ارشيف من :أخبار لبنانية
أسئلة حول الصيغة الثالثة للقرار الاتهامي .. في التوقيت والأهداف: هل «التعديلات» لها علاقة بما يجري في سوريا؟
في 17 كانون الثاني 2011 أحال المدعي العام للمحكمة الدولية دانيال بيلمار قراره الاتهامي إلى قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين، مرفقا بما سماه بيلمار آنذاك بـ«العناصر المؤيدة»!
وبعد 51 يوما اي في 11 آذار 2011، أعلن بيلمار انه احال الى فرانسين قرارا اتهاميا معدلا وسع فيه نطاق الاتهام، وأوضح انه توصل الى هذا القرار المعدل من خلال ما سماه بيلمار «عملية جمع وتحليل مزيد من الأدلة»!
وبعد 57 يوما، أي في 6 ايار 2011 أعلن بيلمار انه أحال إلى فرانسين ما سمه «قرارا اتهاميا يحل محل قرار الاتهام المؤرخ في 11 آذار لإضافة عناصر أساسية جديدة، لم تتوفر لديه من قبل»!
كما هو واضح ان القرار الاتهامي مرّ بثلاث محطات، والمفارقة الواضحة وربما المريبة هي ان قرارا استلزم اعداده ما يزيد عن سنتين، ينسف مرتين ويتعرض لـ«تغييرين» خلال اربعة اشهر، بمعدل تغيير كل شهرين، وهناك فقرة في البيان الاخير للمحكمة الدولية تشير الى ان انجاز المهمة غير خاضع لجدول زمني وقد يستغرق اشهرا، وليس ثمة ما يضمن الا تبقى «قاعدة التغيير» سارية المفعول في الاشهر المقبلة، في ظل الغموض الذي يكتنف مسار القرار الاتهامي، سواء بصيغته الاولى التي استلزم اعدادها ما يزيد عن سنتين، وما لبثت ان نسفت بعد 51 يوما من احالتها الى فرانسين في 17 كانون الثاني، او بصيغته الثانية التي نسفت بدورها بعد 57 يوما من احالتها الى فرانسين ايضا، او بصيغته الثالثة التي ليس ما يضمن الا تنسف كسابقتيها وربما بعد شهرين بحسب التوقيت المعتمد للتغيير!
على ان السؤال الاكثر الحاحا في هذا السياق هو: ما دام القرار الاتهامي قابلا للتغيير، ولأن يقدم بصيغة جديدة بين حين وآخر، فلماذا استعجل بيلمار وأحاله من البداية الى فرانسين، ولماذا لم يتركه في حوزته الى حين اكتماله؟
ما من شك ان التغيير المتتالي سواء فرضته «عناصر مؤيدة لتوسيع نطاق الاتهام تم التوصل اليها نتيجة جمع وتحليل مزيد من الأدلة» بحسب التبريرات التي رافقت القرار الثاني في 11 آذار، او فرضته «اضافة عناصر اساسية « بحسب تبريرات القرار الثاني في 6 ايار، لا يسجل لمصلحة القرار بصرف النظر عن مضمونه الاتهامي او عن مصداقيته وعدمها، بل يسجل ضده، ذلك انه يعطي اشارات غير مباشرة الى عدم اكتماله وربما الى هشاشة الاسس الاتهامية التي يرتكز عليها.
وما ينبغي التوقف عنده مليا، هو ان بيلمار لم يوضح اسباب التغيير، فاكتفى في 11 آذار بالحديث عن «عناصر مؤيدة»، وفي 6 أيار اشار الى «عناصر اساسية جديدة»، مؤكدا في كلا التغييرين انه هو وحده صاحب مبادرة التغيير، فيما دور قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين غامض او غائب وكأن لا دور له، وقد يكون ذلك صحيحا، كما قد لا يكون صحيحا ايضا، خاصة مع ما ابلغه دبلوماسي غربي لمستويات سياسية ورسمية لبنانية غداة احالة القرار الثاني في 11 آذار من «ان بيلمار لم يسترد قراره، الذي احاله في 17 كانون الثاني، بل ان فرانسين لم يقتنع بمضمونه ولا بالأدلة والقرائن التي ساقها، فسارع الى رده الى بيلمار، الذي عاد وأرسل قراراً معدلاً تحت عنوان «توسيع نطاق الاتهام». فهل معنى ذلك ان فرانسين رد قرار بيلمار مرة ثانية ما حمله الى احالة قرار ثالث في 6 ايار؟
وبمعزل عن مضمون القرار والتبريرات غير الواضحة لبيلمار والمحكمة، فإن التوقيت يبقى الاساس، خاصة أن الاعلان عن القرار الجديد قبل يومين، هو كما بالنسبة للقرارين السابقين، خطوة تحيطها علامات استفهام كثيرة، خاصة ان المصادفة الملتبسة مع القرار الاول في 17 كانون الثاني، كانت في احالته الى فرانسين بالتزامن مع استشارات التكليف وحماوة المعركة بين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، كما ان المصادفة الملتبسة مع القرار الثاني كانت في تزامن احالته الى فرانسين في 11 آذار مرفقا بعناصر مؤيدة توسع نطاق الاتهام، قبل يومين من التجمع الشعبي الذي دعا اليه الرئيس سعد الحريري وفريقه في 13 آذار في ساحة الشهداء. وأمام هاتين المصادفتين السابقتين تبرز التساؤلات التالية:
اولا: هل ان قرار 6 ايار بريء من المصادفات ام انه يلاقي امرا ما يزال مخفيا، علما ان هناك في لبنان، سياسيون وغير سياسيين، ومن بينهم من هم معنيون مباشرة بالقرار الاتهامي، قد توقعوا قبل نحو عشرة ايام ان يعود القرار الاتهامي الى التحرّك مجددا على ساحة لبنان؟
ثانيا: هل ان الهدف من «قرار 6 ايار» والحديث عن «عناصر اساسية»، وضع المزيد من العراقيل في طريق تشكيل حكومة جديدة في لبنان بمعزل عن الفريق الذي اخرج من السلطة؟
ثالثا: هل ان الهدف من الاعلان عن «قرار 6 ايار» الآن، اعادة السجال الداخلي اللبناني الى مساحة سبق ان استطاع لبنان ان يتجاوزها مع اسقاط حكومة الحريري وتكليف ميقاتي، وبالتالي اعادة انتاج التوتر بين الاطراف اللبنانية وإعادة بناء الجبهات والمتاريس السياسية والمذهبية؟
رابعا: هل ان الهدف من «قرار 6 ايار» اعادة خلط الاوراق سياسيا في لبنان، ومحاولة تعزيز مواقع فريق معين، سبق وانكفأ بعد نكسات اصابته وأصبح في خلفية المشهد السياسي الداخلي وبالتالي اعادة استحضار هذا الفريق الى نقطة المركز في المشهد السياسي الداخلي؟
خامسا: هل ان هدف «قرار 6 ايار» ينطوي على محاولة جديدة للضغط على «حزب الله» ونقله من منطقة الهجوم الى منطقة الدفاع من خلال العودة الى استحضار نغمة تورطه في اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
سادسا: هل ان الهدف من «قرار 6 ايار» اعادة انتاج او تسعير مناخات لبنانية كامنة منذ اشهر، لالقاء لبنان في أتون التوتر المتعدد الاوصاف السياسية والطائفية والمذهبية وربما الامنية، وإخراجه من حال التماسك التي بدت اكبر من كل بقية الدول العربية في لحظة الثورات العربية المتدحرجة في هذه الدولة العربية او تلك. خاصة أن لبنان الذي كان الاكثر خللا في الماضي، كان الاكثر تماسكا وهدوءا في لحظة الاضطراب العربي؟
سابعا: هل ان لـ«قرار 6 ايار» علاقة بالوضع في سوريا، وهل ان اسقاطه على المسرح اللبناني اولا، مقدمة لاسقاطه على الحدث وتسليطه على سوريا كورقة استثمار في الحدث السوري وكواحدة من اوراق الضغط على سوريا في هذه اللحظة الحساسة من تاريخها، سواء على المستوى الداخلي او على مستوى علاقاتها مع العرب ودول الجوار، وكذلك على مستوى علاقتها مع الغرب، والتي تهدف، اي اوراق الضغط، الى تطويعها والتلويح بخيارات اخطر تتجاوز منطق التطويع؟
ثامنا: هل صحيح ما يقال عن ان «قرار 6 ايار» يتضمن من بين ما يتضمن، اسماء لشخصيات سورية ورد البعض منها في جدول العقوبات الاميركية الاوروبية التي فرضت قبل ايام على شخصيات سورية؟
تاسعا: هل ان «قرار 6 ايار» هو مقطع من سيناريو اتهامي جديد ضد سوريا، يمهد للاعلان رسميا عن مضمون القرار الاتهامي النهائي خلال فترة يقال انها قد لا تتجاوز نهاية الشهر الجاري، وهل ان ما يجري في سوريا حاليا، وخاصة تضخيم الاحداث واتهام بعض الفضائيات نظام الرئيس بشار الاسد بقتل الشعب السوري، هو في جانب اساسي منه تحضير للمسرح السوري للاتهام، وتعبئة الشعب السوري ضد النظام وإيجاد قابلية لديه لتلقي الاتهام عبر ترسيخ مقولة جهنمية مفادها ان من يقتل شعبه، لا يتوانى عن قتل رفيق الحريري، ان لم يكن بالتنفيذ المباشر فبالشراكة اللوجستية او الاستخبارية، وإن لم يكن كذلك فبغض النظر عن تلك الجريمة؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018