ارشيف من :أخبار لبنانية
عون العصيّ على مطحنة ميقاتي!
إدمون صعب - "السفير"
«من قدّر أنه سليم من طعن الناس وعيبهم، فهو مجنون» - (ابن حزم الأندلسي)
أول من أمس كان 17 أيار، التاريخ المشؤوم الذي خُطط له ليجر لبنان إلى مهلكة.
مر ذلك التاريخ الذي طوى اللبنانيون صفحته السوداء، كأنه لم يكن، في غمرة عرس 15 أيار، الذي تحدّت فيه أجيال جديدة، من الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، ما كان مستحيلاً، فعبرت حواجز الخوف واندفعت صوب فلسطين غير هيّابة بجنود العدو وأسلحتهم ومجنزراتهم.
ولقد كان من الصعب على اللبنانيين نسيان 17 أيار المشؤوم وأبطاله الذين لا يزالون إلى الآن يعملون لإحيائه، من خلال المواقف المستضعِفَة للبنان حيال الكيان الصهيوني وجبروته، مصوبين على المقاومة وسلاحها، متجاهلين شلالات الدماء التي انهمرت فوق الجنوب والبقاع الغربي، وأفواج الشهداء الذين طردوا جحافل العدو والمتعاونين معه في 25 أيار 2000، الذي تحل ذكراه الحادية عشرة بعد أسبوع، في شهر هو الأغنى بالمعاني والبطولات. وما لبث المقاومون ان لقّنوا العدو درساً لن ينساه في حرب تموز 2006، التي لا تزال تداعياتها الداخلية مستمرة إلى الآن، وتشكّل واحدة من العراقيل التي تؤخر تأليف الحكومة، بسبب التحرير، ومن يحرر بقية الأرض المحتلة: المقاومة، أم الجيش، أم الدولة، أم الشعب، علماً بأن ثمة توافقاً تم في البيان الوزاري لحكومة تصريف الأعمال على ان التحرير هو مهمة مثلثة الأضلاع يقوم بها الجيش والشعب والمقاومة.
وكاد الخلاف حول هذا الموضوع ينسف مفاعيل القمة الروحية التي عقدت الأسبوع الماضي في بكركي، وتسللت إليها السوسة التي نخرت الجسم السياسي في موضوع التحرير. إذ بعدما اتفق في مسودة البيان الذي أعد للصدور عن القمة، ان «للبنان الحق في تحرير أرضه»، امتدت يد شريرة إلى النص فشطبت هذه الجملة وأحلّت مكانها عبارة «حق الدولة في تحرير أراضيها»، في تعمّد لإبعاد كلمة المقاومة من النص، وذلك إرضاء لأطراف سياسيين ليسوا بعيدين عن 17 أيار وروحه.
وقد أدى ذلك إلى زيادة التباعد بين بكركي في عهد سيدها الجديد مار بشارة بطرس الراعي، والطائفة الشيعية التي هدفت القمة إلى اجراء مصالحة معها اثر التباعد بين الطرفين الذي تسبب فيه ما عرف بـ«النداء السابع» للمطارنة الموارنة الذي صدر في أيلول 2006، اثر انتهاء الحرب مع إسرائيل. واتهم النداء «حزب الله» بالتفرد بالقرار عبر خطف جنديين إسرائيليين في 12 تموز، الأمر الذي أشعل الحرب آنذاك. ووصف النداء المقاومة بأنها تحولت، بعد انجاز التحرير عام 2000، الى ميليشيا خارجة على القانون!
ومنذ ذلك التاريخ والعلاقات مقطوعة بين بكركي والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. وكان مؤملاً ان تعيد القمة الروحية المياه إلى مجاريها بين الطائفتين، إلا ان ثمة من أزعجه الوئام، فامتدت يده إلى مفصل حساس في العلاقة بين المجموعتين الطائفيتين المارونية والشيعية.
وتمت محاسبة التفرد بالقرار في 17 أيار، في اتفاق الطائف عام 1989، إذ انتُزعت الصلاحيات «الملكية» المطلقة من رئيس الجمهورية الماروني، ونُقلت إلى مجلس الوزراء مجتمعاً برئاسة شخصية سنية.
وكان رد الفعل في انتخابات 2001، مقاطعة فريق كبير من المسيحيين يتقدمهم العماد ميشال عون، الذي رفض الطائف، هذه الانتخابات التي وضع قانونها اللواء غازي كنعان على نحو مكّن الرئيس رفيق الحريري وفريقه من القبض على السلطة، والتحكم بها، الأمر المستمر إلى الآن.
ثم جاءت انتخابات 2005 التي قادها التحالف الرباعي الذي ضم أربعة أحزاب إسلامية هي: «تيار المستقبل»، حركة «أمل»، «حزب الله»، والحزب التقدمي الاشتراكي، ومعها المسيحيون التابعون لها. وقد أغضب ذلك المسيحيين الآخرين، فصبّوا أصواتهم في الصناديق مع العماد ميشال عون وتياره في «تسونامي» اجتاح المتن وكسروان. ونال عون آنذاك نسبة 70 في المئة من الأصوات. واضطر البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير الذي كان على خلاف معه إلى الاعتراف بأنه «اليوم أصبح للمسيحيين زعيم». لكن، أي زعيم؟ زعيم ممانع، اعتبر انه لم تعد هناك من خلافات مع سوريا بعد خروجها من لبنان في 26 نيسان 2005، وانه يجب التفاهم معها، وخصوصاً في موضوع المواجهة مع إسرائيل. كذلك يجب التفاهم مع «حزب الله» وصون المقاومة لأنها ضمان للدفاع عن لبنان.
وهكذا، التقى في «تفاهم مار مخايل» المهمشون والمعزولون والمُبعدون، ومذ ذاك والحرب مفتوحة ضد الفريق المسيحي المعارض والممانع، الذي رفض ان يكون تابعاً لأي فريق داخلي، متمسكاً بـ«قوة مسيحية مستقلة» موازية لأي فريق مسلم داخل الصيغة، له حقوق متوازية مع حقوق الأفرقاء الآخرين، وله ممثلون منتخبون يجب الاعتراف بهم شركاء كاملي الأوصاف.
وأصبح عون أحد أركان المعارضة الرافض للاملاءات الخارجية، العنيد، والمشاكس في ما يعتبره حقاً للذين يمثلهم في مجلس النواب، فصحّ فيه قول الإنجيل: «ان الحجر الذي رذله البنّاؤون قد أصبح حجر الزاوية».
والمعركة التي يخوضها عون اليوم مع الرئيس المكلف، وفي مواجهة الأفرقاء الإقليميين والدوليين، باعتباره في واجهة المتصدين للتسييس الذي تسلكه المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وجعلها أداة للانتقام من المناوئين لإسرائيل ولتيار الممانعة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي ـ وفي مقدمهم «حزب الله» وسوريا، و«حماس» وبقية الفصائل المتحالفة معها ـ، هذه المعركة هي معركة الاعتراف بـ«حجر الزاوية» المسيحي الذي يرفض الرئيس ميقاتي مواصفاته.
ولطالما تحدث رئيس مجلس النواب نبيه بري عن تحكّم ثلاث طبقات بمبنى السلطة في لبنان. الطبقة الأولى داخلية، والثانية إقليمية، والثالثة دولية، وهي الأكثر تأثيراً لأنها «دوبلكس»، أميركية في طبقة، وأوروبية في طبقة أخرى.
وعُلم ان مديرها سيأتي من واشنطن إلى بيروت قريباً، ويدعى جيفري فيلتمان. ويبدو ان أوامره الشفهية والهاتفية لم تكن كافية لجعل المطحنة تسحق حجارة عون، فحضر ومعه قطع خارقة!
قولوا: الله يستر.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018