ارشيف من :أخبار لبنانية

للنكبة طعم آخر هذا العام!

&#65279للنكبة طعم آخر هذا العام!

نهلة الشهال ـ "السفير"

لم يبق شيء لم نسمعه بخصوص المؤامرة والتلاعب اللذين يقبعان في عمق الثورات العربية الجارية، مِن أن واشنــطن تحرك الخيوط تحت ستارة تطلُّب الحرية والكرامة والخــبز، وأنها تقطف اليوم ثمرة صرفها الملايين على مؤسسات المجتمع الاهلي في البلدان العربية المختلفة، وأنها تحقق بذلك الشرق الاوسط الجديد الذي دعت إليه، وأن الثورات الجارية وطنية (بالمعنى المحلي) وديموقراطية (بالمعنى الليبرالي)، ولا علاقة لها بمفهوم الامة العربية، ولا بفلسطين... بل راحت «دلائـل» تدعِّم هذه المقدمات، ومنها التوصل الى اتفاق المصالحة الفلسطينية، والمباشرة بضم الاردن فجأة الى دول مجلس التعاون الخليجي. فقيل بتعالٍ: هاكم التمهيدات اللازمة لصفقة وشيـكة مع إسرائيل، تهندسها الولايات المتحدة وتعيد رسم خريطة المنطقة لجعلها ملائمة لها. بل حتى قتل بن لادن «الآن» أُدخل في هذا السياق.

ينبئ هذا الاعتقاد الشائع الى حد كبير عن مقدار الافتقاد العام للثقة بالنفس، وبأنه يمكننا الانجاز، وإنْ تطلب الامر بالضرورة المرور بصعوبات وعوائق وتعقيدات لا تحصى، راحت هي الاخرى، حالما أطلت برأسها، تمد ذلك الاعتقاد بأسانيد. ويرغم أن الناس فرحت بالثورات وأبدت الاستعداد لدفع اثمانها دماء وتضحيات شتى، ودفعتها بالفعل، ولكنه في مكان ما من عقولهم كان هذا الوسواس ينخر ويؤلم. وكلما ابتعدنا عن النواة الفاعلة في الثورات، وكلما ابتعدنا عن مواطنها، قويَ الوسواس. ولعل ذلك أمر طبيعي، فنحن في منطقة عانت من الهزائم والخيبات كما لم تعانِ سواها، واستُهدفت من قبل الغرب بشكل مركز وعلى صعد متنوعة، وأمكن بناء على ذلك، دفع نخبها الى التخلي عن دورها، بالتدجين والاغراء أو بالإرهاب والتيئيس. وهي اعتادت بناء على هذا التخلي الاّ تمتلك تأويلاً ولا رؤية لواقـعها ولا تطلباً لأفق. فصارت السياسة ثرثرة لفظية ديماغوجية، وتوطَّن في الوجدان أن وراء كل شيء ـ من كلام وأحداث ـ معنى غير مصرح عنه، هو الفعلي.

والادهى أن مثقفين و«خبراء» يسيِّدون في مداخلاتهم هذا الرأي، مستطلعين على الدوام الموقف الاميركي بغاية قراءة الاحداث، وكأن الارادة والادارة الاميركيتين تحركان أزرار لعبة من ألعاب الفيديو. وعلى الرغم من ملاقاة آراء هؤلاء السينيكيين ـ وهم يرون في مواقفهم براغماتية ليس إلاَّ ـ للاعتقاد الشائع، فهم معلقون في الهواء، وأرجلهم ليست على الارض. وقد أخطأوا في قراءة ما يجري، ولم يكن نقيض ذلك في مقدورهم بحكم الموقع والمسار اللذين يطبعان سِيَرهم. فهذه بالفعل ثورات تبحث عن وسائل تأصيلها، وتتلمس بتوفق متفاوت، وبطريقة صراعية، هذا الهدف. بدلالة الكم الهائل من الامل الذي حركته، وبدلالة تلك الاثمان المدفوعة والتي ستُدفع. ولا يعني ذلك بحال من الاحوال أن التآمر والتلاعب ومساعي التدخل والسيطرة والحرف، من جهات عليا متنفذة، عالمية وإقليمية ومحلية، لا وجود لها. فمثل هذا الجدل يلاقي هو الآخر العقل القاصر، الذي يفترض للوقائع ـ للواقع ـ ماهيات جوهرية، أبعاداً أحادية أو ثنائيات نابذة: إما ثورات أو مخططات، إما استبداداً أو استعماراً، إما إيران أو السعودية، إما شيعة أو سنَّة، إما صدَّام أو بوش الخ... ويسمونها «واقعية» ووضوحاً، فيما الواقع نقيض ذلك، متشابك متداخل معقد صراعي.

ففلسطين على سبيل المثال كانت منذ اللحظة الاولى المضمر الاشد وضوحاً في هذا الذي يجري. تفحص الصهاينة الغربيون والاسرائيليون تلك الثورات وشعاراتها وخطب ابنائها بعناية، وحين لم يقعوا على الخطابة الرنانة عن فلسطين اطمأنت قلوبهم ومنحوها بركاتهم. وهذا هو الاستشراق في أحد تجلياته. فلسطين لم تكن بحاجة للقول لأنها كانت من بديهيات الموقف. ولم يكن هؤلاء المنتفضون يسعون خلف استعادة زمام أمورهم والكرامة والاعتزاز بالنفس والحرية حتى يستهلكوا ثياباً وهواتف موبيل، بل وحتى طعاماً أكثر مما اتيح لهم قبل ثورتهم. ربط الناس جدلياً بين تلك القيم/ الحاجات التي يسعون إليها وبين الهزائم والهيمنة الغربية والسطوة الاسرائيلية. تلك كانت خاصية الضمير الجمعي الذي أتاح قيام الثورات. وكانت إدانة السلطات القابعة فوق انفاسهم تستند الى اكتفائها من الوجود بإرضاء اسيادها مقابل الابقاء عليها في السلــطة تنهب كما تشـاء، بلا أي تصور عام للبلاد التي تتحكم بها. ولكن الجديد في المنتفضين أنهم غير جعجاعين، فقد أدركوا أيضاً أن الجعجعة هي دوماً بلا طحن.

وها هي مناسبة السنة الثالثة والستين للنكبة ـ المستمرة والتي ما زالت سائرة لم تتوقف عن تحقيق أهداف المشروع الصهيوني ـ تجيء فتنطلق المبادرات. في مصر، كان من أشد الدلالات أن يدعى الى تظاهرة «الوحدة الوطنية ونصرة فلسطين» معاً، ليس لتقاطع الصدف والاحداث بل لأن هذه تسند تلك. كم مضى زمن طويل لم ترفرف فيه الاعلام الفلسطينية في قلب القاهرة، لم تحاصر السفارة الاسرائيلية، لم يطالب بإلغاء اتفاقية كامب دافيد. في الاردن أيضاً انتظمت مسيرات كبرى ذهبت الى موقعة الكرامة شديدة الدلالة على القدرة على النصر عندما توفر شروطه. وخصص السوريون هتافهم في يوم الجـمعة، يوم تحركهم المكثف، لدعوة السلطات الى ارسـال جيــشها الى الجولان، ممــا يعلن عن البديهية تلك التي اشرنا اليها. ولم يكتفوا بذلك، بل اقتحموا يوم النكبة الشريط الحدودي وذهـبوا الى قرية مجدل شمس وقالوا «عدنا»! وفي لبنان نجحت المسيرة الى مارون الرأس بتجميع عدد غير مسبوق من الفلسطينيين واللبنانيين معاً في إعلان مماثل عن الوجهة. كما اشتعلت فلسطين نفسها بالتظاهرات. وقد تسبب الهلع الاسرائيلي إزاء تطـورات لم يعتادوا عليها في سقوط شهداء سينضمون الى المــحطات العديدة لتاريخ هذه القضية. وعلى كل حال تتكرر الاشارات نفسها في اليمن والبحرين والمغرب وتونس. وفي كل مكان. إن الوعي الحي بفلسطين لم يكن يوماً على هذا القدر من التشكل: تعريف الحق، وإدراك صلة النضال الفلسطيني وما ينـوبه بشروط المحيط، وإدراك طبيعة إسرائيل، واستنـباط أدوات للفعل السياسي تتحول رويداً الى استراتــيجية ذات صدى عالمي وشبكة تحالفات مبنية، بدلالة تفاصيل العــمل على اسطول الحرية الثاني الوشيك الانطلاق، وبدلالة حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات التي تتدرج الى آلاف الفعاليات، وتدفع المسؤولين الاسرائيليين للكلام عن طرحها لشرعية اسرائيل.

الاستنتاج أن القضية الفلسطينية ما زالت حية رغم الهزائم. ما زال لم يتحقق الخضوع رغم كل الاهوال. اسألوا شباب الثورات حيث ما شئتم! هذا هو الاساس الذي يمكن البناء عليه. وهناك بمناسبة الحراك التحرري الجاري في المنطقة استعادة للأفكار، وبلورة لما يشكل مرتكزات تعريف المصلحة الوطنية العليا المشتركة، بما فيها الشق الذي يخص فلسطين. وصون وتطوير هذا، هو اليوم أهم من التكتيكات حول كيفية وشروط استعادة بعض الارض... لا سيما حين تكون عقيمة! لا بد أن الاميركيين منزعجون جدا مما حدث بمناسبة يوم النكبة، وسيسعون لتطويقه بكل الادوات التي يملكون. لا بد أن الإسرائيليين حائرون مما رأوا، وسيتخذونه وسيلة لتعزيز جنونهم العدواني/ الانتحاري. يصطفلوا!

2011-05-17