ارشيف من :أخبار لبنانية
قِيم تحصّن الكيان اللبناني
الكيان اللبناني يبدو منيعاً في ضوء تجارب طويلة كانت للبنانيين عبر بضعة عقود من الزمن، فما سرّ ذلك؟ وما هي القيم والعوامل التي تحصّن هذا الكيان الصغير ويتحصّن بها؟
من الاعتبارات التي حفظت هذا الكيان تميّزه عن الدول العربية الشقيقة المحيطة به. اعتمد لبنان منذ نشأته نظاماً سكانياً وسياسياً واقتصادياً مغايراً للأنظمة المطبقة في المحيط العربي عموماً. نظامه السكاني تميّز بالتعددية الفئوية، الطائفية والمذهبية والإثنية. طائفياً قام المجتمع اللبناني على تعايش وطيد بين المسلمين والمسيحيين، علماً بأن المسلمين يضمون في صفوفهم السنة والشيعة والدروز وسواهم، أما المسيحيون فيضمون مذاهب عدّة منها الموارنة والروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والأرمن وخلافهم من الأقليات. التعايش الطائفي والمذهبي البنّاء كان وما يزال سمة هذا الوطن المميز. وهذا التعايش ولّد شبكة من الروابط والتوازنات كان لها شأن في حفظ الكيان اللبناني في الملمات. فالتعايش أنجب توازناً دقيقاً مبنياً على وعي الجميع أن أي إخلال بالتوازن القائم قد يفضي إلى تفكك المجتمع وانهيار الوطن، وهذا المجتمع ليس له ما يؤويه غير هذا الوطن.
وكما على الصعيد السكاني كذلك على الصعيد السياسي والاقتصادي، فتنوّع المشارب السياسية بين المواطنين انعكس مع الوقت أيضاً توازناً دقيقاً بين فئات الشعب، وقد أدرك الجميع أن أي إخلال بهذا التوازن قد يزلزل أركان النظام الذي يقوم عليه هذا البلد. فلعبة التوازنات السياسية آلت إلى تغليب روح المهادنة والتوافق بين فئات الشعب الواحد. وأضحى التوافق الوطني مصدر منعة وقوّة للكيان اللبناني.
وكما في السياسة كذلك في الاقتصاد. فالنظام الاقتصادي المعتمد مغاير على وجه ملحوظ لجميع الأنظمة الاقتصادية المعتمدة في المحيط العربي. وقد نشأت مصالح متجذرة في المجتمع اللبناني مستمدة من هذا الواقع. ويتنامى بين اللبنانيين وعي زاخر أن الإخلال بالنظام الاقتصادي الحر يعادل إلى حد ما الطعن بوجود الكيان والوطن. وقد عززت التجارب هذا التوجه إذ اقترن نظام لبنان الاقتصادي الحر بإيجابيات بارزة منها معدل النمو المتسارع الذي سجّله الاقتصاد الوطني عبر العقود الماضية، وقدرة هذا الاقتصاد اللافتة على تجاوز كثير من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعرضت لها دول في المنطقة وفي العالم. وكذلك المنعة التي أظهرتها العملة اللبنانية، الليرة، في استقرارها ونزوعها عموماً إلى الارتفاع في الأسواق العربية والعالمية. هكذا أيضاً ترسّخ إيمان اللبنانيين بحصانة نظامهم وبالتالي وطنهم وازداد تشبثهم بالكيان المميز.
بعبارة موجزة، بنتيجة الاعتبارات السالفة الذكر، لم يعد المسيحي يجد وطناً بديلاً له من لبنان ولم يعد المسلم يطمح إلى أن يكون مواطناً في أي بلد عربي بديل. هذا مع العلم أن المسيحيين كما المسلمين يتحلون بانفتاح كبير على العالم الخارجي، بدليل حركة الاغتراب الناشطة التي تفعل فعلها. ولقد أضحى الانتماء إلى لبنان في مستوى العصبية لكثير من أبنائه. إلا أن هذه العصبية لم تستطع بعد القضاء على ظاهرة تعدد التوجهات التي تأخذ برؤى متفاوتة بالنسبة إلى المستقبل المنشود. أصحاب العصبية يتشبثون بلبنان وطناً نهائياً، ولكن إلى جانبهم هناك كثرة تقول بعروبة لبنان، أي التطلع إلى قيام وحدة عربية في يوم من الأيام يكون لبنان أحد عناصرها البارزة، وهناك من يتطلع إلى وحدة سورية، أي سوريا الكبرى، يكون لبنان أحد مكوناتها. أما تعارض هذه الرؤى فهو من العوامل المرشحة لأن تُبقي لبنان كما هو حيث أعداد لا يستهان بها من شباب لبنان تجنح إلى الهجرة إلى الخارج كل عام. ولا يفوت المراقب لحال لبنان أن يلحظ إن الانتماء للبنان أضحى بعد السنوات الطوال التي عبرت على قيامه عنواناً لنمط حياة من سماته الحرية، وخصوصاً بالتمايز عن الجوار العربي. وكذلك الحركية، كما يتجلى في الاستعداد اللبناني الملحوظ إلى الهجرة وفي فيض من المرونة لدى الفرد اللبناني في التكيّف على مستوى النشاط الذي يقوم به، مع تطورات الحال محلياً وإقليمياً. هذه المرونة تتجلى في نزوع متميز لتبديل اللبناني وجهة عمله تبعاً لمعطيات المرحلة وظروفها.
صحيح أن حال التمايز المتعدد الأوجه الذي كان لبنان وما يزال يتمتع بها هي من عناصر القوة التي عززت منعة الكيان وقدرته على البقاء. إلا أن حال التمايز هذه مرشحة على ما يتبدى للتلاشي مع الوقت. فالزمن كفيل بالإتيان بتطورات في لبنان وفي سائر الأقطار العربية تجعل التقارب في الأوضاع والمعطيات بينها جميعاً قدراً لا مناص منه.
قدر العرب في يوم من الأيام أن ينضووا تحت لواء الاتحاد في ما بينهم ربما على غرار الاتحاد الأوروبي. وإن تمّ ذلك فلا بد أن يتدرج هذا الاتحاد، خلافاً لحال أوروبا التي تتباين فيها الإثنيات والثقافات واللغات، في اتجاه الوحدة الناجزة. إن كان ذلك فإن لبنان محتم عليه أن يماشي هذا التوجه فينضوي داخل الاتحاد ثم الوحدة في ما بعد. لا بل نحن من المؤمنين أن قدر لبنان أن يكون في طليعة العاملين على هذا التوجه لا بل أن يتولى قيادته إذا أمكن. فالزمن كفيل بتعاظم أسباب التجانس والتقارب بين عناصر الأمة العربية. لذا نحن من الذين يعتقدون أن قدر العرب أن يتوحدوا في يوم من الأيام، مهما طال الزمن. ولبنان في تلك الحال لا قِبل له بالشذوذ عن القاعدة. فمن مصلحته الوطنية والقومية أن يكون جزءاً من هذا الكل.
عند ذاك ماذا سيحل بالكيان؟ سيبقى حتماً كياناً كما هي دول أوروبا اليوم في الاتحاد الأوروبي، ثم عند تحقق الوحدة الناجزة يبقى كياناً كما هي مكونات الولايات المتحدة الأميركية، ربما مع بعض الفروقات.
خلاصة القول إن الكيان اللبناني يتمتع حالياً بحصانة منيعة تؤمن استمراره على الحال التي هو عليها في المنطقة العربية في الوقت الحاضر. إلا أن هذه الحصانة تبقى على مر الزمن عرضة للتلاشي مع تطور الأوضاع السياسية والاقتصادية والسكانية على الوجه الذي يجعل لبنان وسائر بلدان المنطقة أكثر فأكثر تجانساً. وهذا قدر العالم أجمع في واقع الحال وليس قدر العرب دون سواهم. لذا يمكن القول أن قدر العالم أن تتلاحم شعوبه مع الزمن فتتقارب الأنظمة السكانية والسياسية والاقتصادية، وتتوثق مع الوقت العلاقات بين الشعوب ومن ثم بين دولهم. قد لا يضحى العالم دولة موحّدة بالمعنى الكامل للكلمة، ولكن التداخل بين دول ومجموعات العالم سوف يزداد وثوقاً وانفتاحاً مهما طال الزمن، ولا بد أن يطول.
أخيراً، نلفت أولئك الذين تأخذهم عصبية نهائية الكيان اللبناني، إلى أن كثيراً منهم في واقع الحال غادروا لبنان للعيش في المغتربات على امتداد العالم، والعديد منهم اكتسب جنسيات البلدان التي هاجروا إليها، وعدد لا يستهان به منهم توطّن في الخارج منذ أجيال ولم يعد يفكر في العودة إلى وطنه لبنان. فالعصبية في العصر الحديث تصطدم بحدود كثيراً ما تكون ضيقة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018