون، على الرغم من رأي عون والتيار بالرجل. وهو في كل الأحوال أتى ليخفض نسب التوتر بحسب ما يرى دوره، ولن يعمد إلى تسعير التوتر في هذا الجانب، فيما يحاول إخماده في الجانب الآخر.
وهناك احتمالات أن تواجه حكومة أمر واقع باستقالة ممثّلي ميشال عون، كذلك فإنها لن تمر في المجلس النيابي إلا إذا صوّتت لمصلحتها مجموعة من نواب 14 آذار، وهو سراب، وخاصة أن مشروع 14 آذار اليوم هو إسقاط نجيب ميقاتي تحديداً وشخصياً.
ولن يحرج ميقاتي حزب الله، وهو نال من أمينه العام كل تعاون. فالذهاب في حكومة تكنوقراط سيعني أيضاً محاولة الخروج بأقل الخسائر في المدى المنظور، أو بأكبر المكاسب الممكنة لميقاتي، وإن كان الأمر ليس بالصورة عينها للباقين.
والمخارج التي يحاول ميقاتي إيجادها لا تلائم ميشال عون، وبالتالي تتعقّد الأمور هنا. وبعد كل جولة تعقيد يعود إطلاق الاتهامات باتجاه من يعرقل تأليف الحكومة. فحيناً هي نتيجة نصائح سعودية لميقاتي بعدم التأليف الآن، ولمن يعلم فإن ميقاتي سمع كلاماً سعودياً واضحاً وواحداً بشأن ضرورة عدم إيجاد فتنة سنيّة سنيّة، وهو بحسب ميقاتي لن يحصل، وخاصة أن مشروعه هو إطفاء الفتن.
وحيناً تخرج مقولة أن الولايات المتحدة تهدّد مصالح ميقاتي في حال تأليفه حكومة لا تضم قوى 14 آذار، إلا أن مشروع الحكومة الحالية، منذ ما قبل تكليف ميقاتي بها، لم يكن يحتمل وجود قوى 14 آذار، كذلك فإن إسقاط حكومة سعد الحريري كان موجهاً لإحراجه أمام الرئيس الأميركي، ولإحراج الأميركيين، وبالتالي فإن من يوافق على تأليف حكومة من بعده عليه أن يدرك جيداً هذا المعطى الأساسي.
والإشارة إلى أن الولايات المتحدة يمكنها أن تضرّ بمصالح ميقاتي المالية يبدو أنها غير دقيقة. يمكن واشنطن طبعاً ضرب اقتصاد هامشي لدولة تعتمد على المصارف، وهي أرسلت رسالة في هذا السياق، وأما المصالح المالية لميقاتي، فالله وحده يعلم أين هي، أفي الشرق الأقصى أم في أفريقيا، ولكنها حتماً ليست متركّزة في واشنطن، أو في نواحي مانهاتن.
أما مقولة انتظار التغيير في النظام السوري، فربما كانت التهمة الأقرب إلى المنطق، وخاصة أن شقيق ميقاتي، طه ميقاتي، يستمر بزيارة الرئيس السوري بمعدلات شبه أسبوعية، لعل وعسى يلمس منه إشارة إلى انهيار النظام هناك حتى يسهل للرئيس المكلف في بيروت تأليف حكومته، من دون إبرام صفقة مع ميشال عون، ومن دون تهميش دور رئيس الجمهورية، الهامشي أصلاً.
وتبقى الدائرة مغلقة ما بين عناد رئيس الجمهورية لتحصيل كل ما يمكن تحصيله من مكاسب، في مواجهة عناد عون الذي لا يزال يقصف من الرابية في اتجاه قصر بعبدا، وأحياناً نحو مقر الرئيس المكلف في فردان، بينما الكثيرون لا يصدقون أن الخلاف ينحصر في وزارة داخلية ومن سيسمّي وزيرها، إذ إن المرجح ـــــ إضافة إلى العوامل الخارجية ـــــ أن الخلاف لا يزال على مبدأ الحكومة المنوي تأليفها، بعد كل هذا الوقت من التفاوض.
يبقى أن قوى الأكثرية الجديدة، بصفتها تصدّت للحكم وممارسة السلطة، تحمل مسؤولية كبرى في حل المشكلات الناجمة عن خياراتها، وخاصة المتعلقة بتسيير شؤون الناس، وربما آن الأوان لهذه القوى لكي تجتمع بدعوة من الأمين العام لحزب الله، وأن تقرر ما إذا كان الوقت قد حان لتأليف حكومة أو أن الزمان هو لرحيل رئيس مكلف عنيد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018