ارشيف من :أخبار لبنانية
ميقاتي "أبو الحكومة" .. خاسر أكبر في لعبة "الجنرالين"
تعقدت الحكومة مجددا، والحيرة تضرب اللبنانيين الباحثين عمن يقول الحقيقة ويفك طلاسم التعطيل المستمر منذ مئة وعشرة ايام بالتمام والكمال، فلا يجدونه! تارة يقال ان التعطيل داخلي، وخلفه جبل من التعقيدات والمطالب والشروط التي لا تنتهي. وتبدو أصدق تجلياته بـ"حرب الالغاء" المشتعلة بين "جنرالين" أولهما يسعى الى تعزيز حضور مسيحي أو تعويض صلاحيات مفقودة، وثانيهما يريد، ولألف سبب وسبب، ان يقطع شرايين الحياة السياسية كلها عمن يعتبر ان لا حق له ولو بـ"قضمة "في جبنة التمثيل المسيحي. وتارة ثانية يقال ان التعطيل خارجي، وان هناك من يدعس على رجل هذا الرئيس او ذاك، أو هذا الطرف أو ذاك وان هناك استجابة لتلك "الدعسة" كما يقال، وليس الظهور المفاجئ للسفيرة الاميركية مورا كونيللي سوى تظهير للدور الاميركي التعطيلي لولادة الحكومة الميقاتية، فهل هي مصادفة ان يسقط "تفاهم الداخلية" فورا بعد ظهور كونيللي؟ الرئيس نبيه بري تفاءل بالخير فلم يجده، وبدل ان يترجم عنوان "قربت تنحل" كما توقع قبل ايام، تعقدت اكثر ولم يعد يرى افقا لتأليف الحكومة، وصار يفكر جديا بالدعوة الى جلسة نيابية عامة على قاعدة التكيف مع احتمال أن يكون الفراغ مستديما. و"حزب الله" المحرج يريد تشكيل الحكومة في اسرع وقت، لكنه لا يريد ان "يزعل" عون على اساس "ان ما يطالب به الجنرال حق دستوري لا نقاش فيه". واما وليد جنبلاط فلصرخته الاخيرة "هزات ارتدادية" اعنف في مجالسه، فمن سيبق البحصة اولا، بري المستاء، ام "حزب الله" المحرج، ام جنبلاط المتوجس، وهناك من يقول انه قد لا يمضي وقت طويل الا وتجده اتبع تلك الصرخة الاخيرة التي اطلقها في وجه الاكثرية الجديدة كجرعة تحريضية على التعجيل لا التعطيل بصرخة ثانية مثلها او ربما اعلى منها واعنف؟ أين نجيب ميقاتي؟ يبدو الرئيس المكلف في مقدمة المشهد، كمن يسير بين نقاط التعطيل والتعقيد، محاولا تجاوزها، فعينه على حكومة ضائعة في لعبة "جنرالين"، تنقذه من احراج بات يشعر به كلما تلقى ذاك السؤال :"يا دولة الرئيس متى ستشكل الحكومة"؟ لا يستطيع ميقاتي ان يجيب على هذا السؤال، فليس في الامكان تحديد موعد خاص وان الامور عادت مع سقوط "تفاهم الداخلية" الى نقطة الصفر، اذ "لم تكن مفيدة ابدا تلك الطريقة التي اعتمدت في تظهير ما تم التوافق عليه في شأن "الداخلية"، فلولا التسريب لما اطيح بالتفاهم" في اشارة مبطنة الى استعجال قناة "المنار" وبقرار سياسي بتظهير التفاهم ولو أنها لم تأت على ذكر الاسم الذي تولى تظهيره "البرتقاليون" اعلاما ونوابا. ما من شك ان ميقاتي ومن موقعه كرئيس مكلف، مطالب اكثر من غيره بالتعجيل، لكن اليد لا تصفق وحدها، وهو في الوقت ذاته يدرك ان في التأخير خسارة على البلد وعلى الجميع من دون استثناء، واما الخسارة الكبرى فتقع عليه وحده، وقد يعتبر نفسه اكثر الخاسرين، خاصة في ظل التعقيدات التي تتوالد، والجبهات السياسية التي تزداد تأزما يوما بعد يوم، وفي ظل تلك العقلية التي باتت تحترف سياسة التشاطر لتحقيق مكتسبات، وتقارب "الحكومة الميقاتية" على انها عبارة عن "مقاطعات" سياسية ، مذهبية، يتوزعها الفرقاء السياسيون وكل واحد يحجز حصته فيها ويختارها على قاعدة : "ما لي هو لي وما لكم لي ولكم". ميقاتي الذي يرفض "حكومة المقاطعات"، يريد حكومة حمائم منتجة لا حكومة صقور متقاتلة، ولا يعير اذنه لمرابض القصف السياسي عليه، خاصة تلك التي تتهمه بالمماطلة وتعمد تضييع الوقت في انتظار استحقاقات وتطورات بتعمد التأخير. تلك الاتهامات مسيئة لكنها لا تحمله على "بق البحصة"، خاصة وان الوقت ليس وقت تحقيق بطولات على حساب البلد لا من قبله ولا من قبل غيره. وان كان لديه الكثير ليقوله في هذا المجال، وتكفي احالة تلك الاتهامات على بعض الوقائع التي تنفيها وخاصة محاولاته الجدية لفرض حكومة امر واقع، وآخرها قبل عشرة ايام، وثمة اتصال هاتفي ورد من الرئيس بري الى الرئيس ميقاتي طالبا اليه التريث قبل الاقدام على هذه الخطوة. وكذلك طلب مماثل من قبل وليد جنبلاط، فضلا عن رفض الحاج حسين خليل الفكرة من أصلها.
وعلى الرغم من كل شيء، فإن ميقاتي ليس في وارد ان يهرب من المسؤولية، وهو يرد بذلك على من يسأل عما اذا كان سيستمر او سيعتذر ويترك المهمة لغيره: "لو كنت اريد الهروب، لما قبلت المهمة التي اقوم بها اصلا، لقد قبلت التكليف لمنع الفتنة وحفظ الاستقرار وحماية الدستور وما زلت عند هذا المبدأ. وعندما اجد ان وجودي في الحكومة لا يحقق هذه المبادئ الثلاثة فعندها لكل حادث حديث، واما الآن فأنا مستمر واصر على التأليف ولن ايأس".
يستند تصميم ميقاتي على الايام الضائعة من عمر التأليف، التي ادخلته في الدهاليز السياسية واعماق النفوس وخبايا المطالب والشروط، وكشفت له ان هناك من لا يريد ان يسلك السلوك الدستوري، وان هناك من ينتظره على الكوع ليكسره، ولكنه لن يتيح له هذه الفرصة. وتلك الخبرة، معطوفة على اصل المهمة التي قبلها، تجعله لا يتردد في المجاهرة امام كل المعنيين بأن الحكومة اسمها "الحكومة الميقاتية" وانه هو "ابو الحكومة" وسيشكلها، ومن لا يريد الحكومة فليقل ذلك، ومن لا يريد ان يمنح الثقة فليفعل ذلك وانتهى الامر. هناك معاناة حقيقية لميقاتي في عملية التأليف، تتولد من حجم الطروحات التي يتم تقديمها حول الحقائب وكأن تلك الحقائب حق حصري لهذا او ذاك، ولكن تلك المعاناة لم يشعر بها خاصة مع "حزب الله" الذي لم يشترط لا عددا ولا أية حقائب وأبلغه أنه بعد أن يلبي المطالب لا مانع عنده مما يسند اليه وكذلك الأمر مع وليد جنبلاط بخصوص حصته الوزارية اذ لم يستغرق التفاهم معه اكثر من ثلاث دقائق. اكثر ما يزعج ميقاتي هو تكرار الحديث عن ضغوط خارجية يتعرّض لها وتمنعه من تأليف الحكومة، واما رده فخلاصته "لست اتعرض لأية ضغوط، ولم يسبق ان حصل ذلك معي". واما بالنسبة الى زيارة كونيللي الاخيرة فكان هدفها السؤال عما اذا كانت الحكومة ستتشكل قبل الاحد، وبررت سؤالها بأنها تريد ان تعرف ما اذا كانت ستشتغل في "الويك اند" في اعداد نبذات عن الوزراء لارسالها الى الادارة الاميركية.. وكانت سعيدة عندما قيل لها ان لا حكومة قبل الاحد .. لأنها ستعطل! نبيل هيثم
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018