ارشيف من :أخبار لبنانية
"ويكيليكس" : وزير الداخلية السعودي يضيق على الشيعة لفرض عضلاته في وجه جهود الملك عبد الله
إحتل موضوع شيعة السعودية حيزاً كبيراً من اهتمام الدبلوماسية الأميركية، في جدة والظهران، فالبرقيات الصادرة عن السفارة الأميركية في الرياض والقنصليتين الأميركيتين تشير بوضوح إلى سعي الولايات المتحدة إلى رصد كل ما له علاقة بأوضاعهم عن كثب.
وفي مقدمة المسائل التي تطرقت إليها البرقيات أوجه التمييز التي يتعرض لها الشيعة السعوديون، وتحديداً في المنطقة الشرقية التي تصفها الولايات المتحدة بأنها أهم منطقة استراتيجية في المملكة، كذلك أولت البرقيات اهتماماً بتقويم مدى تأثير التمييز والشكاوى المتزايدة منه في علاقتهم بحكومة بلادهم، إلى جانب الاختلاف في الرؤى بين الجيلين القديم والجديد لدى أبناء هذه الطائفة وتداعياته.
فالشيعة من وجهة النظر الأميركية يطلبون المزيد من الحقوق، تمثيلاً أكبر في الحكومة، والوصول إلى المؤسسات التعليمية والمؤسسات المدنية الأخرى، وباتوا يرفعون صوتهم أعلى للحديث عن مطالبهم، وسط مخاوف من أن يؤدي حرمانهم حقوقهم المشروعة إلى التطلع لجهات خارجية للحصول على دعم سياسي أو توجيه عقائدي.
من هذا المنطلق، تخلص البرقيات الأميركية إلى مجموعة من الاستنتاجات بشأن طبيعة العمل التي ينتهجها أبناء الطائفة الذين يمثّلون قرابة 10 في المئة من سكان المملكة، بهدف اكتساب المزيد من الحقوق، فهم يعوضون عن غياب المشاركة السياسية من خلال عدد من الوسائل، بما في ذلك المنتديات أو جلسات النقاش التي تعقد في داخل المنازل والجمعيات غير الحكومية (06RIYADH3301)، فيما "يتحايلون على تهميش قضاياهم في وسائل الإعلام التقليدية من خلال اللجوء إلى وسائل أكثر حداثة، وتحديداً صحافة الإنترنت".
كذلك تميز معظم هذه الفئة من المواطنين السعوديين إلى حدٍّ بعيد بين الملك عبد الله بن عبد العزيز والحكومة السعودية، فهم يحترمون ملكهم، أوفياء له، ويعتقدون أن لديه نيات طيبة، لكنهم في الوقت نفسه يأخذون عليه عجزه عن تحقيق ما يطمحون إليه من تحسين أوضاعهم.
ومع ذلك، فهم لا يترددون في طرح مشاكلهم بصراحة مع الملك، عندما تسنح لهم الفرصة للقائه، أو مع أي مسؤول حكومي آخر، بما في ذلك أمير المنطقة الشرقية، الأمير محمد بن فهد، أو حتى وزير الداخلية نايف بن عبد العزيز، اللذين يرى فيهما الشيعة مصدراً رئيسياً للتمييز الذي يتعرضون له.
وفيما نقلت البرقية (09RIYADH824) عن الناشط الحقوقي إبراهيم المقيطيب قوله إن أوضاع الشيعة تراجعت خلال الأشهر الثمانية الماضية، معدداً مجموعة من الحوادث التي تدل على وجود تمييز سياسي وديني بحق الشيعة، تحدثت البرقية (08RIYADH853) عن تواصل شعور الشيعة في السعودية بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، يواجهون مظاهر تمييز رسمي وغير رسمي، مستندة في ذلك إلى عدد من البرقيات السابقة للقنصلية الأميركية في الدمام، بالإضافة إلى عدد من المقابلات وإحصاءات عن أوضاع الشيعة في الأحساء، قدمها ناشطون شيعة للجنة حقوق الإنسان في بداية عام 2008، واستطاعت السفارة الحصول على نسخة منها.
وعلى صعيد التمييز المؤسساتي المستمر، وتحديداً السياسي، لفتت البرقية إلى أنه رغم تمثيلهم لثلث عدد سكان المنطقة الشرقية، فإن 3 فقط من أصل 59 من أعضاء المجلس البلدي المعينين في المنطقة الشرقية هم من الشيعة، رغم أنهم 11 من أصل 12 من الأعضاء المنتخبين. وفي الأحساء، حيث يمثّل الشيعة قرابة 60 في المئة من السكان، جميع المكاتب الحكومية الـ46 يديرها سُنّة.
أما على الصعيد الوطني، فإن 3 فقط من أصل 150 عضواً من مجلس الشورى المعينين شيعة، ولا شيعة يحتلون منصباً وزارياً أو منصب نائب وزير، حاكم أو نائب حاكم. ولا شيعة دبلوماسيين في وزارة الخارجية السعودية، أو يمثلون السعودية في المؤسسات الإسلامية.
في حين أن الرموز الشيعية التي تعمل مع المؤسسات الحكومية السعودية، مثل لجنة حقوق الإنسان، أو على سبيل المثال في مناصب بلدية في القطيف، غالباً ما ينظر إليها على أنها "في جيب الحكومة السعودية ولا تمثل مصالح المجتمع الشيعي أو هواجسه".
وعلى الصعيد القانوني، لفتت البرقية إلى أن تطور نظام المحكمة الجعفرية من قاضٍ واحد إلى قاضيين، وإضافة محكمة استئناف تضم ثلاثة قضاة، لم يسهما إلا في تذكير الطائفة الشيعية بـ"الجمود وغياب التزام الحكومة السعودية في التعاطي مع هواجس الشيعة".
وفي ما يتعلق بالصعيد التعليمي، أوضحت "البرقية أنه لم يتغير الكثير من وضع الشيعة خلال السنوات الماضية، فهم لا يسمح لهم بفتح مدارس خاصة، ومن أصل 319 مدرسة للصبيان في الأحساء، لا يوجد سوى 7 مديري مدارس من هذه الطائفة، فيما يشغل 30 فقط منهم منصب نائب مدير مدرسة.
أما في مدارس الإناث، فالوضع أسوأ، ومن أصل 309 مدارس للبنات، لا مديرة مدرسة من الطائفة الشيعية، فيما يقتصر عدد الذين يشغلون منصب نائب مدير مدرسة على 7، ولا مدير مدرسة في مدارس الإناث في القطيف، وفي الجامعات، يُعَدّ تمثيلهم ناقصاً. ففي جامعة الملك فيصل، من أصل 287 موظفاً، فقط 7 هم شيعة.
ووفق البرقية، "على الرغم من أن وزارة التربية حققت تقدماً في إزالة لغة التمييز السائدة بحق الشيعة من الكتب المدرسية، إلا أنه تبقى إشارات مقلقة، إذ أن المذكرات المدرسية تظهر دعوات معاقبة طلاب شيعة تغيبوا خلال مناسبات دينية مثل عاشوراء.
من جهتها، تعود البرقية (08RIYADH853) للحديث عن التمييز اقتصادياً، وتوضح أن الشيعة ممثلون تمثيلاً ناقصاً في الخدمات الأمنية والحكومية، ففي الأحساء، لا يوجد سوى 3 ضباط شيعة في جميع المرافق الأمنية، بما في ذلك الوكالات الخاضعة لوزارة الداخلية، الحرس الوطني، وزارة الدفاع والطيران.
أما في المؤسسات شبه الحكومية، وفي مقدمتها أرامكو، فتتحدث البرقية عن أنّ من المعروف على نطاق واسع أن لديها "حاجزاً زجاجياً" مفروضاً على تقدم
الموظفين الشيعة، وأنها تلجأ إلى عدم توظيف شيعة في مناطق حساسة أمنياً، وأضافت إن "التمييز الاقتصادي يتجسد على نحو أوضح عند النظر إلى قوانين تقسيم المناطق التي تحدد الارتفاع المسموح به للأبنية في مناطق مختلفة، ومع أن المباني من ثماني طبقات مسموح تشييدها على طول الطريق السريع الذي يقود من الدمام إلى القطيف، تتغير قواعد بناء المباني مع الدخول إلى أول قرية ذات غالبية شيعية، سيحات، حيث تتطلب القواعد أن تكون الأبنية أقل من أربع طبقات".
على الصعيد الديني، أوضحت البرقية أنه فيما الجوامع والأئمة السنة ممولون من وزارة الشؤون الدينية، لا تتلقى الجوامع الشيعية أي تمويل من الحكومة السعودية، حيث أن الحصول على رخصة لفتح مسجد شيعي، يعتمد غالباً على هوى المسؤولين الحكوميين المحليين، ويوصف بأنه "غامض ومرهق"، وأما الحسينيات فإنها لا تحصل مطلقاً على ترخيص من الحكومة، ما يجعلها غير محصنة عندما تقرر الحكومة السعودية إقفالها بحجة "عدم حصولها على تراخيص".
وبحسب البرقية (09DHAHRAN246)، وصف أحد الناشطين السياسيين الأمير محمد بن فهد بأنه "حاكم سيئ" محاط بمستشارين مذهبيين، فيما اتهمه آخر بأنه "متطرف في تمييزه"، ويجمع العديد من مصادر السفارة على اعتبار أن أمير المنطقة الشرقية، ووزير الداخلية نايف بن عبد العزيز، بمثابة المسؤولين المباشرين عن هذه المشكلة.
ويعتقد البعض أن الأميرين القويين "يدعمان ضمنياً الممارسات التمييزية في الأحساء وأماكن أخرى من المنطقة الشرقية"، فيما ذهب البعض الآخر إلى حد اتهامهما بإعطاء أمير منطقة الأحساء الأوامر بتطبيق سياسات تمييزية.
وأظهرت البرقية (09DHAHRAN99) نقلاً عن أحد الأشخاص على اتصال مع السفارة، أن محمد بن فهد عرقل لقاء مجموعة من الشخصيات بالملك عبد الله خلال زيارته الثالثة من نوعها منذ تسلمه الحكم للمنطقة الشرقية، وسط اقتناع العديدين بأن محمد بن فهد لن يتوقف عن هذه الممارسات، ما لم يكفّ الملك يده (09DHAHRAN217).
كذلك ربطت البرقية (08RIYADH1070) بين بعض التضييقات التي يتعرض لها الشيعة في المنطقة الشرقية، ومحاولة مدروسة لإفشال جهود الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز للحوار بين الأديان.
ونقلت البرقية عن أحد الوجوه الشيعية البارزة قوله لأحد الدبلوماسيين الأميركيين إنه لا أحد من القادة الشيعة يرى أن عمليات إغلاق المساجد والاعتقالات أتت بالصدفة تماماً، وبعضهم يعبّر عن نظرته بأن هذه الأفعال تعود إلى "وجود وزير الداخلية الأمير نايف، بدعم باطني من إخوته السديريين، لفرض عضلاته في وجه جهود الملك عبد الله".
وأضافت: إن نايف يتمتع بعلاقات قريبة مع أمير المنطقة الشرقية، محمد بن فهد، نظراً إلى زواج الأخير بابنة وزير الداخلية، لافتة إلى أن العديدين يعتقدون أن نايف من خلال عمله مع أمير المنطقة الشرقية يسيطران على أجندة الحرية الدينية للمنطقة، وهو ما دفع عدداً من الشخصيات الشيعية في البرقية (09DHAHRAN266) إلى التحذير من إمكان أن يقود استمرار التمييز إلى التطرف في المنطقة الشرقية، لا سيما مع اتساع الفجوة في الأجيال في المجتمع الشيعي بين أعضاء كبار في السن كتومين وجيل شاب غير صبور، يميل إلى الاحتجاج بنحو أعلى وأكثر انفتاحاً بغض النظر عن التداعيات، بما في ذلك السجن.
وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر في صدقية التزام الحكومة السعودية بالحديث عن الإصلاح، لا تزال القوى المحورية للمجتمع الشيعي ملتزمة باستخدام وسائل غير عنفية للعمل من داخل الدولة، وهو ما يدفع المسؤولين الحكوميين، على سبيل المثال، إلى الاستعانة برجال الدين الشيعة عندما تستدعي الحاجة، وفقاً لما أظهرته البرقية (09RIYADH346).
إلاّ أنه رغم ذلك، تحدثت البرقية عن وجود قلق من تأثيرات ركود الإصلاح على الشباب في المنطقة الشرقية، متحدثةً عن وجود العديد من الإشارات إلى أن القيادات السياسية والدينية لديها تأثير أقل على الجيل الشاب في المجتمع الشيعي في المملكة، والشبان الشيعة كانوا موضع تطرق تفصيلي للسفارة في البرقية (09RIYADH270) التي توصلت إلى مجموعة من الخلاصات عن وضعهم، مؤكدةً أنهم محبطون من عدم قدرة قياداتهم على تحقيق المزيد من الحقوق، التمثيل والفرص في مجتمعهم.
من جهة ثانية، حددت الدبلوماسية الأميركية ثلاثة أسباب رئيسية للاهتمام بالمنطقة الشرقية التي يحكمها الأمير محمد بن فهد، وأوضحت البرقية (09DHAHRAN187) أنه إلى جانب أنها "أكبر مناطق المملكة، تمثّل المنطقة الشرقية المحرك الصناعي للسعودية، وتستقر فيها شركة النفط الحكومية المتطورة والمدارة جيداً".
كما تُعَدّ المنطقة مركز التمركز الشيعي في المملكة، وبالتالي إن إمكان التوتر الشيعي يمثّل اهتماماً خاصاً للولايات المتحدة، نظراً إلى الوجود الجغرافي لهذه الأقلية في مركز الثروة النفطية من جهة، وطبيعة العلاقات التي تحكم العلاقة بين الشيعة والسلطات السعودية، والتي "هي في أحسن الأحوال غير ذات ثقة".
وأضافت البرقية (06RIYADH5904) سبباً إضافياً، متحدثةً عن قرب المنطقة الجغرافي والثقافي من عددمن الدول الخليجية، ما يجعل سكان المنطقة "مؤيدين طبيعيين، وداعمين للتحولات السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية.
المصدر: صحيفة "الاخبار"
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018