ارشيف من :أخبار لبنانية

مـاذا فـي رسـائـل 15 أيـار... العـابـرة للحـدود؟

&#65279مـاذا فـي رسـائـل 15 أيـار... العـابـرة للحـدود؟

عماد مرمل - صحيفة السفير

إذا كانت طبيعة المرحلة التي يمر فيها لبنان والعالم العربي تستهلك الأحداث بسرعة، نظراً الى كثافتها وتلاحقها، فيأتي الحدث الجديد ليغطي على ما سبقه، إلا ان هذا العرف يجب ألا يسري على وقائع يوم 15 أيار، الذي نقل القضية الفلسطينية من ضفة الى أخرى، بقدر ما نقل بعض اللاجئين المندفعين من أرض الشتات الى أرض الوطن، عبر قفزة من فوق الشريط الشائك... ولو أن الكلفة البشرية كانت عالية وغالية.

ومع مرور بعض الوقت على «موقعة» 15 أيار، بات يمكن رسم صورة أكثر موضوعية لذاك اليوم الذي بدّل معادلات مزمنة، كانت سارية في المنطقة لعقود، معيداً ترسيم قواعد اللعبة وحدودها، وفق موازين قوى مختلفة ومبدعة، فاجأت أولئك الذين كانوا يفترضون أنه يمكن التحكم بـ«أزرار» الصراع العربي - الاسرائيلي من خلال ضمان استمرار التفوق النوعي لجيش الاحتلال الاسرائيلي في منطقة الشرق الاوسط.

وفيما كانت إسرائيل تحاول طيلة الاشهر الماضية أن تظهر للعلن أن التحولات الحاصلة في العالم العربي تصب على المستوى الاستراتيجي في مصلحتها، لأن وجود شرق أوسط ديموقراطي سيؤمن بيئة أفضل لها.. غير أن دوائر القرار العسكري والأمني والاستخباراتي كانت تحذر من أن إعادة الاعتبار الى الشارع والى الجماهير في العالم العربي، قد يشكل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل، لأن من ثاروا بالملايين ضد الديكتاتوريات، يمكن أن ينزلوا بالملايين مطالبين بإعادة الاعتبار لقضية فلسطين وتحريرها، وربما يبادرون الى الذهاب الى الحدود مباشرة، فكيف ستتصرف اسرائيل حينذاك؟

جاءت انتفاضة 15 أيار لتضرب الفرضية المعلنة في الصميم وتؤكد صوابية المخاوف المضمرة وتضع الكيان الاسرائيلي أمام تحديات جديدة، قد تكون الأصعب في تاريخ الاختبارات التي خاضها منذ تأسيسه على أنقاض فلسطين وشعبها قبل 63 عاما.

كان واضحا أن «تسونامي الحدود» قد أيقظ «كوابيس» كامنة لدى الاسرائيليين الذين افترضوا بعد مرور عشرات السنوات على «النكبة» انهم نجحوا في تقزيم مفهوم القضية الفلسطينية، الى حد يجعله موازياً لمساحة الضفة الغربية وقطاع غزة «عقارياً»، حيث يفترض أن تقام «دويلة» أو «كانتون» في جزء من أراضي العام 1967، فجاء الإحياء النوعي هذه المرة لتاريخ 15 أيار المرتبط بنكبة 1948 تحديدا - أي بأراضي فلسطين التاريخية - كي يعيد الصراع الى مربعه الاول ومنابعه الاصلية، وليس نجاح أحد الشبان الفلسطينيين في الوصول الى عمق الاراضي المحتلة في يافا، عبر اختراق أسلاك الجولان المحتل، إلا رسالة بليغة تعكس هذا المعنى.. لمن يحسن القراءة.

ولكن.. ماذا عن الرسائل السياسية؟ وهل أراد السوريون و«حزب الله» و«حماس» وإيران أن يبعثوا نسخاً منها الى اسرائيل وأميركا، رداً على الضغوط التي تتعرض لها هذه الاطراف، ولا سيما دمشق؟

لا تبدي المقاومة أي اهتمام بنفي هذا الامر أو تأكيده، مفضلة أن تترك الهامش مفتوحاً أمام كل الاحتمالات والسيناريوهات، وإذا كانت تل أبيب وواشنطن قد قررتا أن تتعاملا مع أحداث مارون الراس والجولان وغزة والضفة والأردن، على أساس أنها موجهة عن بُعد، من غرفة عمليات مركزية ومشتركة تضم حارة حريك ودمشق وطهران وغزة، فإن هذا المحور لا يجد غضاضة في ترك مثل هذه التفسيرات والتأويلات تأخذ مداها، بمعزل عما إذا كان سيناريو الوقائع قد تطور فعلاً وفق إحداثيات مسبقة وبإدارة مدروسة، أم أنه شق دروبه الميدانية من تلقاء ذاته، وبقوة دفع ذاتية من الشباب المتحمس.

ولعل من أهم الدلالات المستخلصة من «مواجهات الحدود» الآتي:

- ان انشغال دمشق وحلفائها بما يجري في سوريا داخليا لم ينعكس على جبهة الصراع مع اسرائيل، بل لعله شكل حافزا لإعادة تزخيمها على قاعدة تصويب البوصلة في اتجاه فلسطين، الأمر الذي فاجأ تل أبيب وباغت حساباتها السياسية ومظلتها الامنية، وبالتالي عليها أن تفكر بقبة حديدية من نوع جديد تقيها خطر الملايين اذا قررت أن تزحف نحو الحدود.

- ان تحريك جبهة الجولان عبر»الأمواج البشرية»، سواء كان عفويا أم مقصودا، إنما يؤشر بعد هدوء «مزمن» استمر منذ عام 1973، الى حصول خلط في الأوراق التي كانت مستقرة فوق طاولة الـ«ستاتيكو» السوري - الإسرائيلي، علماً بأن هناك من يقول إن الاضطرابات التي حدثت في سوريا قد تدفع الرئيس بشار الأسد الى تعديل استراتيجية «اللاحرب واللاسلم» التي استنزفت شعبه طيلة عقود وتسببت بإنتاج بيئة ملائمة للفساد والبيروقراطية ولطغيان الأولويات والادوات الامنية على الإصلاحات السياسية والمؤسسات المدنية، وهو الذي لطالما عبر عن ضيقه من الواقع السلبي وتطلعه للإصلاح منذ تسلمه سدة الرئاسة قبل 11 عاما.
 
- ان استعادة الحدود السورية مع فلسطين المحتلة لحيوية الصراع وديناميته تخفف من وطأة «التهمة» الموجهة الى دمشق بأنها تستخدم الساحتين اللبنانية والفلسطينية لتحسين شروط التفاوض أو الصدام مع اسرائيل، مقابل تحييد الجولان.

- ان أحداث مارون الرأس ومجدل شمس والضفة الغربية وقطاع غزة ومحاولات التقدم الى الحدود الأردنية والمصرية ترمز الى معالم استراتيجية شعبية مشتركة لمواجهة إسرائيل على «الطريقة الغاندية»، بعدما طال الانتظار العبثي للاستراتيجية العربية المشتركة التي كان يُفترض أن تضعها الأنظمة، فإذا ببعضها يطير، من دون أن يرى المولود الموعود النور.

- ان خيار المقاومة ما زال الأكثر شعبية والأقدر على استقطاب الجمهور العربي، متجاوزاً حواجز الاصطفافات المذهبية، ولعل الهتافات المؤيدة للسيد حسن نصر الله التي أطلقها الفلسطينيون المحتشدون عند الحدود اللبنانية، قدمت الدليل القاطع على نقاء هذا الخيار وتمكنه من ضخ هواء نظيف مضاد للسموم المذهبية.

- ان مسارعة بعض قوى 14 آذار الى انتقاد ما جرى بحجة أنه يهدد الأمن القومي اللبناني من دون أن يساهم في تحرير شبر واحد من فلسطين، إنما يختزل المشهد التاريخي بزاوية محدودة ويجافي العديد من الحقائق، وأولاها أن ما حصل في مارون الرأس كان جزءاً من كل، على امتداد دول الطوق وفي العمق الفلسطيني، وبالتالي فإن لبنان لم يكن استثناء مستباحاً بل كان شريكاً متفاعلا في حراك جماعي. ثم ان المصلحة الداخلية الضيقة تستوجب تأييد التحرك الذي قام به الفلسطينيون لأنه أصبح بمثابة السبيل الوحيد لإجهاض مخطط التوطين وللدفع نحو تطبيق القرار 194، بما يتيح عودة اللاجئين الى ديارهم، وبالتالي الحؤول دون تكريس أي خلل في التوازنات الطائفية والديموغرافية المرهفة في هذا البلد.

هذه المرة، أعاد 15 أيار الاعتبار الى التاريخ والجغرافيا معا، وجعل الأسلاك الشائكة تحاصر مستقبل إسرائيل بدلا من أن... تحميه.

2011-05-20