ارشيف من :أخبار لبنانية

تصريف الاعمال بالمعنى الضيّق (1 من 2)

تصريف الاعمال بالمعنى الضيّق (1 من 2)

سليم جريصاتي - "السفير"

في ضوء المراوحة في تأليف الحكومة المنتظرة واستمرار الحكومة الراهنة بتصريف الاعمال بالمعنى الضيق لحين تأليف الحكومة الجديدة ونيلها ثقة مجلس النواب، كثرت التساؤلات المحقة حول امكانية ان ينعقد مجلس النواب صحيحا في ظل الحكومة الراهنة، ويبحث في الموضوعات التي يمكن ادراجها في جدول اعماله بحيث يتخذ القرارات المناسبة بشأنها من دون ان يشوبها العيب الدستوري الناجم عن تجاوز حالة تصريف الاعمال بالمعنى الضيق، فما هو المقصود "بالمعنى الضيق لتصريف الاعمال"؟ اولا: وردت هذه العبارة في نص دستوري لاول مرة في لبنان في المادة 64 من دستور ما بعد الطائف، حيث نصت الفقرة "2" منها على ان الحكومة لا تمارس صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها او اعتبارها مستقيلة "الا بالمعنى الضيق لتصريف الاعمال".

وان هذا النص يجب ان يقرأ ويفسّر في ضوء اكثر من مادة في الدستور بغية ان يأتي تفسيره منسجما مع احكام الدستور ومتماسكا:

1- المادة 17 من الدستور، التي نصت على ان "تناط السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء، وهو يتولاها وفقا لاحكام هذا الدستور"، مما يعني العطف حتما الى تصريف الاعمال بالمعنى الضيق عندما تكون الحكومة مستقيلة او معتبرة مستقيلة او غير حائزة بعد على ثقة مجلس النواب.

2- المادة 65 من الدستور، التي تعيد النص في مقدمتها على ان "تناط السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء"، والتي تشير صراحة في فقرتها "5" الى ما اسمته "المواضيع الاساسية" التي يحتاج اقرارها الى اكثرية موصوفة ومؤلفة على الاقل من ثلثي عدد اعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها، والتي تعمدت تعداد هذه المواضيع التي تعتبر اساسية بصورة حصرية، وعددها اربعة عشر موضوعا، ومنها تعديل الدستور واعلان حالة الطوارئ والحرب والسلم والاتفاقات والمعاهدات الدولية واقرار الموازنة العامة وتعيين موظفي الفئة الاولى او ما يعادلها وحلّ مجلس النواب واقرار قانون الانتخابات وقانون الجنسية واقالة الوزراء...

3- المادة 53 الفقرة "12" من الدستور، التي ناطت برئيس الجمهورية ان "يدعو مجلس الوزراء استثنائيا كلما رأى ذلك ضروريا بالاتفاق مع رئيس الحكومة"، وذلك ان دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد تعود الى رئيس مجلس الوزراء، الذي هو رئيس الحكومة، على ما ورد في المادة 64 من الدستور.

4- المادة 69 الفقرة "3" من الدستور، التي تنص على ان "عند استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة يصبح مجلس النواب حكما في دورة انعقاد استثنائية حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة". ثانيا: لا يوجد اي رأي استشاري رسمي او قرار اجتهادي اداري يحدد بصورة قاطعة مفهوم "تصريف الاعمال بالمعنى الضيّق" الذي قصده المشرّع الدستوري عام 1990، بل يتوافر مرتكزان، احدهما مكوّن من رأيين استشاريين وآخر من قرار اجتهادي دستوري، يمكن الركون اليهما في معرض استشراف الاجابة المنشودة. اما الرأيان الاستشاريان، فالاول منهما صدر عن "هيئة التشريع والاستشارات" بتاريخ 18/4/2005 تحت الرقم 265/2005 في ظل الحكومة المعتبرة مستقيلة برئاسة نجيب ميقاتي (بفعل بدء ولاية مجلس النواب) عن "مدى جواز انعقاد مجلس النواب في عقد استثنائي في ظل حكومة مستقيلة يكون موضوعه الاشتراع ومصير مرسوم فتح الدورة الاستثنائية المحصور موضوعه بانتخاب اللجان النيابية"، حيث ورد، بمضمون معبر وإن بشكل عارض، "ان المبدأ المتعارف عليه الذي يحكم تصريف الاعمال من قبل الحكومة المستقيلة، هو ذاك الذي يجد مصدره في القرار المبدئي الشهير الصادر عن مجلس شورى الدولة الفرنسي بتاريخ 4/4/1950 ، والذي بمقتضاه لا مفر من وجود سلطة مناط بها تأمين استمرارية الحياة الوطنية وديمومتها بين تاريخ استقالة الحكومة وتاريخ تأليف الحكومة الجديدة، فتمسي الولاية الاستثنائية للحكومة المستقيلة او المعتبرة كذلك، مسندة فقط الى مرتكز تأمين مقتضيات الدولة الضرورية: « Il est indispensable qu’il y ait une autorité chargée d’assurer la continuité de la vie nationale entre la démission du gouvernement et l’investiture de son successeur : les affaires courantes apparaissent ainsi, dit M. Delvolvé, « comme la zone limite de la compétence exceptionnelle d’un gouvernement dont le pouvoir ne repose plus sur aucun autre fondement que sur les nécessités de l’État ».

كان Delvolvé في حينه مفوضا للحكومة في مجلس الشورى الفرنسي، وقد وضع تعريفه اعلاه لتصريف الاعمال في مطالعته المقدمة الى المجلس. أشار الرأي أعلاه الصادر عن "هيئة التشريع والاستشارات" الى ان هذا المبدأ العام الاجتهادي الفرنسي قد جرى تكريسه كتابة بنص دستوري في لبنان، هو المادة 69 من الدستور التي اعتبرت مجلس النواب منعقدا حكما في دورة استثنائية في الفترة الممتدة من استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة الى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة، حيث خلص الرأي الى ان مجلس النواب يبقى محتفظا بكامل صلاحياته للتشريع بمجرد انعقاده حكما وفقا لما سبق، "وذلك سّدا لأي فراغ". بالفعل، اقر مجلس النواب ثلاثة قوانين هامة صدرت في 19/7/2005 في حين كانت حكومة نجيب ميقاتي معتبرة مستقيلة ولا تزال تصرّف الاعمال (تألفت حكومة فؤاد السنيورة الاولى بعد هذا التاريخ ونالت ثقة مجلس النواب في 30/7/2005) وهذه القوانين هي: القانون الرقم 677 تاريخ 19/7/2005 (منح عفو عام عن بعض الجرائم)، وهي الجرائم موضوع الاحكام الصادرة عن المجلس العدلي وعن محكمة جنايات بيروت بحق الدكتور سمير جعجع وسواه.

- القانون الرقم 678 تاريخ 19/7/2005 (منح عفو عام في ملف احداث الضنية ومجدل عنجر). - القانون الرقم 679 تاريخ 19/7/2005 المتعلق بتأجيل النظر بالمراجعات امام المجلس الدستوري. ان القصد من ايراد القوانين اعلاه اعطاء البينّة على ان انعقاد مجلس النواب الحكمي والاستثنائي لم يقتصر على مواكبة تأليف الحكومة تمهيدا لمناقشة بيانها الوزاري وبت الثقة بها، بل تجاوز ذلك الى التشريع. اما الرأي الثاني، فقد صدر عن الهيئة ذاتها بتاريخ 24/9/2009 بمعرض طلب وزير العدل الرأي في مدى قانونية اصداره في فترة تصريف الاعمال قرارا يلغي قرارا اتخذه سابقا لأسباب مسلكية، فاتى الرأي بجواز اتخاذ الوزير تدبيره هذا كونه يدخل في نطاق الاعمال الجارية والعادية لوزراء حكومة تصريف الاعمال. ذكّر الرأي الجديد بالرأي السابق للهيئة المشار اليه اعلاه، كما وبقرار مجلس الشورى اللبناني الصادر بتاريخ 17/12/1969 (راشد الدولة) الذي حدد لاول مرة مفهوم المجلس لتصريف الاعمال مستوحيا اجتهاد مجلس الشورى الفرنسي. اما القرار الاجتهادي الدستوري، فهو القرار الصادر عن المجلس الدستوري تحت الرقم 1/2005 تاريخ 6/8/2005 والذي قضى المجلس بموجبه بابطال القانون الرقم 679/2005 المشار اليه اعلاه والمتعلق بتأجيل النظر بالمراجعــات امام المجلس الدستوري، ابطالا كليا لمخالفته احكام الدستور والمبادئ الدستورية المكرسة فيه او المعتمدة من ضمن الكتلة الدستورية.

ورد في هذا القرار سبب ابطال مرده مخالفة القانون المذكور، والمطعون فيه من نواب عشرة، المادة 19 من الدستور لجهة حق رئيس مجلس الوزراء بمراجعة المجلس الدستوري في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين. جاء في قرار المجلس، تحت هذا السبب، ان "حق رئيس مجلس الوزراء المستقيل بالطعن بالقانون الذي يشارك بتوقيعه رئيس الدولة في مرسوم اصداره لا يدخل في المفهوم الضيق لتصريف الاعمال، لانـه عمل انشائي بامتياز وغير اجرائي، طالما من شأنه ان يؤدي الى ابطال هذا النص التشريعي واحداث وضع قانوني مغاير بنتيجة هذا الابطال". انتهى المجلس تحت هذا السبب الى ان استبعاد رئيس مجلس الوزراء المستقيل، بالشكل الموصوف اعلاه، من دائرة المراجع التي يحق لها ان تمكّن المجلس الدستوري من ان يقبض على اختصاصه بمراقبة دستورية قانون مذيل بتوقيع رئيس مجلس الوزراء المستقيل، من شأنه ان يبطل هذا القانون لمخالفته المادة 19 من الدستور، سيما "ان مهلة الطعن بالقانون المذكور قد تنقضي قبل ان ينتقل حق الطعن الى الخلف".

2011-05-19