ارشيف من :أخبار لبنانية
المحكمة تقطع جسر الثقة بها.. وبيلمار ينسفه
علي الموسوي - "السفير"
مهما حاول المسؤولون في المحكمة الخاصة بلبنان التقليل من خطورتها، فإنّهم عاجزون عن ترميم ثقة مفقودة لفريق لبناني كبير بها، لطالما اعتبرها باروداً متفجّراً لإشعال فتنة قد لا تبقي أحداً، في ظلّ تراكم الشبهات حول القرار الاتهامي المنوي صدوره، ونظرة المحكمة غير السويّة إلى ملفّ شهود الزور، فكيف يمكن لهذه المحكمة أن تعيد بناء جسر الثقة مع شريحة كبيرة من اللبنانيين لا يطمئنون لها ولا يستأنسون بوجودها، ويعتبرونها بوّابة للقلق الدائم والمفتوح على خيارات لا قدرة لبلدهم الصغير على تحمّلها، كما أنّهم يعتبرونها مفتاحاً للقضاء على المقاومة التي كانت على تناغم كبير مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري في السنوات السابقة لاغتياله في 14 شباط 2005.
فقد طرحت أسئلة كثيرة على مسؤولي المحكمة في مناسبات مختلفة، لكنّهم لم يفلحوا في تقديم أجوبة مقنعة عليها، لتبديد هواجسها وتأطيرها بالشكل المطلوب، بل على العكس، فإنّ التفاف بعض المسؤولين على كثير من الأسئلة والاستفسارات التي وجّهت إليهم مباشرة، أو عبر وسائل الإعلام، ولم تلق الاهتمام اللازم، زادت من منسوب الشكوك، وهو أمر غير صحّي، وينذر بمشاكل وتداعيات كثيرة في المستقبل. فالمحكمة، والمقصود قضاتها في مختلف مراكزهم، تعاطوا بكثير من السلبية مع الأسئلة العديدة التي صوّبها باتجاههم الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله في غير خطاب وإطلالة تلفزيونية، عدا الأسئلة الكبيرة التي ساقها اللواء الركن جميل السيّد في مؤتمراته الصحافية وبياناته الإعلامية، وأسئلة وكلاء الدفاع عن الضبّاط الأربعة، وما تواتر في أذهان الرأي العام اللبناني والعربي والدولي من تساؤلات تغاضت المحكمة عنها أيضاً، معتقدة أنّ التجاهل أقصر الطرق إلى النسيان، وهذا شيء خطر، ويؤذي مصداقية المحكمة داخلياً وخارجياً.
فالسؤال الجوهري: هل تلقت المحكمة، وأقلّه، المدعي العام لديها القاضي دانيال بيلمار، معلومات من إسرائيل؟ وما هي هذه المعلومات في حال وجودها؟ وكيف تحقّقت من صحّتها ودقّتها؟ وهل قام بيلمار وفريق عمله بالتحقيق مع مسؤولين إسرائيليين؟ ولماذا لم يعلن عن ذلك على غرار ما فعل سلفه في رئاسة لجنة التحقيق الدولية الألماني ديتليف ميليس عندما حقّق مع ضبّاط سوريين في فيينا فأقام الدنيا إعلامياً، ولم يقعدها؟ وألا يعتقد بيلمار أنّ الإفصاح عن حصول تحقيق مع إسرائيليين حول فرضيات عديدة طرحت وقابلة للنقاش ولإمكانية التحقّق في ظلّ توافر قدرات أمنية وعسكرية كبيرة لدى الإسرائيليين العائمين على بحور من العمليات الأمنية المتقنة وجرائم الاغتيالات المروّعة في غير بلد من العالم، يريح اللبنانيين ويزيل الكثير من الالتباسات؟ وكيف يقبل بيلمار بتعاون السلطات الفرنسية معه لإحكام الطوق على سوريا، فيما باريس رفضت التعاون معه، ومع لجنة التحقيق الدولية، ومع القضاء اللبناني، بشأن تسليم الشاهد السوري زهير محمّد الصدّيق خلال إقامته فيها، وسهّلت فراره إلى خارج أراضيها في تواطؤ دولي مدروس لإبقاء قضيّة 14 شباط 2005 سيفاً مصلّتاً في السياسة، على رقاب رافضي الانضواء تحت العباءة الأميركية، إلى أن يحصل العكس؟ وكيف يفسّر بيلمار للبنانيين وقوفه على خاطر المسؤولين في السفارة الأميركية في لبنان وانقياده لمخطّطاتهم، وهو ما أظهرته وثائق "ويكيليكس" ليتبيّن معها ضعف مواقفه القانونية في أيّة مسألة قانونية تناولها سابقاً وقد يقاربها في المستقبل، إزاء انفضاح اتصالاته بالسفارة المذكورة؟ وكيف يأمن بيلمار شرّ التسريبات المستقاة من تحقيقاته ومستنداته عن وقائع وأمور صحيحة وباتت مكشوفة وبيد الرأي العام؟ وماذا فعل بمن تاجر بها أو كانت له اليد الطولى بتسريبها؟ ولماذا لم نسمع بدفعه أيّ شخص من المتورّطين بإذاعتها إلى الاستقالة كما فعل مع آخرين؟ فهل غضّ الطرف مؤقّتاً لتمريرها خشية أن تكبر أكثر وأكثر؟ ولمصلحة من يدمّر بيلمار الثقة بالمحكمة الخاصة بلبنان ويُرْكِبها موجات سياسية فاقعة لا قدرة لها على مجاراتها؟ ألا يدرك بيلمار أنّه ليس من العدل والإنصاف، رهن بلد بكامله لتحقيق لا يعرف أحد متى ينتهي، ومتى يتوّج بالخاتمة السعيدة بكشف قتلة رفيق الحريري الحقيقيين وليس البدلاء؟ وألا يعتقد بيلمار أنّ التلاعب بقضيّة كبيرة وجريمة أعطيت صفة الدولية، وتجييرها باللعبة السياسية القذرة، أخطر من العبث بمسرحها وأوجع من طمس معالمها؟ ليتك يا سيّد بيلمار، تجيب مرّة واحدة عن سؤال يتردّد على ألسنة كثيرين من اللبنانيين، فتفرحهم بجواب مقنع، ولا تقف متفرّجاً ومكتوف الأيدي كمن ينتظر الانتهاء من الذبيحة للمشاركة في مائدتها!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018