ارشيف من :أخبار لبنانية
الانتصار النفسي لـ"حزب الله"
سامي كليب - صحيفة السفير
سيحفظ تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي ان "حزب الله" هو فقط من غيَّر المعادلة الايديولوجية والنفسية لأسطورة "جيش الدفاع الاسرائيلي الذي لا يُقهر". ليست القضية هنا في انتصاره على آلة الحرب الاسرائيلية الجهنمية والمفتقرة الى كل أسس الاخلاق العسكرية، بل حول قدرته على زعزعة الفكرة الصهيونية بحد ذاتها، وضرب "اليقين" العسكري الذي ارتاح اليه الشعب الاسرائيلي منذ عام 1947. انتصرت اسرائيل تاريخيا على العرب 3 مرات، معظمها بسبب خيانات عربية عربية او لسوء التقدير والاعداد. فرضت نفسها في العام 1984 لأن "النخوة" العربية البدوية والبدائية فوجئت بتنظيم عسكري دقيق وبعصابات إجرامية ولكن أيضا بعقيدة دينية وأيديولوجية قوية لدى المستقدمين الاسرائيليين وبغطاء بريطاني صار اُمميا. لا حاجة للتذكير بخيبة أمل القائد المناضل عبد القادر الحسيني (والد المرحوم فيصل) حين ذهب يطلب السلاح من العرب فخذلوه وسخروا منه فعاد ليستشهد على أرض المعركة في "معركة القسطل" الشهيرة.
كان لاستشهاده ولسقوط القسطل دور كبير في اضعاف معنويات المقاتلين العرب وبداية خسارة المعركة العسكرية. وفي عام 1967 انتصرت اسرائيل لسوء تقدير ظاهر عند الجانب المصري، ولعدم صدق السوفيات، وربما أيضا لخيانات في محيط الزعيم جمال عبد الناصر. دمرت اسرائيل جل الطيران العسكري المصري قبل ان يُقلع. سمّرته وشرف الامة في الأرض. أصيب الوطن العربي بالنكسة، فرحت اسرائيل ولكن أيضا بعض القادة العرب الذين كانوا يتآمرون للقضاء على ناصر ووهجه. (لو كانت ويكيلكيس جاهزة آنذاك لتحدثت بشيء يشبه ما كشفته عن الذين تآمروا على "حزب الله" والسيد حسن نصر الله خلال وبعد انتصار العام 2006). وفي عام 1982 انتصرت اسرائيل بسبب تخلي العرب عن لبنان او صراعاتهم عليهم.
تواطأ بعضهم على البلد الصغير، وبعضهم الآخر على فلسطين وقضيتها، وأضيف الى ذلك سوء تقدير وفساد القيادات الفلسطينية التي حوّلت لبنان الى وطن بديل عن فلسطين بمساعدة قيادات من الحركة الوطنية. أما في الحروب الحقيقية أي في حربي 2000 و 2006 فقد هُزمت اسرائيل شر هزيمة. لا ضرورة هنا لرواية من أنكروا الهزيمة من الأبطال اللبنانيين لويكيلكيس، بل يمكن الاعتماد على الاعتراف الاسرائيلي والبلبلة الاسرائيلية لمعرفة حجم خسارة المشروع الصهيوني. لماذا هُزمت اسرائيل وهي المدججة بأحدث أنواع السلاح وبانعدام ضمير عالمي حيال كل وحشيتها؟ السبب بسيط. انتقلت العقيدة من الجانب الاسرائيلي الى "حزب الله".
نحن أمام مقاتلين استندوا الى دينهم وإلى إيمانهم بأرضهم وبأن معركتهم مصيرية، وجرى دعم الإيمان بتدريب عسكري وقدرات ومفهوم جديد من القتال عز طويلا على معظم الجيوش والمنظمات العربية. صحيح ان مناضلين عربا آخرين كانوا قد رسموا الطريق بدمهم وطواهم النسيان في مصر، هم مقاتلو "منظمة سيناء العربية" والذين كانوا يسدون المدافع الاسرائيلية بقمصانهم، وصحيح أيضا ان بعض الاحزاب الوطنية اليسارية اللبنانية كانت قامت بعمليات ناجحة، لكن "حزب الله" كسر فعليا الحاجز النفسي، وهذا هو الانتصار الأهم. وكما كرست الصهيونية رموزا لها عبر التاريخ لدعم العقيدة القتالية والنفسية، فإن صورة السيد حسن نصر الله في الوطن العربي رسخت طويلا في القلوب والوجدان كرمز للمقاومة الصادقة واليقين بأن النصر ممكن.
كان لا بد إذا من تشويه صورة نصر الله كما شوهت صورة عبد الناصر، ومصدر التشويه نفسه، والدول نفسها، التاريخ يكرر ذاته، ويجب الاعتراف أيضا بأن الغرق في دهاليز اللعبة السياسية الداخلية ساهم في تصويب السهام على "السيد" ومقاومته. كان يمكن للسيد حسن نصر الله أن يبقى فوق مآسي السياسة اللبنانية، وأن يحصر خطابه السياسي وإطلالته المتلفزة بالصراع مع اسرائيل، وأن يترك لغيره من حزبه او من الحلفاء مهمة الرد على الراغبين بنزع سلاح "حزب الله" والمقاومة، او مهمة الدفاع عن الاقليات الشيعية في دول الخليج. لكن ربما عند الحزب مبرراته. سيحكم التاريخ على ذلك، والمهم ان يتجنب "حزب الله" في المستقبل الفخاخ الكثيرة المنصوبة له لبنانيا بذريعة نزع السلاح، وعربيا بأدوات المذهبية البغيضة. لقد انحصرت المقاومة اللبنانية في العقد الأخير بـ"حزب الله" او كادت.
وهي بالتالي ذات طبيعة اسلامية، ولكن للمقاومة أنصارا في الطوائف الاخرى، ولها مناصرون في دول عربية عديدة برغم التهييج المذهبي ضدها، وبين الانصار علمانيون وليبراليون وهؤلاء ربما يختلفون مع "حزب الله" في فكره الديني والسياسي ولكنهم يلتقون معه في نضاله الشريف ضد اسرائيل ولنصرة فلسطين والاراضي المحتلة. الحاجة باتت ملحة الآن، أي بعد ثورتي مصر وتونس وانتفاضات البحرين وليبيا واليمن وسورية، ان يقدم "حزب الله" قراءة جديدة للواقع العربي ولدوره فيه، وليس عيبا ان يكون في القراءة نقد ذاتي بغية التطوير. أما تاريخنا العربي فسيقول، لو صدق، إن المقاومة اللبنانية بقيادة "حزب الله" محطة مضيئة على جبين هذا الوطن العربي الكبير الذي عاش طويلا ذل الصراع. وإن الحاجة الى بقاء المقاومة قوية بمقاتليها وشعبها ومناصريها كبيرة في ظل التقاسم العالمي الجديد لوطننا العربي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018