ارشيف من :أخبار لبنانية

"كوتا" الرئيس الحكومية

"كوتا" الرئيس الحكومية

الياس سابا، السفير

إن الكلام عن حصة لرئيس الجمهورية في الحكومة وعن وزراء يمثلونه هرطقة دستورية وانقلاب على اتفاق الطائف ودستوره وعلى مفهوم نظام لبنان السياسي. وإذا كان الأمر قد حصل في السابق، فهذا لا يعني إطلاقاً أنه غير مخالف لنصوص ولروحية الدستور، أو أننا يجب أن نستمر في انتهاج الخطأ!

ينص الدستور على أن «لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية...» (مقدمة الدستور، فقرة ج) وأن «رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن. يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه...» (مادة 49، دستور). أي أن الأساس هو أن رئيس الجمهورية يلي الأحكام ولا يحكم مباشرة. إذاً، من أين أتت فكرة حصة رئيس الجمهورية في الحكومة؟

إذا استثنينا العرف الغلط الذي اتّبع، خاصة بعد اتفاق الدوحة. واستندنا إلى النصوص الدستورية وروحيتها وإلى نظام لبنان الديموقراطي البرلماني، فإننا نجد بوضوح أن ليس لرئيس الجمهورية حصة وزارية في الحكومة، وبالتالي لا يجوز أن يتم تعيين وزراء يمثلون رئيس الجمهورية ويكونون محسوبين عليه! ويسوق القائلون بأحقية الرئيس بحصة وزارية سندين لدعم صحة ادعائهم: السند الأول ما تنص عليه المادة 49 من الدستور من أن رئيس الجمهورية «... يرأس المجلس الأعلى للدفاع، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة...» ليستنتجوا أن للرئيس الحق الدستوري في اختيار وزيري الدفاع الوطني والداخلية! غير أن هؤلاء يتناسون تتمة المادة نفسها (49) التي تعود لتقول إن الرئيس وإن كان القائد الأعلى للقوات المسلحة إلا أن هذه القوات «... تخضع لسلطة مجلس الوزراء»!!! والنص نفسه يعود ويتكرر في المادة 65 من الدستور التي جاء فيها أن مجلس الوزراء «... هو السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة...»!!! (نحن لا نفهم كيف وفّق المشترع فيما بين هذه النصوص المتعارضة). وللتأكيد على صلاحيات مجلس الوزراء (وليس الرئيس) في مجال ممارسة السلطات الإجرائية، تنص المادة 65 من الدستور على أن «تناط السلطة الإجرائية لمجلس الوزراء...» الذي من صلاحياته «وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات...» (فقرة 1) و«السهر على تنفيذ القوانين والأنظمة والإشراف على أعمال كل أجهزة الدولة من إدارات ومؤسسات مدنية وعسكرية وأمنية بلا استثناء» (فقرة 2). وهكذا ينكشف بطلان صحة هذا السند.

أما السند الثاني فيكمن في المادة 53 من الدستور (فقرة 4) التي تنص على أن رئيس الجمهورية «يُصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة...». وهكذا، يقول المدعون بحق الرئيس بحصة وزارية أنه إذا كان لا رأي مباشراً له في تكليف الشخصية التي سيُعهد إليها تأليف الحكومة، باعتبار أن هذه الصلاحية تعود للنواب، إلا أنه لا يمكن أن تؤلف الحكومة وتصدر مراسيم تشكيلها إلا إذا تم التوافق على أسماء جميع وزرائها (باستثناء رئيسها) فيما بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف. أي أن الدستور يعطي الرئيس الحق الدستوري المطلق في قبول أو عدم قبول إصدار مراسيم تشكيل الحكومة. إلى هنا ونحن بكل تواضع نقبل صحة هذا التفسير. ولكن، أن ننتقل من هذا للقول إن ذلك يعطي الرئيس الحق في أن يكون له حصة من الوزراء فإننا نكون كمن يريد أن يعطي الرئيس مكافأة أو أجراً مقابل توقيعه، معاذ الله! إن الدستور، عندما أناط برئيس الجمهورية هذه الصلاحية فلأنه أراد أن يعطيه الحق المطلق في قبول أو رفض اسم أي وزير من الوزراء، من غير أن يقيَّد هذا الحق بأي قيد أو شرط أو اعتبار مهما كان نوعه، ومن غير أن يرتبط بمهلة زمنية أيضاً! أي أن الدستور اعتبر أن رئيس الجمهورية يشكّل الضمانة الأخيرة لنوعية الوزراء، باعتبار أنه يُفترض به أن يكون فوق الأحزاب والكتل النيابية والتجمعات السياسية وفوق جميع الأفرقاء.

كما أنه يفترض به أن يكون زاهداً في المزيد من السلطة وأن لا تكون له مصالح خاصة طالما أنه قد وصل إلى رأس الهرم السياسي وطالما أن الدستور يمنع تجديد أو تمديد ولايته!!؟؟ هذا هو المغزى الفعلي في الحق الدستوري غير المقيّد حتى بالمهلة الزمنية الذي يعطيه الدستور لرئيس الجمهورية في عملية تأليف الحكومة. ومن غير الجائز أن تُقزّم هذه الصلاحيات وأن تُصغّر هذه المكانة الرفيعة للدخول في مفاوضات (حتى لا نقول مساومات) حول حصة الرئيس من الوزراء ونوعية الحقائب الوزارية. ذلك أنه من الطبيعي أن الرئيس إذا دخل في مفاوضات على حصته فإنه لا بد وأن يخسر من موقعه السامي والمتقدم ومن صلاحياته غير المحدودة في رفض أو قبول اسم أي مرشح لدخول الوزارة إذا لم يستوف هذا الاسم الشروط الموضوعية (والموحّدة!) التي للرئيس أن يضعها كشرط مسبق وإذن مرور لازم لتولي الوزارة. وهكذا يكون الدستور قد أناط بالنواب صلاحية اختيار الرئيس المكلف وأعطى رئيس الجمهورية بالاتفاق مع الرئيس المكلف صلاحية اختيار الوزراء. ومن الواضح أن العبء الأخلاقي والمعنوي والسياسي الوطني في اختيار الوزراء يقع بالدرجة الأولى على رئيس الجمهورية لأن الرئيس المكلف لا بدّ وأن يكون عرضة لشتى الضغوط السياسية وغير السياسية أيضاً! ومثل هذا الدور لرئيس الجمهورية هو تحديداً ما تؤكّد عليه نصوص وروحية اتفاق الطائف ودستوره.

نعود للكلام في الأساس. ألا يتعارض وجود وزراء لرئيس الجمهورية مع نظام لبنان السياسي كجمهورية ديموقراطية برلمانية؟ وكيف يمكن أن يتوافق ذلك مع نص المادة 66 من الدستور التي تقول «يتحمل الوزراء إجمالياً تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة ويتحمّلون إفرادياً تبعة أفعالهم الشخصية»، وكذلك مع ما تنص عليه المادة 68 من الدستور من حق المجلس النيابي بسحب ثقته من أحد الوزراء؟ فكيف يجوز للمجلس أن يقرّر عدم ثقته بوزير هو ممثل لرئيس الجمهورية؟ وكيف يجوز أن يتحمّل الوزير المعني هذه المسؤولية بسبب تصرفات قد لا يكون هو مسؤولاً عنها شخصياً؟ وكيف يمكن أن تسحب الثقة ممن هو وراء الوزير، أي الرئيس، في ظل ما تنص عليه المادة 60 من الدستور من أن «لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى»؟

أخيراً، نشير إلى المادة 65 من الدستور التي تنيط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء مجتمعاً، والذي يمكنه أن يدير دفة الحكم بالكامل حتى لو لم يحضر رئيس الجمهورية أياً من جلساته. كما نلفت إلى نص المادة 49 من الدستور (فقرة 1) التي تقول «يترأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء عندما يشاء من دون أن يشارك في التصويت»! فإذا كان لا يحق لرئيس الجمهورية متى كان حاضراً جلسة مجلس الوزراء أن يشارك في التصويت، وإذا كانت السلطة الإجرائية المناطة بمجلس الوزراء مجتمعاً بغير حاجة لحضور الرئيس، فكيف يمكن للدستور أن يمنع على الأصيل أن يشارك في التصويت فيما يسمح للوكيل أن يصوّت؟؟ واضح أن الأساس هو أن لا وزراء لرئيس الجمهورية!!!

2011-05-06