ارشيف من :أخبار لبنانية
«الممنوعات الأميركية» تعيق ولادة حكومة تبعد الحريري نهائياً
نبيل هيثم - "السفير"
المشكلة مع حكومة نجيب ميقاتي ان تشكيلها محكوم بمنظومة تعقيدات داخلية وخارجية، وتلك حقيقة ليست خافية على المعنيين بمسار التأليف وان كانوا ينشغلون بين حين وآخر بتقاذف كرة التعطيل.
ليس صعبا تحديد مكمن العلة الداخلية، فالاساس فيها عدم القبول بالآخر بين ميشال سليمان وميشال عون واما حقيبة الداخلية فليست سوى ساحة لتظهير «حرب الالغاء» من جهة، وانعدام الثقة بين نجيب ميقاتي وميشال عون من جهة ثانية.
كما أنه ليس صعبا تحديد مكمن العلة الخارجية، في ظل معطيات تمتلكها مراجع سياسية تجزم بوجود ضغط اميركي لفرض جملة ممنوعات، ومنها:
- ممنوع على ميشال سليمان ان يتنازل عن حقيبتي الداخلية والدفاع؟
- ممنوع اسناد اي من الحقائب الامنية لميشال عون وممنوع عليه حتى الشراكة في تسمية وزير الداخلية؟
- ممنوع ان تتشكل حكومة في لبنان تكمل ما يسميه الاميركيون وحلفاؤهم، «العملية الانقلابية» وتمنح «حزب الله» فرصة الابعاد النهائي لسعد الحريري خارج دائرة الحكم، ومن ثم ادارة البلد بغير الوجهة التي كانت تدار فيها اميركيا وبرعاية الاعتدال العربي؟
- ممنوع ان تتشكل حكومة تشكل عامل اطمئنان لنظام الاسد وتحفظ ظهره، وتضبط وقائع لبنان بما يخرجه من موقعه المستخدم مؤخرا كممر وكمقر للنيل من نظام الاسد عبر تهريب السلاح والرجال واستخدامه منصة اعلامية تكمل ما تبثه فضائيات الاعتدال العربي، وربطا بذلك ممنوع تغيير حكومة سعد الحريري وحتى لو كانت في وضعية تصريف الأعمال على اعتبار انها حكومة الفريق الذي يطلق النار على سوريا؟
لماذا القفز فوق تلك الوقائع الداخلية والخارجية المعطلة للولادة الحكومية ومحاولة رمي المسؤولية تارة على «حزب الله» واتهامه بافتعال التعطيل، وتارة اخرى على ميشال عون وحصر اسباب التعطيل فيه، ومن ثم تلقى باللائمة على «حزب الله» لمماشاته حليفه البرتقالي وعدم ممارسة الضغوط عليه للرجوع عن شروطه التعجيزية غير القابلة للتطبيق كما يقول اللائمون؟
ان مقاربة اداء الحليفين الاصفر والبرتقالي منذ تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تعكس ان «حزب الله» وعلى الرغم من موقعه المتقدم في الاكثرية الجديدة تجنب ان يلعب دور القابلة القانونية لتوليد حكومة نجيب ميقاتي، ونأى بنفسه عن التشكيل، كما عن تحمل تبعات هذا التشكيل لاحقا، ودوره المستمر في لعبه يتراوح بين متبرّع بحصته تارة، وساعي البريد الذي ينقل الرسائل والتمنيات وعامل التقريب والتوفيق ومفكك الالغام والساعي الى تخفيض سقف الشروط، من دون أن يعطي المتضررين مستمسكا ولو بسيطا عن ممارسته الضغط على هذا الطرف او ذاك او مسايرته لهذا الطرف على حساب ذاك، على قاعدة أنه «أبو الحكومة».
وكما ان «حزب الله» تعاطى مع ميشال سليمان من موقع خصوصيته الرئاسية ودون ان يمسّها، تعاطى ايضا بالقدر نفسه من الموضوعية مع خصوصية نجيب ميقاتي ولم يقارب الهوامش الكثيرة التي يتحرك فيها الرئيس المكلف بشهادة الرئيس المكلف نفسه، واما مع حليفه ميشال عون فقد تعاطى معه بالقدر الاكبر من التفهم لمطالبه، وكما انه لم يذهب الى حد تبنيها علنا ومحاولة فرضها على بساط التأليف، لم يذهب الى ممارسة الضغط على عون، بل لم يستجب لرغبات رئاسية وسياسية ما زالت تأخذ عليه عدم مبادرته الى حمل حليفه البرتقالي على ان يقلل من سياسة التعجيز التي يبديها. ولـ«حزب الله» في هذا الخصوص اسباب متعددة، ومنها:
اولا: اقل الايمان بالنسبة الى «حزب الله» ان يراعي حليفه ميشال عون كما يراعي الاطراف الآخرون حلفاءهم، ومع هذه المعادلة لا تستقيم اية دعوة للضغط على عون.
ثانيا: ان «حزب الله» يدرك ابعاد المطالبات القائلة بالضغط على عون، فهي بمثابة حجر يصيب عصفورين، اي يصيب الحزب ويصيب عون في آن معا، وأما جواب الحزب في هذا السياق فهو انه لا يرى نفسه في موقع الاملاء او الضغط على اي طرف. فكيف اذا كان هذا الطرف حليفا، ولا في الموقع الذي يحاول ان يضعه فيه البعض، بوصفه القادر على فعل الاعاجيب وعلى قلب الوقائع ساعة يشاء وكيفما يشاء، وتلك محاولة لها ابعادها اللاحقة من خلال تحميله المسؤولية عن كل النتائج السلبية التي قد تترتب على مسار التشكيل.
ثالثا: ان «حزب الله» لا يرى عون في الموقع الذي يملى عليه، وليس من النوع الذي يضغط عليه، بل هو طرف اساسي له كينونته الوطنية والسياسية وخصوصيته المسيحية، وما يجمع بينهما هو الاحترام المتبادل، واحترام خصوصية، كل منهما في بيئته وكذلك في حساباته السياسية المباشرة وبكل حركته سواء ازاء جمهوره او حلفائه او خصومه.
رابعا: ان «حزب الله» يقرأ بوضوح الحرب الضروس التي تشن على عون وتياره من لحظة اشهار تحالفه معه بدءًا من تفاهم مار مخايل حتى الآن، ولذلك فإن «حزب الله» يرى ان من الخبث القول بالضغط على حليفه عون، لأن ذلك ينطوي على محاولة واضحة لتقزيم ميشال عون وتقديمه امام الراي العام المسيحي، وكأنه تحت عباءة «حزب الله»، وخارج الخصوصية التي يتمتع بها في الساحة الوطنية بشكل عام والمسيحية بشكل خاص والمارونية بشكل محدد... وفي ذلك اساءة موصوفة للحليفين.
خامسا: ان «حزب الله» لا يرى ان عقدة التعطيل موجودة عند عون، ويعتبر ان ما يطالب به جنرال الرابية حق مشروع له، وان التجربة معه منذ التكليف وخلافا لكل ما يقال عنه، دلت بالرغم من خطابه العالي النبرة على ان الرجل يتمتع بمرونة كافية تجلت اولا في المرونة حيال الرئيس المكلف بدل التصلب الذي بدر عشية التكليف، ومن ثم في التراجع عن مطلب حصة الـ14 وزيرا و12 وزيرا وصولا للقبول بعشرة وزراء والتراجع ايضا عن مطلب الداخلية كحقيبة حصرية للتيار الوطني الحر أسوة بغيره من مكونات الحكومة، والقبول بالشراكة مع ميشال سليمان في اختيار وزير الداخلية العتيد، بالاضافة الى بروز مؤشرات في الساعات الأخيرة عن بداية حلحلة عونية لعقدة الماروني الخامس.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018