ارشيف من :أخبار لبنانية
مارون الراس في عيون الصحافة الأميركية والصهيونية
فشل استخباراتي كبير... والمتظاهرون حطموا أوهامنا الأمنية
علي دربج ـ "السفير"
لم يكن إحياء ذكرى نكبة فلسطين هذا العام، حدثا عاديا بالنسبة لإسرائيل، فما حصل في مارون الراس اللبنانية، وفي عين شمس بالجولان السوري المحتل، شكّل انعطافة سياسية وأمنية خطيرة، ستحتم على القادة الإسرائيليين في مراكز صنع القرار التوقف عندها مليا، لما لها من دلالات كبيرة وانعكاسات مستقبلية، على مستوى الصراع العربي الإسرائيلي.
فتداعيات ما حصل أرخى بظلاله، على تعليقات الكتّاب والمحللين في الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية العبرية، في محاولة تقديم قراءة لنتائج هذه الأحداث، ومدى تأثيرها على مستقبل الكيان الإسرائيلي. وحمّل عدد كبير من المحللين سوريا و«حزب الله»، مسؤولية هذه الأحداث لصرف النظر عما يحدث داخل سوريا، ولنقل الاضطرابات الى حدود إسرائيل.
فتحت عنوان «الثورة العربية تطرق أبواب إسرائيل» لفت المحلل السياسي ألوف بن، في صحيفة «هآرتس» الانتباه الى أن «الثورة العربية طرقت أبواب إسرائيل في الأمس، في مظاهرات يوم النكبة التي خرج بها الفلسطينيون من سوريا ولبنان في مجدل شمس وفي مارون الراس. وحطّم المتظاهرون القيود وأوهام إسرائيل الأمنية».
وقال بن، إن «إسرائيل اعتمدت سياسة تهدئة الحدود مع سوريا وذلك من اجل تأجيج الوضع الداخلي، ولكنه اختل بسيناريو كابوس تخشاه إسرائيل منذ إنشائها «حق عودة» اللاجئين الفلسطينيين. فببساطة قدوم الفلسطينيين من مخيماتهم باتجاه الحدود في الضفة الغربية والقدس الشرقية، في الجليل والمثلث، والشتات الفلسطيني التي حاول تسلق الأسوار، سلّط الضوء على قوة حراسة الحدود، فمن المستحيل السيطرة على الساحة كلها، هناك بعض الأمكنة لا يمكن حمايتها ويسهل استغلالها».
وتابع «سارعت إسرائيل إلى إلقاء اللوم على الرئيس بشار الأسد، وإيران كالعادة، ولكن من الصعب أن نتصور أن السياسة الإسرائيلية في الشمال سوف تتغير، وأن إسرائيل ستحاول تسخين الحدود كرد فعل من أجل المساعدة في إسقاط الأسد والاستعاضة عنه بنظام أكثر ملاءمة. ستحاول إسرائيل ضمان بقاء هذا الحادث معزولا واستعادة الهدوء في المنطقة. وأعرب عن اعتقاده أن «فشل الجيش في كبح المتظاهرين في الجولان أدى إلى سابقة خطيرة، لدي قلق بأنها سترتد في وجهنا في الأسابيع أو الأشهر القريبة».
من جهته أكد المحلل العسكري في «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، إن «الجيش كان على أهبة الاستعداد لمواجهة فعاليات إحياء ذكرى النكبة في المناطق الفلسطينية وداخل إسرائيل ولكنه لم يكن يتوقع ما حدث في الجولان». ورجح أن «ما جرى في الجولان كان بتشجيع من السلطات السورية للفت الأنظار عما يحدث داخل المدن السورية من احتجاجات وقمع دموي»، مشيرا الى أن «سوريا سمحت بنقل المتظاهرين بالحافلات إلى المنطقة الحدودية في الجولان»، مشددا على أن «لا أحد في سوريا بمقدوره اختراق السياج الحدودي من دون ضوء أخضر من السلطات».
وقال يشاي إن «الجيش قدّر قبل أسابيع أن يقوم النظام السوري «بتصدير» أزمته إلى إسرائيل بوسائل مختلفة منها العسكرية، لكن الجيش الإسرائيلي فوجئ من عملية اختراق السياج الحدودي ولم يعزز القوات المرابطة هناك، إذ أن الحدود مع سوريا كانت الأكثر هدوءًا في العقود الأخيرة».
وأضاف الكاتب إن «ما حدث اليوم قد يكون مقدمة لما قد يحدث في شهر أيلول المقبل عشية التصويت على الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة أو بعده».
ورأى المحلل السياسي في الصحيفة نفسها، إيتان هابر، ان «يوم النكبة هو بداية عهد جديد في الصراع»، مشيرا الى أن «الصور من الميدان في القاهرة وليبيا وسوريا شجعت الفلسطينيين على استخدام سلاح الكميات البشرية إلى جانب النشاط السياسي المكثف في أنحاء العالم». وحذر من أن «هذا السلاح الحديث نسبيا يضع معضلات جديدة أمام الجيش الإسرائيلي والشرطة، إذ ماذا سنفعل أمام عشرة آلاف، مئة ألف أو مليون متظاهر؟ ليس أنه لا يوجد حل، لكن أي حل يستوجب استخدام القوة، ولاستخدام القوة يوجد ثمن دولي غال».
وعلق أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب، والخبير في الشؤون السورية واللبنانية أيال زيسر، بمقال في صحيفة «إسرائيل اليوم» على أحداث يوم النكبة، بالقول إنه «ما زال مبكرا القول إن النظام السوري هو الذي يقف وراء أحداث الأمس في هضبة الجولان، لكن واضح من أدنى شك أن الرئيس السوري بشار الأسد هو الرابح الكبير». ولفت الانتباه الى انه «فجأة اختفت صور الجنود السوريين الذين يطلقون النار باتجاه المتظاهرين وحلت مكانها صور الجنود الإسرائيليين، ليتضح مجددا أنه لا شيء يساوي العداء لإسرائيل من أجل توحيد العالم العربي».
وقالت صحيفة «معاريف»، إن «سلاح المخابرات لم يكن مستعدا للأحداث على الحدود الشمالية وفي مجدل شمس ذاتها بمناسبة يوم النكبة. ونقلت عن «ضباط كبار في الجيش خشيتهم بان حاجز الخوف في هضبة الجولان قد انكسر أمس عندما نجح المئات من اجتياز الحدود بدون مشاكل».
وكشفت صحيفة معاريف أن «وزارة الخارجية الإسرائيلية تؤكد في وثيقة قامت بإعدادها، أن إيران وسوريا مسؤولتان عن أحداث العنف التي وقعت على الحدود الشمالية، وتشدد الوثيقة على أن الرئيس الأسد المتورط في أعمال الشغب في بلاده له ضلع في قرار توجه الآلاف إلى الأراضي الإسرائيلية».
من جهة ثانية تطرقت كرميلا مناشيه، في الإذاعة الإسرائيلية الثانية، الى تبادل للاتهامات بين شعبة الاستخبارات والقيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي على خلفية أحداث مجدل شمس. فقد صرحت شعبة الاستخبارات بأنه تم تمرير معلومات إلى كل الجهات حول إمكانية حدوث مظاهرات عاصفة في الجولان والدخول إلى أرض إسرائيل. لكن القيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي تقول بأنه لم تكن هناك أي معلومات مركزة فيما يتعلق بهضبة الجولان، وإنما معلومات تتعلق بمناطق أخرى، ولذلك كان هناك تقدير بأن المظاهرات في الجولان لن تشذ عن بقية المظاهرات التي تجري في هذه المنطقة منذ سنين. وعلى هذا، تواجدت قوة صغيرة للجيش الإسرائيلي في مجدل شمس ولم يكن الجيش الإسرائيلي مستعداً بشكل صحيح.
ونقلت الإذاعة عن مصدر امني وصفته بالكبير توقعه أن تستمر المسيرات باتجاه الحدود مع إسرائيل كلما اقترب شهر أيلول المقبل وقد يكون ذلك في أي قطاع. «فأحداث ذكرى النكبة لم تنته وهي لا تزال مستمرة لدى مواطني إسرائيل العرب وفي الضفة الغربية وفي منطقة جسر اللنبي وفي الشمال».
ونقلت صحيفة «إسرائيل اليوم» عن مصادر أمنية إسرائيلية تحذيرها من أن «تخلق أحداث ذكرى النكبة واقع أمني مركب ومعقد في جميع الحلبات». وأشارت الى أن «هذه الجهات عبرت عن مخاوفها من أن هناك أكثر من جهة تريد انتهاز الفرصة لتنفيذ عمليات إرهابية. فاقتراب الآلاف من الحدود بين إسرائيل وسوريا ودخولهم إلى مجدل شمس يمكن أن يجر للقيام بعمليات تفجيرية في المستقبل.
وقال محلل الشؤون العربية في القناة الثانية العبرية، ايهود يعري، إن ما جري من عمل للحلف غير المقدس بين «حماس» و«حزب الله» و«سوريا» على رأسهم «هدفه خلق حدث تصادم وليس فقط يوم ذكرى، من أجل التخفيف من الضغط الموجود في سوريا». وأشار الى أن «أمورا مثل نزول المتظاهرين المسؤول عنهم «حزب الله» من مارون الراس إلى الحدود هو أمر لا يمكن أن يحدث بلا تنظيم من الحزب. وهناك دائماً القادة من قبل الحزب الذين يتواجدون في المنطقة من أجل الإشراف على أن كل شيء يسير كما يريدون، ولأنهم كانوا يريدون أن تنزل الجماهير إلى الجدار فقد نزلت».
مشهد مارون والجولان في الصحافة الأميركية:
رسالة الأسد واضحة... إذا خسرنا تخسرون!
جنى سكري ـ "السفير"
...مجددا، لم يرَ المراقبون الغربيون ما جرى على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة... إلا من المنظار السوري. فما جرى في الجولان المحتل كان أبلغ وقعا، باعتباره «محاولة من قبل نظام بشار الأسد لتشتيت الانتباه عما يجري في الداخل»، برأيهم.
وفضلا عن استعراض ما حدث من وقائع، وخاصة استشهاد 10 وجرح نحو 100 بنيران الجنود الاسرائيليين، لم يأت ذكر لبنان في الصحف الاجنبية الا من زاوية «حزب الله». فكرر مراسلو تلك الصحف ما قاله المسؤولون الاسرائيليون بأن للحزب، يد في تأجيج التظاهرة لتحويل الأنظار عما يجري داخل سوريا.
وقال استاذ العلوم السياسية في جامعة بار ايلان، جيرالد ستاينبرغ لمجلة «كريستيان ساينس مونيتور» الاميركية إنه «طوال عقود، استخدم القادة العرب إسرائيل كنقطة تركيز بديلة. برأيي، ما جرى (على الحدود اللبنانية وفي الجولان المحتل) هو عودة إلى الحقبة حيث يتم تحويل الأنظار عن المعارضة الداخلية (في سوريا) عبر مهاجمة إسرائيل»، متوقعا انه «في حال تم استبدال الأنظمة في مصر وسوريا بأنظمة تعددية اكثر انفتاحا، سيكونون اكثر تركيزا على التعامل مع القضايا الداخلية، واقل قدرة على تشتيت انتباه شعوبهم عبر استهداف اسرائيل. ولكن الطريق لا تزال طويلة لبلوغ ذلك».
وبعدما تساءل عما اذا كانت ايران وسوريا قد لعبتا دورا في تأجيج التظاهرات، اجاب الكاتب في «كريستيان ساينس» جوشوا ميتنيك إن «المحللين الاسرائيليين يقولون إن ما جرى على الحدود قد جرى بمباركة من الحكومة السورية».
ونقلت المجلة الاميركية عن المحلل الإسرائيلي مئير جافدنفار، قوله إن المسؤولين الاسرائيليين «سينظرون الى ما حدث على انها مؤامرة لجر اسرائيل لتصبح كبش فداء. ولن تكون هي المرة الاولى، فقد حاول العديد من الدول القاء اللوم على اسرائيل. ولهذا يتعين على اسرائيل ان تكون حذرة في ما يتعلق بالحفاظ على امنها، وعليها ايضا ان تكون حذرة بشأن ردها، لأن ذلك قد يؤثر على موقفها الدبلوماسي».
من جهتها، نقلت صحيفة «لوس انجليس تايمز» الاميركية عن المحلل الفلسطيني معين رباني قوله إن الأسد ربما يكون قد حاول توجيه رسالة إلى إسرائيل والمجتمع الدولي بشأن الفوضى التي قد تندلع في المنطقة إذا انهارت حكومته، بمعنى «قد تكون الرسالة السورية: إذا خسرنا، تخسرون أيضا، وهذا اختبار لما قد يحصل».
أما مراسل «نيويورك تايمز» في لبنان انطوني شديد فقال إن «الاضطرابات في منطقة الجولان المحتلة، قد تنذر بمرحلة جديدة للانتفاضة في سوريا ضد الاسد، وبشبكة جديدة من العلاقات الدولية، وقد تحمل في طياتها رسالة من الأسد إلى إسرائيل».
وتابعت «نيويورك تايمز» إن المنطقة الحدودية بين سوريا وإسرائيل بقيت على مدى 37 عاما هادئة، شأنها في ذلك شأن أي جبهة عربية إسرائيلية أخرى لاذت بالصمت بفعل اتفاقيات السلام.
غير أن الرسالة التي تحملها التظاهرات التي جرت على الحدود في ذكرى يوم النكبة الفلسطينية، «في غاية الأهمية لأن سوريا التي تسيطر على المعابر المؤدية إلى الحدود سمحت للجماهير بالوصول إلى منطقة كانت تعتبرها خارج النطاق المسموح به»، وهي «المرة الأولى منذ 11 عاما التي يظهر فيها الأسد لإسرائيل والمنطقة والعالم بأنه قد يشعل حربا للبقاء في السلطة إذا ما تعرض لانتفاضة تهدد حكم عائلته الذي يمتد إلى أربعين عاما».
وتابع شديد في «نيويورك تايمز» إن «البعض يشكك في جدية اللاجئين الفلسطينيين الذين احتشدوا على الحدود في ذكرى تمثل تاريخا مؤلما بالنسبة اليهم»، ملمحا الى انه «ربما وجد الفلسطينيون أنفسهم، في خضم صراع مثير للسخرية في سوريا ينطوي على السلطة والبقاء والردع، وضمن صراع تخوضه إيران وأميركا وتركيا وإسرائيل، وإن كانت بدرجات متفاوتة، لكل منها مصلحة في بقاء حكومة مجردة من الشرعية في دمشق، ولكنها تبقى قوة لمبدأ الاستقرار».
ونقلت «نيويورك تايمز» عن رضوان زيادة وهو منشق سوري وباحث زائر في جامعة جورج تاون «إنها رسالة من الحكومة السورية لإسرائيل والمجتمع الدولي: إذا ما استمررتم في الضغط علينا، فسنشعل جبهة مع إسرائيل».
أما المنشق البارز لؤي حسين، الذي التقى مستشارا للرئيس السوري الأسبوع الماضي كجزء من الحوار، فيقول «فكرة الحرب مع إسرائيل لم تكن جزءا من التوجه السوري على مدى فترة طويلة من الزمن» مضيفا إن الحكومة السورية لا تملك استراتيجية، وإن الأداء السياسي يقوم على الارتجال.
وأشار شديد إلى أن «الانتفاضة في سوريا أعادت صياغة العلاقات الإقليمية، فوضعت سوريا في خانة الدفاع عن نفسها، فقد تدهورت علاقاتها مع تركيا، وفرضت الولايات المتحدة والدول الأوروبية عقوبات عليها» ناقلاً عن المحلل الإسرائيلي يوني بن مناحيم قوله إن «السوريين تمكنوا على مدى أربعين عاما من منع التسلل إلى الحدود، وهو ما يظهر قدرتهم على التحكم في هذه المسألة، وهذا ما يعكس عدم استعداد أميركا وإسرائيل لتحمل إزالة بشار الأسد من منصبه طالما أن الحدود مع إسرائيل هادئة».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018